شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-08-24
 

اطلبوا الحكمة ولو في البرازيل

القدس العربي

يسعى العديد من الزعماء العرب هذه الأيام الى تعزيز علاقاتهم مع نظرائهم في امريكا اللاتينية، مثل هوغو تشافيز رئيس فنزويلا ولولا دا سلفا رئيس البرازيل، ولكن اللافت ان الهوة واسعة جداً بين الجانبين سواء على صعيد الانجازات على الارض او على صعيد طريقة الحكم.

فبينما وصل جميع حكام امريكا اللاتينية الى الحكم عبر صناديق الاقتراع في انتخابات ديموقراطية (باستثناء فيدل كاسترو) فإن الغالبية الساحقة من الحكام العرب جاءوا اما عبر انقلابات عسكرية او بالوراثة، وبقوا في الحكم لعشرات السنين.

الرئيس البرازيلي لولا دا سلفا على سبيل المثال لا الحصر، يقدم نموذجاً فريداً في الحكم، ربما اكثر نصاعة من نموذج جاره الشمالي باراك اوباما، من حيث كونه وصل الى سدة الرئاسة ليس لأنه من اسرة غنية او ذهب الى اهم الجامعات العالمية، وانما لانه عامل فقير تشبع بأفكار اليسار الاشتراكي وانخرط في الحركة العمالية في بلاده، ولكن عندما تولى السلطة لم يتصرف بطريقة انفعالية ضد اليمين الرأسمالي، واستطاع ان يحقق طفرة اقتصادية جعلت من بلاده قوة اقتصادية كبرى يحسب لها الف حساب.

والأهم من كل هذا ان الرئيس البرازيلي رفض ان يعدل دستور بلاده بحيث يتم السماح بانتخابه لفترة رئاسية ثالثة، مثلما فعل جميع الزعماء العرب، مع فارق كبير وهو ان انجازات الرئيس البرازيلي الاقتصادية والسياسية تؤهله للفوز لما يتمتع به من شعبية عالية في أوساط مواطنيه.

محاولات كثيرة بذلتها الولايات المتحدة ودول غربية اخرى لجر البرازيل الى معسكرها، وابعادها عن العرب والمسلمين، مرفوقه باغراءات وحوافز مالية واقتصادية ضخمة، ولكن الرئيس البرازيلي يصر على البقاء في تحالف الجنوب، والعالم الثالث على وجه الخصوص حيث يشعر ان هذا هو مكانه الصحيح.

العنوان الأبرز لنجاح البرازيل هو التوازن، وفتح اسواق جديدة في العالم، وهذا ما يفسر انفتاحها على الصين والعالم العربي على وجه الخصوص، وشاهدنا الرئيس البرازيلي يشارك بفاعلية في القمة العربية - اللاتينية التي انعقدت في الدوحة في آذار (مارس) الماضي، ويقوم بزيارة الى ليبيا، ويبادر بارسال رسالة تهنئة الى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بمناسبة فوزه في انتخابات الرئاسة الاخيرة، رغم اعتراض الولايات المتحدة الامريكية، ووصف الاحتجاجات التي نظمها قادة الثورة المخملية ضد الانتخابات الايرانية بانها مشابهة لاحتجاجات ينظمها فريق كرة القدم الخاسر في المباراة. وهو موقف يعكس مدى ثقة الرجل بنفسه واستقلالية وقراره.

ما هي مناسبة الكتابة عن البرازيل وتجربتها وزعيمها؟ الاجابة تتلخص ببساطة في قرب انعقاد دورة الجمعية العامة للامم المتحدة في مطلع ايلول (سبتمبر) المقبل، حيث يعتقد الكثيرون ان هذه الدورة ستكون على درجة بالغة من الاهمية من حيث كثافة الاتصالات والجهود الدبلوماسية المتوقعة في دهاليزها، وعملية الاستقطاب التي ستشهدها.

دول امريكا اللاتينية تواجه نفس ما يواجهه العرب من عداء امريكي، سببه تدخل واشنطن في بعض شؤونها الداخلية، ولذلك لا بد من توحيد الصفوف معها لتكوين جبهة موحدة يمكن من خلالها دعم القضايا المشتركة للجانبين.

النقطة الاخرى ذات الأهمية الخاصة تتمثل في رغبة البرازيل في الحصول على مقعد دائم في مجلس الامن الدولي في اطار الاصلاحات المقترحة للمنظمة الدولية ومؤسساتها، وهذه الرغبة يجب ان تلقى دعماً عربياً غير محدود، وعدم الرضوخ لأي ضغوط امريكية او اوروبية تريد عرقلة مثل هذا التوجه.

الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد جعل البرازيل اول دولة يزورها بعد انتخابه لفترة رئاسية ثانية، والمأمول ان يحذو زعماء عرب آخرون الحذو نفسه، فقد آن الأوان لكي نتعلم كيف نفهم التغييرات على معادلات القوى في الخريطة السياسية العالمية.




 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه