| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-11-30 |
النص الكامل للوثيقة السياسية لحزب الله-الجزء الثاني |
|
إن إرادة اللبنانيين في العيش معا موفوري الكرامة ومتساوي الحقوق والواجبات، تحتم التعاون البناء من أجل تكريس المشاركة الحقيقية والتي تشكل الصيغة الأنسب لحماية تنوعهم واستقرارهم الكامل بعد حقبة من اللاإستقرار سببتها السياسات المختلفة القائمة على النزوع نحو الإستئثار والإلغاء والإقصاء.
إن الديموقراطية التوافقية تشكل صيغة سياسية ملائمة لمشاركة حقيقية من الجميع، وعامل ثقة مطمئنا لمكونات الوطن، وتسهم بشكل كبير في فتح الأبواب للدخول في مرحلة بناء الدولة المطمئنة التي يشعر كل مواطنيها أنها قائمة من أجلهم.
إن الدولة التي نتطلع الى المشاركة في بنائها مع بقية اللبنانيين هي: 1- الدولة التي تصون الحريات العامة، وتوفر كل الأجواء الملائمة لممارستها. 2- الدولة التي تحرص على الوحدة الوطنية والتماسك الوطني. 3- الدولة القادرة التي تحمي الأرض والشعب والسيادة والإستقلال، ويكون لها جيش وطني قوي ومقتدر ومجهز، ومؤسسات أمنية فاعلة وحريصة على أمن الناس ومصالحهم. 4- الدولة القائمة في بنيتها على قاعدة المؤسسات الحديثة والفاعلة والمتعاونة، والتي تستند الى صلاحيات ووظائف ومهام واضحة ومحددة. 5- الدولة التي تلتزم تطبيق القوانين على الجميع في إطار احترام الحريات العامة والعدالة في حقوق وواجبات المواطنين، على اختلاف مذاهبهم ومناطقهم واتجاهاتهم. 6- الدولة التي يتوافر فيها تمثيل نيابي سليم وصحيح لا يمكن تحقيقه إلا من خلال قانون انتخابات عصري يتيح للناخب اللبناني أن يختار ممثليه بعيدا عن سيطرة المال والعصبيات والضغوط المختلفة، ويحقق أوسع تمثيل ممكن لمختلف شرائح الشعب اللبناني. 7- الدولة التي تعتمد على أصحاب الكفاءات العلمية والمهارات العملية وأهل النزاهة بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية، والتي تضع آليات فاعلة وقوية لتطهير الإدارة من الفساد والفاسدين دون مساومة. 8- الدولة التي تتوافر فيها سلطة قضائية عليا ومستقلة وبعيدة عن تحكم السياسيين، يمارس فيها قضاة أكفياء ونزيهون وأحرار مسؤولياتهم الخطيرة في إقامة العدل بين الناس. 9- الدولة التي تقيم اقتصادها بشكل رئيس على قاعدة القطاعات المنتجة، وتعمل على استنهاضها وتعزيزها، وخصوصا قطاعات الزراعة والصناعة، وإعطائها الحيز المناسب من الخطط والبرامج والدعم بما يؤدي الى تحسين الإنتاج وتصريفه، وما يوفر فرص العمل الكافية والمناسبة وخاصة في الأرياف. 10- الدولة التي تعتمد وتطبق مبدأ الإنماء المتوازن بين المناطق، وتعمل على ردم الهوة الإقتصادية والإجتماعية بينها. 11- الدولة التي تهتم بمواطنيها، وتعمل على توفير الخدمات المناسبة لهم من التعليم والطبابة والسكن الى تأمين الحياة الكريمة، ومعالجة مشكلة الفقر، وتوفير فرص العمل وغير ذلك.. 12- الدولة التي تعتني بالأجيال الشابة والصاعدة، وتساعد على تنمية طاقاتهم ومواهبهم وتوجيههم نحو الغايات الإنسانية والوطنية، وحمايتهم من الإنحراف والرذيلة. 13- الدولة التي تعمل على تعزيز دور المرأة وتطوير مشاركتها في المجالات كافة، في إطار الإستفادة من خصوصيتها وتأثيرها واحترام مكانتها. 14- الدولة التي تولي الوضع التربوي الأهمية المناسبة خصوصا لجهة الإهتمام بالمدرسة الرسمية، وتعزيز الجامعة اللبنانية على كل صعيد، وتطبيق إلزامية التعليم الى جانب مجانيته. 15- الدولة التي تعتمد نظاما إداريا لا مركزيا يعطي سلطات إدارية واسعة للوحدات الإدارية المختلفة (محافظة/ قضاء/ بلدية)، بهدف تعزيز فرص التنمية وتسهيل شؤون ومعاملات المواطنين، دون السماح بتحول هذه اللامركزية الإدارية الى نوع من "الفدرلة" لاحقا. 16- الدولة التي تجهد لوقف الهجرة من الوطن، هجرة الشباب والعائلات وهجرة الكفاءات والأدمغة ضمن مخطط شامل وواقعي. 17- الدولة التي ترعى مواطنيها المغتربين في كل أصقاع العالم، وتدافع عنهم وتحميهم، وتستفيد من انتشارهم ومكانتهم ومواقعهم لخدمة القضايا الوطنية.
إن قيام دولة بهذه المواصفات والشروط هدف لنا ولكل لبناني صادق ومخلص، ونحن في "حزب الله" سنبذل كل جهودنا وبالتعاون مع القوى السياسية والشعبية المختلفة التي تشاركنا هذه الرؤية من أجل تحقيق هذا الهدف الوطني النبيل.
رابعا: لبنان والعلاقات اللبنانية - الفلسطينية كواحدة من النتائج المأسوية لنشوء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وتشريد أهلها منها، كانت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، الذين انتقلوا إلى لبنان ليعيشوا فيه مؤقتا كضيوف لدى إخوانهم اللبنانيين ريثما يعودون إلى وطنهم وديارهم التي أخرجوا منها. وما عاناه الفلسطينيون واللبنانيون على حد سواء جراء هذا اللجوء، كان سببه الحقيقي والمباشر هو الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وما نتج عنه من مآس وويلات أصابت شعوب المنطقة بأسرها ولم يقتصر ضررها على الفلسطينيين فقط. كما أن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لم تقتصر على آلام الهجرة القسرية واللجوء فقط إنما أضيفت إليها الإعتداءات والمجازر الوحشية الإسرائيلية، التي دمرت الحجر والبشر، كما حصل في مخيم النبطية الذي دمر بالكامل/ قساوة العيش في المخيمات في ظل ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم/ الحرمان من الحقوق المدنية والإجتماعية/ عدم قيام الحكومات اللبنانية المتعاقبة بواجبها تجاههم. إن هذا الواقع غير الطبيعي بات يحتم اليوم على السلطات اللبنانية المسؤولة ضرورة تحمل مسؤوليتها، وبناء العلاقات اللبنانية - الفلسطينية على أسس صحيحة ومتينة وقانونية تراعي موازين الحق والعدل والمصالح المشتركة لكلا الشعبين، وأن لا يبقى هذا الوجود وهذه العلاقات محكومة للأمزجة والأهواء والحسابات السياسية والتجاذبات الداخلية والتدخلات الدولية.
إننا نرى أن النجاح في هذه المهمة يتحقق من خلال ما يلي: 1. الحوار اللبناني - الفلسطيني المباشر. 2. تمكين الفلسطينيين في لبنان من التوافق على اختيار مرجعية موحدة لهم تمثلهم في هذا الحوار، متجاوزين التباينات الحاصلة في الوضع الفلسطيني الأعم. 3. إعطاء الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية والإجتماعية، بما يليق بوضعهم الإنساني ويحفظ شخصيتهم وهويتهم وقضيتهم. 4. التمسك بحق العودة ورفض التوطين.
خامسا: لبنان والعلاقات العربية إن لبنان العربي الهوية والإنتماء إنما يمارس هويته وانتماءه بوصفهما حالة طبيعية أصيلة في التكوين المجتمعي اللبناني. كما أن المدى الحيوي والجغرافيا السياسية والعمق الإستراتيجي وسياسات التكامل الإقليمي والمصالح القومية، بوصفها محددات إستراتيجية لموقع لبنان السياسي ومصالحه الكبرى، تحتم عليه الإلتزام بالقضايا العربية العادلة، وفي طليعتها قضية فلسطين والصراع مع العدو الإسرائيلي. كذلك، ثمة حاجة أكيدة إلى تضافر الجهود لتجاوز حالة الصراعات التي تشق الصف العربي، إذ أن تناقض الإستراتيجيات واختلاف التحالفات، رغم جديتها وحدتها، لا تبرر الإنسياق في سياسات الإستهداف أو الإنخراط في المشاريع الخارجية القائمة على تعميق الفرقة وإثارة النعرات الطائفية وتحريك عوامل التجزئة والتفتيت، بما يؤدي إلى إنهاك الأمة وخدمة العدو الصهيوني وتنفيذ المآرب الأميركية.
إن تطور الممارسة السياسية القائمة على حصر النزاعات أو تنظيمها والحؤول دون انفلاتها إلى مجال الصراعات المفتوحة، هو خيار جدير بالتبني لإنضاج مقاربة نوعية ومسؤولة في التعاطي مع القضايا القومية، وكذلك البحث عن المشتركات لتعزيزها وتوفير فرص التواصل البناء على مستوى الحكومات والشعوب، لتحقيق أوسع إطار تضامني يخدم قضايانا. وهنا يشكل خيار المقاومة حاجة جوهرية وعاملا موضوعيا لتصليب الموقف العربي وإضعاف العدو، بمعزل عن طبيعة الإستراتيجيات أو الرهانات السياسية المتخذة.
بناء على كل ما تقدم لا تجد المقاومة غضاضة في تعميم عوائد الإستفادة من خيار المقاومة بحيث يطال مختلف المواقع العربية، ما دامت النتائج تندرج في إطار معادلة إضعاف العدو وتقوية وتصليب الموقف العربي. وفي هذا الإطار، سجلت سوريا موقفا مميزا وصامدا في الصراع مع العدو الإسرائيلي، ودعمت حركات المقاومة في المنطقة، ووقفت الى جانبها في أصعب الظروف، وسعت الى توحيد الجهود العربية لتأمين مصالح المنطقة ومواجهة التحديات. إننا نؤكد ضرورة التمسك بالعلاقات المميزة بين لبنان وسوريا بوصفها حاجة سياسية وأمنية واقتصادية مشتركة، تمليها مصالح البلدين والشعبين وضرورات الجغرافيا السياسية وموجبات الإستقرار اللبناني ومواجهة التحديات المشتركة، كما ندعو الى إنهاء كل الأجواء السلبية التي شابت علاقات البلدين في السنوات القليلة الماضية والعودة بهذه العلاقات الى وضعها الطبيعي في أسرع وقت ممكن.
سادسا: لبنان والعلاقات الإسلامية يواجه عالمنا العربي والإسلامي تحديات تطال مجتمعاتنا بمكوناتها المختلفة ما يقتضي عدم التهاون بخطورتها. فالإحتقان الطائفي والتوترات المذهبية المفتعلة، وعلى الأخص بين السنة والشيعة، واختلاق التناقضات القومية بين كرد وتركمان وعرب، وإيرانيين وعرب.. وتخويف الأقليات وترهيبها، والنزف المسيحي المستمر من المشرق العربي وخاصة من فلسطين والعراق فضلا عن لبنان، كل ذلك يهدد تماسك مجتمعاتنا، ويقلل من منعتها، ويفاقم من عوائق نهضتها وتطورها. وبدل أن يمثل التنوع الديني والقومي مصدر غنى وحيوية إجتماعية فقد أسيء توظيفه، وتم استخدامه كعامل تمزيق وفرقة وتفتيت مجتمعي. إن الحالة الناجمة عن هذا الإستخدام السيئ هي حصيلة تقاطع لسياسات غربية متعمدة، وأميركية تحديدا، مع ممارسات وتصورات داخلية عصبوية لا مسؤولة، بالإضافة إلى بيئة سياسية غير مستقرة. إن أخذ هذه الحقائق في الإعتبار يبدو ملحا، ومن الجدير والضروري إدراجها كأحد الإهتمامات الجوهرية في برامج القوى والإتجاهات الأساسية بما فيها الحركات الإسلامية التي تقع على كاهلها مسؤولية خاصة في التصدي لهذه التحديات ومعالجة تلك المشكلات. يؤكد "حزب الله" أهمية التعاون بين الدول الإسلامية في المجالات كافة، وهو ما يمنحها قوة تضامن في وجه المخططات الإستكبارية، وحماية مجتمعية من الغزو الثقافي والإعلامي، ويحضها على الإستفادة من خيراتها في تبادل المنافع المختلفة بين هذه الدول. وفي هذا الإطار يعتبر "حزب الله" إيران الإسلام دولة مركزية مهمة في العالم الإسلامي، فهي التي أسقطت بثورتها نظام الشاه ومشاريعه الصهيونية - الأميركية، ودعمت حركات المقاومة في منطقتنا، ووقفت بشجاعة وتصميم الى جانب القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن سياسة الجمهورية الإسلامية في إيران واضحة وثابتة في دعم القضية المركزية الأولى والأهم للعرب والمسلمين وهي القضية الفلسطينية، منذ إعلان انتصار الثورة الإسلامية المباركة بقيادة الولي الفقيه الإمام الخميني (قده)، وفتح أول سفارة فلسطينية مكان السفارة الإسرائيلية، وقد استمر هذا الدعم بأشكاله كافة الى يومنا هذا بقيادة الولي الفقيه الإمام الخامنئي (دام ظله)، ما أدى الى تحقيق انتصارات بارزة لأول مرة في تاريخ الصراع مع الصهاينة الغزاة. إن اختلاق التناقض مع الجمهورية الإسلامية في إيران من قبل بعض الجهات العربية يمثل طعنا للذات وللقضايا العربية، ولا يخدم سوى "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية. فإيران التي صاغت عقيدتها السياسية، وبنت مداها الحيوي على قاعدة "مركزية القضية الفلسطينية" والعداء لإسرائيل ومواجهة السياسات الأميركية والتكامل مع البيئة العربية والإسلامية، يجب أن تقابل بإرادة التعاون والأخوة، والتعاطي معها كقاعدة استنهاض ومركز ثقل استراتيجي وأنموذج سيادي واستقلالي وتحرري داعم للمشروع العربي - الإسلامي الإستقلالي المعاصر، وقوة تزيد دول وشعوب منطقتنا قوة ومنعة. إن العالم الإسلامي يقوى بتحالفاته وتعاون دوله. ونؤكد على أهمية الإستفادة من عناصر القوة السياسية والإقتصادية والبشرية. الموجودة في كل دولة من دول العالم الإسلامي، على قاعدة التكامل والنصرة وعدم التبعية للمستكبرين. ونذكر بأهمية الوحدة بين المسلمين، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، والحذر مما يسبب التفرقة بينهم كالإثارات المذهبية وخاصة بين السنة والشيعة، ونحن نراهن على وعي الشعوب الإسلامية في التصدي لما يحاك من مؤامرات وفتن على هذا الصعيد.
سابعا: لبنان والعلاقات الدولية إن معايير الإختلاف والنزاع والصراع في رؤية حزب الله ومنهجه إنما تقوم على أساس سياسي - أخلاقي بالدرجة الأولى، بين مستكبر ومستضعف، وبين متسلط ومقهور، وبين متجبر محتل وطالب حرية واستقلال. كما يعتبر "حزب الله" أن الهيمنة الأحادية تطيح التوازن والإستقرار العالميين وبالأمن والسلم الدوليين. إن دعم الإدارة الأميركية اللامحدود لإسرائيل ودفعها للعدوان وتغطية احتلالاتها للأراضي العربية، بالإضافة إلى هيمنة الإدارة الأميركية على المؤسسات الدولية، وازدواجية المعايير في إصدار وتنفيذ القرارات الدولية، وسياسة التدخل في شؤون المجتمعات الأخرى، وعسكرة العالم واعتماد منطق الحروب المتنقلة في النزاعات الدولية، وإثارة القلاقل والإضطرابات في كل أنحاء العالم، يضع الإدارة الأميركية في موقع المعادي لأمتنا وشعوبنا، كما يحملها مسؤولية أساسية وأولى في إنتاج الإختلال والإضطراب في النظام الدولي. أما السياسات الأوروبية فإنها تتأرجح بين العجز وقلة الفاعلية من ناحية والإلتحاق - غير المبرر - بالسياسات الأميركية من ناحية ثانية، ما يؤدي فعليا إلى تجويف النزعة المتوسطية في أوروبا لصالح هيمنة النزعة الأطلسية، بخلفياتها الإستعمارية. إن الإلتحاق بالسياسات الأميركية - وخصوصا في مرحلة إخفاقها التاريخي - يشكل خطأ استراتيجيا لن يؤدي إلا إلى مزيد من المشكلات والتعثر والتعقيدات في العلاقات الأوروبية - العربية. إن على أوروبا مسؤولية خاصة بفعل الإرث الإستعماري الذي ألحق بمنطقتنا أضرارا فادحة لا تزال شعوبنا تعاني من نتائجها وتأثيراتها.
ولأن شعوبا أوروبية لها تاريخ في مقاومة المحتل فإن واجب أوروبا الأخلاقي والإنساني - قبل السياسي - يفرض عليها الإعتراف بحق الشعوب في مقاومة المحتل، على قاعدة التمييز بين المقاومة والإرهاب. وبحسب رأينا، إن مقتضيات الإستقرار والتعاون في العلاقات الأوروبية - العربية تستوجب بناء مقاربة أوروبية أكثر استقلالية وأكثر عدالة وموضوعية. وسيكون متعذرا بناء المدى الحيوي المشترك، سياسيا وأمنيا، من دون هذا التحول الكفيل بمعالجة مواطن الخلل المولدة للأزمات واللاإستقرار. ومن ناحية أخرى ننظر بكثير من الإهتمام والتقدير للتجربة الإستقلالية والتحررية الرافضة للهيمنة في دول أميركا اللاتينية، ونرى مساحات واسعة من التلاقي بين مشروعها ومشروع حركات المقاومة في منطقتنا، بما يفضي إلى بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنا. إن ملاقاة تلك التجربة تشكل باعثا لآمال واعدة على المستوى العالمي، بالإستناد إلى هوية إنسانية جامعة وخلفية سياسية وأخلاقية مشتركة. وفي هذا السياق سيبقى شعار "وحدة المستضعفين" أحد مرتكزات فكرنا السياسي في بناء فهمنا وعلاقاتنا ومواقفنا تجاه القضايا الدولية.
الفصل الثالث: فلسطين ومفاوضات التسوية
أولا : قضية فلسطين والكيان الصهيوني شكل الكيان الصهيوني منذ اغتصابه لفلسطين وتشريد أهلها منها في العام 1948، برعاية ودعم من قوى الهيمنة الدولية آنذاك، عدوانا مباشرا وخطرا جديا طالا المنطقة العربية بأكملها، وتهديدا حقيقيا لأمنها واستقرارها ومصالحها، ولم يقتصر أذاه وضرره على الشعب الفلسطيني أو الدول والشعوب المجاورة لفلسطين فحسب، وما الإعتداءات والتوترات والحروب التي شهدتها المنطقة بفعل النزعة والممارسات العدوانية الإسرائيلية إلا الدليل والشاهد على مقدار الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني وبالعرب والمسلمين جراء الجريمة ضد الإنسانية التي ارتكبها الغرب عندما أقدم على زرع هذا الكيان الغريب في قلب العالم العربي والإسلامي، ليكون اختراقا معاديا وموقعا متقدما للمشروع الإستكباري الغربي عامة، وقاعدة للسيطرة والهيمنة على المنطقة خاصة. إن الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية فكرا وممارسة، وهي نتاج عقلية إستكبارية إستبدادية تسلطية، ومشروعها في أصله وأساسه هو مشروع إستيطاني تهويدي توسعي. كما أن الكيان الذي انبثق عنها قام وتمكن واستمر عبر الإحتلال والعدوان والمجازر والإرهاب، بدعم ورعاية واحتضان من الدول الإستعمارية، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، التي ترتبط معه بتحالف إستراتيجي جعلها شريكا حقيقيا له في كل حروبه ومجازره وممارساته الإرهابية.
إن الصراع الذي نخوضه وتخوضه أمتنا ضد المشروع الصهيوني - الإستعماري في فلسطين إنما هو قيام بواجب الدفاع عن النفس ضد الإحتلال والعدوان والظلم الإسرائيلي - الإستكباري الذي يتهدد وجودنا ويستهدف حقوقنا ومستقبلنا، وهو ليس قائما على المواجهة الدينية أو العنصرية أو العرقية من جانبنا، وإن كان أصحاب هذا المشروع الصهيوني - الإستعماري لم يتورعوا يوما عن استخدام الدين وتوظيف المشاعر الدينية وسيلة لتحقيق أهدافهم وغاياتهم. وليس ما ذهب إليه الرئيس الأميركي بوش وخلفه أوباما وقادة الكيان الصهيوني معهما، من مطالبة للفلسطينيين والعرب والمسلمين بالإعتراف بيهودية دولة إسرائيل إلا أوضح دليل على ذلك. إن النتيجة الطبيعية والحتمية أن يعيش هذا الكيان الغاصب المفتعل مأزقا وجوديا يؤرق قادته وداعميه، لكونه مولودا غير طبيعي وكيانا غير قابل للحياة والإستمرار ومعرضا للزوال. وهنا تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الأمة وشعوبها أن لا تعترف بهذا الكيان مهما كانت الضغوطات والتحديات، وأن تواصل العمل من أجل تحرير كل الأرض المغتصبة واستعادة كل الحقوق المسلوبة مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.
ثانيا: القدس والمسجد الأقصى يدرك العالم بأسره مكانة وقداسة مدينة القدس والمسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، وملتقى الأنبياء والرسل (عليهم صلوات الله أجمعين)، ولا ينكر أحد عظيم مكانته لدى المسلمين كمعلم من أكثر المعالم قدسية عندهم، وعمق علاقته بالإسلام كواحد من أهم الرموز الإسلامية على وجه الأرض. ومدينة القدس بما تحتضن من مقدسات إسلامية ومسيحية، تتمتع بمكانة رفيعة لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء. إن استمرار الإحتلال الإسرائيلي لهذه المدينة المقدسة مع ما يرافق ذلك من خطط ومشاريع تهويدية وطرد أبنائها ومصادرة بيوتهم وممتلكاتهم وإحاطتها بأحياء يهودية وأحزمة وكتل إستيطانية وخنقها بجدار الفصل العنصري، بالإضافة إلى المساعي الأميركية - الإسرائيلية المتواصلة لتكريسها عاصمة أبدية للكيان الصهيوني باعتراف دولي، كلها إجراءات عدوانية مرفوضة ومدانة. كما أن الإعتداءات الخطيرة المتواصلة والمتكررة على المسجد الأقصى المبارك وما ينفذ في نطاقه من حفريات وما يعد من خطط لتدميره، تشكل خطرا جديا وحقيقيا يهدد وجوده وبقاءه وينذر بتداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. إن واجب نصرة القدس وتحريرها والدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته، هو واجب ديني ومسؤولية إنسانية وأخلاقية في عنق كل حر وشريف من أبناء أمتنا العربية والإسلامية وكل أحرار وشرفاء العالم. إننا ندعو ونطالب العرب والمسلمين على الصعيدين الرسمي والشعبي، وجميع الدول الحريصة على السلام والإستقرار في العالم، لبذل الجهود والإمكانيات لتحرير القدس من نير الإحتلال الصهيوني، وللمحافظة على هويتها الحقيقية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.
ثالثا: المقاومة الفلسطينية إن الشعب الفلسطيني وهو يخوض معركة الدفاع عن النفس ويكافح لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة في فلسطين بمعناها التاريخي وواقعها الجغرافي إنما يمارس حقا مشروعا تقره وتوجبه الرسالات السماوية والقوانين الدولية والقيم والأعراف الإنسانية. وهذا الحق يشمل المقاومة بكل أشكالها - وفي مقدمتها الكفاح المسلح - وبكل الوسائل التي تتمكن فصائل المقاومة الفلسطينية من استخدامها، خاصة في ظل اختلال موازين القوى لمصلحة العدو الصهيوني المتسلح بأحدث أسلحة الفتك والدمار والقتل. ولقد أثبتت التجارب - التي شكلت دليلا قطعيا لا يدع مجالا للشك والإرتياب على امتداد مسيرة الصراع والمواجهة بين أمتنا وبين الكيان الصهيوني منذ اغتصابه لفلسطين وحتى يومنا هذا - أهمية وجدوى خيار المقاومة الجهادية والكفاح المسلح في مواجهة العدوان وتحرير الأرض واستعادة الحقوق وتحقيق توازن الرعب وسد فجوة التفوق الإستراتيجي عبر المعادلات التي فرضتها المقاومة بإمكانياتها المتاحة وإرادتها وعزيمتها في ميدان المواجهة، وخير شاهد ودليل على ذلك ما حققته المقاومة في لبنان من انتصارات متتالية، وما راكمته من إنجازات ميدانية وعسكرية ومعنوية على امتداد تجربتها الجهادية، لا سيما عبر إرغام الصهاينة على الإنسحاب الإسرائيلي الكبير في أيار العام 2000 من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، أو عبر الفشل المدوي للجيش الصهيوني في عدوان تموز العام 2006، والذي حققت فيه المقاومة انتصارا إلهيا وتاريخيا واستراتيجيا غير معادلة الصراع بشكل جذري، وألحق أول هزيمة بهذا المستوى بالعدو الإسرائيلي، وأسقط أسطورة الجيش الذي لا يقهر. والدليل الآخر على ذلك هو ما حققته المقاومة في فلسطين من إنجازات متواصلة عبر تجربة الثورة الفلسطينية وخيار الكفاح المسلح الذي انتهجته، وعبر انتفاضة الحجارة الأولى وانتفاضة الأقصى الثانية، وصولا إلى الإندحار القهري للجيش الإسرائيلي عبر الإنسحاب الكامل من قطاع غزة في العام 2005 بلا قيد أو شرط وبلا تفاوض أو اتفاق، ومن دون تحقيق أي مكسب سياسي أو أمني أو جغرافي، ليكون ذلك أول انتصار ميداني - جغرافي - نوعي بهذا الحجم وهذا المستوى وهذه الدلالة لخيار المقاومة في فلسطين، كونه أول انسحاب إسرائيلي إضطراري بفعل المقاومة، ضمن حدود فلسطين التاريخية، والدلالات التي يحملها هذا الأمر بالغة الأهمية في مجرى الصراع بيننا وبين الكيان الصهيوني على الصعيد الإستراتيجي. كما أن الصمود الرائع للشعب الفلسطيني المجاهد ومقاومته في غزة في مواجهة العدوان الصهيوني سنة 2008 درس للأجيال وعبرة للغزاة والمعتدين. فإذا كانت هذه هي جدوى المقاومة في لبنان وفي فلسطين، فماذا كانت جدوى الخيار التفاوضي التسووي؟ وما هي النتائج والمصالح والمكاسب التي حققتها المفاوضات في كل مراحلها وعبر كل الإتفاقات التي أنتجتها؟ أليس المزيد من الغطرسة والتسلط والتعنت الإسرائيلي والمزيد من المكاسب والمصالح والشروط الإسرائيلية؟ إننا إذ نؤكد وقوفنا الدائم والثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، بثوابتها التاريخية والجغرافية والسياسية، نؤكد بشكل قاطع وجازم مساندتنا وتأييدنا ودعمنا لهذا الشعب وحركات المقاومة الفلسطينية ونضالها في مواجهة المشروع الإسرائيلي.
رابعا: مفاوضات التسوية كان موقفنا ولا يزال وسيبقى تجاه عملية التسوية وتجاه الإتفاقات التي أنتجها مسار مدريد التفاوضي عبر "اتفاق وادي عربة" وملحقاته و"اتفاق أوسلو" وملحقاته ومن قبلهما "اتفاق كامب ديفيد" وملحقاته، موقف الرفض المطلق لأصل ومبدأ خيار التسوية مع الكيان الصهيوني، القائم على أساس الإعتراف بشرعية وجوده، والتنازل له عما اغتصبه من أرض فلسطين العربية والإسلامية. هذا الموقف هو موقف ثابت ودائم ونهائي، غير خاضع للتراجع أو المساومة، حتى لو اعترف العالم كله بإسرائيل. ومن هذا المنطلق ومن موقع الأخوة والمسؤولية والحرص، فإننا ندعو المسؤولين العرب إلى أن يلتزموا خيارات شعوبهم عبر إعادة النظر بالخيار التفاوضي وإجراء مراجعة لنتائج الإتفاقات الموقعة مع العدو الصهيوني، والتخلي الحاسم والنهائي عن عملية التسوية الوهمية الظالمة المسماة زورا وبهتانا "عملية السلام"، لا سيما وأن من راهنوا على دور للادارة الأميركية المتعاقبة كشريك ووسيط نزيه وعادل في هذه العملية، قد عاينوا بما لا يقبل الشك أنها خذلتهم، ومارست عليهم الضغط والإبتزاز، وأظهرت العداء لشعوبهم وقضاياهم ومصالحهم، وانحازت بشكل كامل وسافر إلى جانب حليفها الإستراتيجي الكيان الصهيوني. أما الكيان الصهيوني، الذي يتوهمون إمكانية إقامة سلام معه، فقد أظهر لهم في كل مراحل المفاوضات أنه لا يطلب السلام ولا يسعى إليه، وأنه يستخدم المفاوضات لفرض شروطه وتعزيز موقعه وتحقيق مصالحه وكسر حدة العداء والحاجز النفسي لدى شعوبهم تجاهه، عبر حصوله على تطبيع رسمي وشعبي مجاني ومفتوح، يحقق له التعايش الطبيعي والإندماج في النظام الإقليمي وفرض نفسه كأمر واقعي في المنطقة والقبول به والإعتراف بشرعية وجوده، بعد التخلي له عن الأرض الفلسطينية التي اغتصبها. من هنا فإننا ندعو ونتوقع ونأمل من كل العرب والمسلمين على الصعيدين الرسمي والشعبي العودة إلى فلسطين والقدس كقضية مركزية لهم جميعا، يتوحدون حولها ويلتزمون تحريرها من رجس الإحتلال الصهيوني الغاشم، والقيام بما يمليه عليهم واجبهم الديني والأخوي والإنساني تجاه مقدساتهم في فلسطين وتجاه شعبها المظلوم، وتوفير كل مستلزمات الدعم لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتمكينه من مواصلة مقاومته، ورفض كل مشاريع التطبيع مع العدو الصهيوني وإسقاطها، والتمسك بحق عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وديارهم التي أخرجوا منها، والرفض القاطع لكل البدائل المطروحة من توطين أو تعويض أو تهجير، والعمل الفوري على فك الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني لا سيما الحصار الشامل لقطاع غزة، وتبني قضية أكثر من أحد عشر ألف أسير ومعتقل في السجون الإسرائيلية، ووضع الخطط والبرامج العملية لتحريرهم من الأسر.
الخاتمة هذه هي رؤيتنا وتصوراتنا، حرصنا في البحث عنها أن نكون طلاب حق وحقيقة. وهذه هي مواقفنا والتزاماتنا، سعينا أن نكون فيها أهل صدق ووفاء، نؤمن بالحق وننطق به وندافع عنه ونضحي من أجله حتى الشهادة، لا نبغي في ذلك سوى رضا خالقنا وإلهنا رب السماوات والأرض، ولا نرجو من ذلك سوى صلاح أهلنا وشعبنا وأمتنا وخيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا ابتغاء لشيء من الحطام، وإنما كان إحياء للحق وإماتة للباطل ودفاعا عن مظلومي عبادك وإقامة للعدل في أرضك وطلبا لرضاك والقرب منك، على هذا قضى شهداؤنا، وعلى هذا نمضي ونواصل العمل والجهاد، وقد وعدتنا إحدى الحسنيين إما النصر أو التشرف بلقائك مخضبين بدمائنا. ووعدنا لك يا رب، ولكل عبادك المظلومين، أن نبقى الرجال الصادقين في العهد، والمنتظرين للوعد، والثابتين الذين ما بدلوا تبديلا".
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026جميع المقالات التي تنشر لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع |