شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2009-11-30
 

جمود في القناة الاسرائيلية – الفلسطينية وازمة في السلطة الفلسطينية

فشل مساعي الادارة الامريكية لاعادة تحريك المفاوضات على اتفاق دائم بين اسرائيل والفلسطينيين اثار ازمة داخلية في السلطة الفلسطينية. فقد اعلن رئيس السلطة، محمود عباس في 5 تشرين الثاني عن انه لا يعتزم طرح ترشيحه في الانتخابات العامة التي يفترض ان تجرى في كانون الثاني 2010. ويفترض بهذه الانتخابات ان تكون سواء للمجلس التشريعي في السلطة ام لمنصب الرئيس. منذ هذا الاعلان انقسمت الاراء حول مسألة هل اعلان عباس يعكس ازمة سياسية حقيقية من شأنها ان تؤدي حتى الى انهيار السلطة ام ان الحديث يدور عن مناورة تكتيكية هدفها ممارسة الضغط على الولايات المتحدة واسرائيل.

مراجعة المسيرة التي ادت الى اعلان عباس يمكنها ان تساعد في تحليل حدة الازمة واثارها المحتملة. في عهد الحكومة السابقة في اسرائيل، حكومة ايهود اولمرت، جرت مفاوضات متواصلة مع اسرائيل في اطار مسيرة انابوليس في قناتين. في القناة الاولى جرى حوار مباشر بين عباس ورئيس الوزراء اولمرت وفي القناة الثانية، الموازية، جرت مفاوضات مفصلة بين وفدين للمفاوضات، الاسرائيلي – برئاسة وزيرة الخارجية لفني، والفلسطيني – برئاسة ابو العلاء. في نهاية 2008 توقفت المفاوضات بسبب الحرب في غزة والقرار باجراء انتخابات مبكرة في اسرائيل، ولم تصل الى أي اتفاق وان كانت الفوارق تقلصت في عدة مجالات هامة، ولا سيما في المجال الاقليمي. نتائج الانتخابات في اسرائيل ادت الى قيام حكومة ائتلافية تقوم اساسا على الاحزاب اليمينية التي لم تكن متحمسة من مواصلة مسيرة انابوليس وكثيرون في داخلها لم يؤمنوا بان المفاوضات على اتفاق دائم يخدم مصالح اسرائيل.

على اساس تجربة الفلسطينيين مع الحكومة الاولى لنتنياهو كان من الصعب عليهم ان يعلقوا امالا كبيرة على مفاوضات ناجعة مع الحكومة الجديدة، ولكنهم علقوا امالا كبيرة على الادارة الجديدة للرئيس اوباما. وقد تسلمت الادارة مهامها مع تصريحات عن النوايا لتغيير شبكة العلاقات مع العالم الاسلامي ضمن امور اخرى عبر جهد مكثف لتسوية النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، الذي اعتبره رجال الادارة الجديدة احد الاسباب المركزية للاحتكاك مع العالم الاسلامي. بل طرح ايضا هدف طموح في التوصل الى تسوية تقوم على اساس حل الدولتين في غضون سنتين. في هذه الاثناء مرت نحو سنة والمساعي الامريكية لاستئناف المفاوضات علقت في وحل عميق، بسبب الطريقة التي حاولت الادارة استئنافها بها ايضا. الفكرة الامريكية كانت تحريك المفاوضات عبر عملين متوازيين: الضغط على اسرائيل لتجميد المستوطنات والضغط على دول مركزية في العالم العربي، وعلى رأسها السعودية، للموافقة على بادرات تطبيع مع اسرائيل. وكان الافتراض ان هذا سيخلق جوا مناسبا لبدء محادثات ناجعة. ولكن، مثلما كان يمكن التوقع، العكس هو الذي حصل. من الصعب الافتراض بأن أي حكومة اسرائيلية قادرة على ان تجمد الاستيطان بشكل كامل، بما في ذلك في القدس، وبالتأكيد الامر متعذر على حكومة تقوم اساسا على احزاب اليمين. من جهة اخرى كان يمكن توقع اعتراض عربي على القيام باي بادرات طيبة تجاه اسرائيل طالما لا يوجد تقدم مع الفلسطينيين. عندما توصلت الولايات المتحدة الى الفهم بان بوسعها ان تتوصل الى ترتيب مع اسرائيل حول تجميد جزئي ومحدود زمنيا فقط، نشأت نظرة وهمية بانتصار نتنياهو على الرئيس اوباما والفلسطينيين، عزز المكانة السياسية الداخلية لرئيس الوزراء في اسرائيل.

هذه النتيجة للخطوات الامريكية بالتداخل مع الضعف السياسي الداخلي للرئيس عباس خلقت وضعا لا يمكنه معه استئناف المفاوضات دون ان يتخذ في الرأي العام الفلسطيني صورة من خضع لضغوط اسرائيل والولايات المتحدة وانه اداة يستخدمونها، الامر الذي سيضعفه اكثر فاكثر. ولا بد انه لا يمكنه ان يفعل ذلك بعد الضرر السياسي الشديد الذي الحق به عندما استجاب لضغوط الولايات المتحدة واسرائيل وسحب طلب البحث في تقرير غولدستون في مجلس حقوق الانسان.

صحيح انه في الفترة منذ سيطرت حماس على غزة في حزيران 2007 تعززت بقدر ما مكانة عباس بسبب تحسن شروط الحياة في الضفة الغربية، نجاح الاصلاحات في اجهزة الامن مما ادى الى فرض القانون والنظام وكذا المقارنة مع الاداء الفاشل لحماس في غزة ولكن وضعه السياسي بقي هشا بما فيه الكفاية. عباس وحكومة فياض، التي عينها يعانيان من انعدام الشرعية الجماهيرية. اولا، عباس نفسه مع انه انتخب لمنصب الرئيس ولكن فترة ولايته انتهت ومددت بشكل مصطنع. حكومة فياض لم تنتخب على الاطلاق. ثانيا، عباس يمثل فتح والتيار الوطني في السياسة الفلسطينية الذي منذ بداية مسيرة اوسلو اختار الطريق السياسي لتحقيق الاهداف الوطنية للشعب الفلسطيني وهذا هو العلم الرئيس لهذا التيار. في غياب مسيرة سياسية قابلة للحياة نجدهم يفقدون سبب وجودهم في نظر الجمهور الفلسطيني. واذا كان البديل هو عودة الى استخدام العنف، فان خصومهم من التيار الوطني – الاسلامي (حماس وشركاؤها) اكثر جاذبية فقد اظهروا انهم قادرون على عمل ذلك بنجاعة اكبر.

عباس يتمزق بين الحاجة الى استئناف مسيرة سياسية ناجعة من شأنها ان تخدمه وتخدم حركته فتعطيهما هواء للتنفس، وبين انعدام القدرة على استئناف المفاوضات عندما يكون يظهر كمستسلم لضغوطات حكومة اسرائيلية تعتبر غير معنية بمفاوضات حقيقية تؤدي الى اتفاق معه يمكن للفلسطينيين ان يتعايشوا معه. في مثل هذا الوضع، واضح لماذا هناك الاحساس باليأس، خيبة الامل، الاحباط وانعدام المخرج ادت به الى قرار عدم طرح ترشيحه في الانتخابات القادمة. من هذه الناحية هذا قرار حقيقي وليس مجرد قرار عابث. عمليا، عباس سيبقى في منصبه طالما لم تجر انتخابات جديدة، ولكن في ضوء الانقسام في الساحة الفلسطينية وانعدام القدرة على اجراء الانتخابات في غزة فان اغلب الاحتمالات هي الا تجرى الانتخابات في كانون الثاني 2010. هذا هو احد الاسباب للميل للتعاطي مع اعلان عباس كمناورة. يبدو مع ذلك ان عباس جدي وهناك احتمال كبير بما فيه الكفاية ان يحقق ارادته في تالي السياق من خلال بيان باستقالته. مثل هذا البيان سيحدث ازمة سياسية عميقة. حسب دستور السلطة فان القائم باعمال الرئيس في هذه الحالة هو رئيس المجلس التشريعي الذي رجل حماس. كما ان هناك احتمالات طيبة في ان تذهب حكومة فياض في اعقاب عباس فتستقيل هي الاخرى. هذه التوقعات ادت الى التقدير المتطرف : في انه قد يقع انهيار سريع للسلطة. في هذه المرحلة لا يبدو الامر معقولا وذلك لان الاجهزة البيروقراطية للسلطة، والتي يجد فيها آلاف عديدة مصدرا لمعيشتهم، ستواصل العمل. ولكن من المعقول ان تكون هذه سلطة ضعيفة في وضع ازمة متواصلة، ولا سيما عندما لا تكون هناك أي شخصية فلسطينية يمكنها ان تشكل خلفا طبيعيا لعباس. في مثل هذه الحالة اذا ما وعندما تنشأ، فان سياقات الاصلاح وبناء المؤسسات، بما في ذلك قوات الامن الفلسطينية، ستتوقف بل ولعلها تنهار.

بشكل طبيعي يستخدم رجال السلطة الفلسطينية هذه الازمة للضغط على اسرائيل والولايات المتحدة للسير باتجاههم واستئناف المفاوضات في الشروط التي يمكنهم ان يتعايشوا معها. وهم يستخدمون تهديدين متناقضين. الاول هو التهديد باعلان من طرف واحد عن دولة فلسطينية، بما في ذلك التوجه الى مجلس الامن لاتخاذ قرار لاقامة دولة كهذه في حدود 1967. التهديد الثاني هو التخلي التام عن حل الدولتين وتبني حل جنوب افريقيا؛ دولة واحدة لكل واحد فيها صوت واحد. هذان التهديدان يعكسان بقدر كبير احساس الضعف، اليأس والامل في انه ربما مع ذلك تتحرك ادارة اوباما وتفعل شيئا.

الخطر الاساس على اسرائيل هو فقدان الشريك سواء في مسيرة سياسية او في ادارة العلاقات بين الطرفين طالما لم يحل النزاع. صحيح ان الشريك الحالي، السلطة بقيادة عباس، تعاني من عدة نقاط ضعف، ولكن هذا شريك اختار حل النزاع والسلام مع اسرائيل، واثبت قدرته على تحريك مسيرة ناجعة لبناء دولة.

يتعين على اسرائيل ان تفحص فيما اذا كان ما يتخذ في المدى الزمني القصير صورة الانتصارات التكتيكية على الفلسطينيين وضغوط الادارة الامريكية فيما ان هذا ستتبين في المدى البعيد كانتصار مردود على اعقابه الحق ضررا شديدا بالمصالح الحيوية لاسرائيل.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026جميع المقالات التي تنشر لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع