شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-11-24
 

العروبة ليست رهناً بأقلام بعضهم أو أقدامهم

زياد ابوشاويش

إستغل بعض الكتاب التداعيات المؤسفة للمنافسة الكروية بين مصر والجزائر للطعن في العروبة والتشكيك بشعار الوحدة العربية، كما قام آخرون منهم بالسخرية من كل الفكر القومي العربي ومن وجود أمة عربية من الأساس، وهؤلاء يستطيع المرء فهم خلفياتهم ودوافعهم المشبوهة. آخرون ومن خلفية الحرص على إبقاء المعنى العميق لمسألة الانتماء للعروبة والحفاظ عليه من التشويش قاموا وبحسن نية بإخراج طرفي الخصومة من هذا المربع معتقدين أنهم بهذا عالجوا الأزمة وخدموا أمتهم. في اعتقادي أن الطرفين خاطئان مع الفارق الجوهري بين نوايا وأهداف كليهما في طرح الرأي. الأول يسعى للتخريب وتهميش الحلم العربي بل والحقيقة العربية الدامغة بوجود أمة يجمعها قواسم لا انفكاك منها ومستقبل مشترك لا مجال إلا لولوجه آجلاً أو عاجلاً وهو مهمة كل القوميين من مختلف الأحزاب والتنظيمات المؤمنة بالوحدة وبضرورة استرجاع أمتنا لمكانتها المرموقة بين الأمم، والثاني سيصوب المسار بعض وضوح الرؤية.

إن ما جرى بين المصريين والجزائريين من المناوشات واحتداد اللغة بينهما ودخول فئات متنوعة على خط الحرب الكلامية بين الطرفين واستغلال المتنفذين في كلا البلدين للمشاعر الغاضبة لدى الفريقين لخدمة أهداف داخلية تتعلق بكسب الرأي العام ورفع طوق العزلة عنهم وكذلك لخلق معارك وهمية لدى الشعبين من أجل إلهائهما عن حقيقة المشاكل والأزمات التي يعانيها كلاهما، هذه المناوشات لا يمكن أن تشكل أي دليل علمي من أي وزن على خطأ الفكر القومي العربي أو تقلل من أهمية وصلابة الروابط التي تجمع بين أبناء هذه الأمة أو ما يمكن تسميته بالحلم العربي الذي واجه وما زال يواجه مؤامرات وعراقيل بصور مختلفة وبأجندات داخلية وخارجية تصب كلها في مصلحة الاستعمار بشكله الجديد وأعوانه "المنتمين" للعروبة ظلماً وعدواناً.

تقع بين أبناء الوطن الواحد مشادات تصل إلى الاقتتال أحياناً ولا يشكل هذا دليلاً على تفسخ البلد أو الشعب، بل حالة طارئة تصل فيها التعارضات إلى مرحلة من الحدة تعطي الخصومة شكلاً عنفياًً أو غير عنفي، لكنها لا تؤدي إلى زعزعة فكرة الدولة والمجتمع...والأمة تالياً، ولو كان الأمر على النحو الذي تحدث به هؤلاء لكانت أحداث اليمن والسودان والعراق، وفلسطين أيضاً دليلاً أكبر على استنتاج هؤلاء الخاطيء حول فكرة العروبة والأمة من عقابيل مؤسفة لكرة قدم يتقاذفها اللاعبون فيما بينهم لتتحول على يد صناع الأزمات إلى تعبئة عاطفية وفكرية حاقدة يتولاها إعلام مغرض بالرعاية لمصلحة طبقة وفئة معروفة يخدم مصالحها ابتعاد الجماهير عن حقيقة ما تعانيه وحرف نضالاتها باتجاهات وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع. يتذرع المناوئون للفكر القومي العربي بمظاهر الحقد التي ولدتها نتائج المباراة وتعديات الطرفين على بعضهما رغم وجود تشابه كبير بينهما من حيث اللغة والموقع الجغرافي والدين والمذهب والانتماء للجامعة العربية وغيرها من القواسم المشتركة بين البلدين وكأن ما يجري اليوم سيدوم للأبد وأن العداء أضحى مستحكماً بين البلدين والشعبين الشقيقين. وحتى كلمة أشقاء سخر منها هؤلاء الكتاب الذين يزعم بعضهم الانتماء للعلمانية وقوى اليسار بكل أسف.

بالمعنى النظري البناء الفوقي لابد أن يكون منسجماً مع البناء التحتي في أي بلد حتى تستمر الدولة في أداء وظيفتها الكابحة للتناقضات الناشئة عن تفاوت المصالح وتصارعها في المجتمع وبين الطبقات، وأحياناً يجري تطهير مفهوم الدولة لتصبح القاضي أو صانع التوازن بين الطبقات في تجاهل لمسألة حاسمة في هذا الشأن ترتبط بالقوانين والأنظمة المعمول بها في هذه الدولة وتسنها القوى والطبقات المسيطرة لخدمة مصالحها وبالتالي انتفاء فكرة الدولة العادلة أو الدولة الحيادية. وعلى ما تقدم فإن لجوء ممثلي البناء الفوقي لبعض الأساليب والتكتيكات لإعادة الانسجام المفقود مع البناء التحتي هو أمر تكرر على مدار التاريخ وشاهدنا نماذج منه في معظم دول العالم حيث يأخذ في بعضها أشكال سلمية وفي الأخرى أشكال عنفية وربما انقلابات عسكرية إن لزم الأمر، لكن هذا لم يكن سوى محطات لنقلات نوعية أو تبدلات ضرورية في حياة الأمم والشعوب لم تؤد بالعموم لتفسخ أمة أو انهيارها باستثناء وجود عوامل موضوعية وسمات تاريخية مؤهلة لمثل هذا التفسخ والانهيار الأمر الذي لا نجده في الوطن العربي حتى الآن.

الصراع بين القوى المؤمنة بالعروبة وبالوحدة وبضرورتها التاريخية يواجهون اليوم انتقادات من عيار ثقيل في ظل جملة الأزمات التي نعانيها بين الدول العربية وبين مكونات بعض هذه الدول داخلياً وعليهم شحذ الفكر والعقل واستخدام العلوم المتقدمة والاحصائيات الدقيقة من أجل تثبيت مفاهيم كبيرة وسامية عمل عليها قادة قوميون عظام من مختلف المدارس القومية كالبعثيين والناصريين والاجتماعيين والقوميين العرب وغيرهم، وجهد المستعمرون وأعوانهم في تسخيف الفكرة أو إلباسها ثوباً شوفينياً منفراً، كما عملوا على تيئيس الشعب العربي من تحقيق الفكرة أو إمكانية تحقيقها بتعزيز المفاهيم القطرية وتضخيم مفهوم الوطنية ووضعها في مواجهة وعداء للانتماء القومي كما يحدث اليوم بين مصر والجزائر.

إن تقسيم الوطن والمنطقة العربية الناجم عن اتفاقية سايكس بيكو هو أمر طاريء ويخالف حقائق التاريخ والجغرافيا واللغة وكل ما يجمعنا كأمة واستمراره يعود لأسباب طارئة كذلك مهما حاول أعداء الأمة تسويق ظواهر ثانوية باعتبارها حقائق ثابتة لا تتغير أو جهد المستفيدون من الواقع الراهن السيء لتأبيدها.

إننا نثق بثوابت هذه الأمة ومستقبلها كأمة والظرف الحالي مؤقت بين مصر والجزائر سيتغير حالما تهدأ النفوس وتعود المياه لمجاريها وتكتشف جماهير الشعبين المصري والجزائري أن مصلحتهما تتحقق فقط حينما يعودان للانتظام في الصف المجابه لمستغليهم ويتوقف التحريض والشحن الذي لا يحقق لهما أي هدف. الحجارة تلقى لتحريك المياه الراكدة وهكذا يجب النظر لما يجري اليوم.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه