إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سدود وأنابيب كردستان ... فواصل أم تواصل

راجي سعد

نسخة للطباعة 2010-01-27

الارشيف

في 13 أيلول 2005 سار بجنب جورج بوش الابن رئيس العراق "الديمقراطي" جلال الطالباني في حديقة البيت الابيض حيث عقد الرئيسين مؤتمر صحفي سأل فيه أحد الصحافيين سؤالا بلغة لم يفهمها بوش فاستاذن الطالباني الرد. لأول مرة يتكلم رئيس دولة اللغة الكردية من على أعلى منبر عالمي وذلك من دون ان يدرك بوش ما قد حصل فانهى المؤتمر قبل سماع الترجمة.

بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 تخطت قوات البشمركة الخط الاخضر الذي رسمه جورج بوش الاب لاقليم كردستان في العام 1991 فسارت مع استخباراتها, الاشايس, من اربيل والسليمانية الى الموصل غربا والى خانقين على مشارف بغداد جنوبا شاملة كل المناطق التي يتواجد فيها اكراد, أقلية أو أكثرية. هذه السيطرة ترجمت عمليا باقرار دستور اعطى الاكراد امتيازات هامة في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية ولكنه ترك بعض القضايا غامضة او عالقة لتحل في ما بعد بين الاطراف المتنازعة وربما تستغل من قبل الاحتلال حتى بعد جلائه عن العراق. أهم هذه القضايا العالقة هو مصير هذه المناطق التي سيطر عليها الأكراد, التي تعرف اليوم ب"المتنازع عليها", ومنها كركوك الغنية بالغاز والبترول والتي يسكنها, بالاضافة الى الاكراد, العرب والتركمان والاشوريين.

سمح الدستور العراقي عبر المادة 119 لأي من المحافظات ال18 بتشكيل اقليم أو الانضمام الى اقليم اذا صوتت اكثرية سكانها على ذلك, ووضع الدستور آلية، عبر المادة 140، لضم كركوك والمناطق ذات الاكثرية الكردية الى اقليم كردستان وذلك بالدعوى الى تنظيم تعداد السكان واجراء استفتاء في مدة اقصاها نهاية العام 2007. قبل وبعد هذا التاريخ, الذي مر دون اجراء استفتاء, كثفت حكومة اقليم كردستان جهودها لخلق امر واقع على الارض بتكثيف الحضور الشعبي الكردي في كركوك، وبمنح عددا كبيرا من العقود لانتاج النفط لشركات أجنبية تتلقى منها نسبة من الارباح (حوالي 12 بالمئة) بدلا من التعويض على خدماتها، والاهم من ذلك تشرع لها اٍعتبار احتياطات حقول النفط من ضمن ممتلكاتها.

الهدف الكردي من هذه العقود هو اٍثبات وجود كردستان دوليا كمصدر مهم للطاقة وتامين دخل ثابت ومستقل للاقليم (ولو باي ثمن) لكن الحكومة الفيدرالية تصدت له فرفضت هذه العقود واعتبرتها غير قانونية لصدورها عن حكومة غير مخولة دستوريا بمنحها حسب المادة 111 التي تنص على ان "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات", ولانها أيضا حسب رأيها غير منصفة بحق الشعب العراقي لاعتمادها نسبة من الارباح بدل الاجر الثابت للخدمات، كما هو الحال بالنسبة للعقود التي منحتها الحكومة الفيدرالية في الجنوب مؤخرا. هذا الموقف لم يدم طويلا فالمساومات والضغوط الخارجية اجبرت بغداد على القبول بحل وسط يسمح لهذه الشركات بانتاج وتصدير النفط (دون ان تعترف بعقودها) عبر خط انابيب كركوك-جيهان التركي الى المتوسط ابتداء من حزيران 2009، شرط ان توضع العائدات تحت سيطرة الحكومة المركزية ويخصص منها 17 بالمئة الى اقليم كردستان كما هو الحال بالنسبة لكل نفط العراق. هذه المعادلة طبقت أيضا على اٍحتياطات الغاز الضخمة التي وافقت الحكومة المركزية على تصديرها من المناطق المتنازع عليها الى أوروبا في 2014 بعد اٍكمال خط نابوكو الذي سيمر في تركيا أيضا. رغم سيطرة بغداد على العائدات فقد حققت اٍربيل أحد أهدافها بجذب الانتباه الدولي لاحتياطاتها من النفط والغاز وزيادة اٍحتمال دعم توجهاتها الاٍنفصالية في المستقبل. الجدير بالذكر ان الذي حقق أهدافه كاملة هي تركيا التي أصبح اقليم كردستان المغلق يعتمد عليها كليا كمنْفذ الى البحر والاسواق العالمية مما اعطاها سلطة كبيرة على الموارد العراقية في الشمال. هذا الربط للمصالح لين موقف تركيا من الحكم الذاتي الكردي فتوج بفتح قنصلية في اٍربيل وزيارات رفيعة المستوى الى الاقليم.

بموازاة الصراع العلني على النفط والغاز يدور صراع آخر شبه خفي على المياه في المناطق المتنازع عليها ستكون اثاره أكثر تدميرا على حياة الشعب العراقي من صراع الكربون، اذا كتب له ان يتطور. ان واقع الحدود التي رسمت للعراق وسوريا في بداية القرن الماضي جعلت العراق لا يسيطر قطعيا على مصادر مياه الفرات ويسيطر فقط على 30٪ من مصادر دجلة (15 مليار م3) التي ياتي معظمها من الامطار وروافد دجلة في اقليم كردستان والمناطق المتنازع عليها. بعد انخفاض منسوب مياه الفرات في العراق من 24 مليار م3 الى اقل من 10 مليار م3 سنويا (من 750م3 الى 300-350م3 في الثانية) خلال العشرين سنة الماضية بسبب مشاريع ال"غاب" (GAP) التركية، أصبح نهر دجلة حيوي جدا للامن الغذائي العراقي والحد من التصحر. بالرغم من ذلك، فدول الجوار مستمرة في مشاريعها فخلال الاعوام العشرة القادمة وبعد اكمال تركيا سدودها على دجلة (سدود أليسو وسيزر وأليسو-خنجرة) ورافده الزاب الاعلى (سدود أعالي الزاب وسولوت وجالديران)، وتحويل ايران لاكثر من 40 فرع عن رافدي دجلة الاخرين، الزاب الاسفل وديالي ، من المتوقع ان يصل انخفاض منسوب دجلة الى اقل من 30 مليار م3 (من أصل 49 مليار م3). أمام هذا الواقع المرير ستصبح المناطق المتنازع عليها التي تمر فيها كل هذه الروافد وتوجد فيها اهم السدود الحيوية كسد الموصل وسد دربنديخان وسد دهوك وسد دوكان ذات اهمية استراتيجية كبيرة لضمان الحد الادنى من تدفق دجلة الى وسط وجنوب العراق.

الدستور العراقي في البند السابع من المادة 114 ينص على جعل رسم سياسة الموارد المائية الداخلية، اختصاصا مشتركا بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم ولكنه يحدد طبيعة هذه العلاقة في البند الثامن من المادة 110 عندما يوصي الحكومة المركزية بتوزيع المياه "بشكل عادل داخل العراق، وفق القوانين والأعراف الدولية". بما ان هذه القوانين الدولية تسري فقط على الدول المستقلة المتشاطئة في المياه فالدستور بذلك يعتبر الاقاليم دولا مستقلة، وفي حال نشوب خلاف بين وهذه الاقاليم والحكومة المركزية فالبند الثاني من المادة 121 ينص على أنه "يحق لسلطات الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تعارض أو تناقض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية". بهذا يكون الدستور قد اعطى اقليم كردستان سلطة تفوق سلطة الدولة الاتحادية للتصرف بمصادر المياه.

خلال الاعوام الماضية خططت وزارة الموارد المائية الفيدرالية مع نظيرتها الكردستانية لاكمال عدة مشاريع في الاقليم والمناطق المتنازع عليها. أهم هذه المشاريع هو سد بخمة على الزاب الاعلى في محافظة اٍربيل الذي وضعت الدراسات الاولية له في 1953 ونفذ منه حوالي 35٪ قبل توقف العمل فيه بعد حرب الخليج الاولى عام 1991. الغاية من المشروع، الذي وصفه رئيس حكومة الاقليم نيجيرفان بارزاني بانه "يضاهي في اهميته بالنسبة لكردستان اهمية سد غاب بالنسبة لتركيا"، توليد 1500 ميغاوات من الطاقة الكهربائية وتخزين 14,4 مليار م3 وري آلاف الهكتارات، وكذلك منع الفيضانات عن العاصمة بغداد. بالاضافة الى ذلك فقد انجزت وزارة الموارد المائية الدراسات والتصاميم لعدة مشاريع اخرى على الزاب الاعلى وفروعه واهمها سد بنداوة، مشروع الخازر-كومل، سد كومسبان على فرع باستورة، ومشاريع اخرى كسد بادوش على دجلة و طق طق على الزاب الاسفل وسدود باسرة، خاصة جاي، شيرين، بلكانة، وقره حسن على العظيم وفروعه. هذه السدود ستولد فوق 700 ميغاوات وستخزن فوق 5,25 مليار م3 وتروي 40 ألف هكتار اضافية في الاقليم والمناطق المتنازع عليها.

الجدير بالذكر ان الواقع على الارض تغير بعد دراسة مشروع بخمة في الخمسينات فخطر الفيضانات في بغداد اصبح شيئا من الماضي بعد بناء عدة سدود تركية وعراقية على دجلة وروافده، والزاب الاعلى انخفض تصريفه المائي من 13,5 الى 8,5 مليار م3 وسينخفض الى 7 مليار م3 بعد انتهاء تركيا من مشاريعها في السنوات القليلة القادمة حسب الخبير في الشؤون المائية صاحب الربيعي. لذلك فتخزين مياه سد بخمة والسدود الاخرى سياخذ سنتين على الاقل تنقطع خلالها مياه هذه الروافد عن الوسط والجنوب. هذا على المدى القريب، اما على المدى البعيد ولقلة المياه فري اراضي جديدة في الشمال قد يعني تصحر اراضي في الجنوب وتوليد الطاقة قد لا يتوافق توقيته مع مواسم الري وقد يعني هدر كميات كبيرة من المياه المطلقة من السدود. كل هذا يدل ان هذه المشاريع ونتائجها على العراق لم تدرس جيدا رغم دعوة وزير الموارد المائية العراقي عبد اللطيف رشيد، القيادي السابق في الاتحاد الوطني الكردستاني، الحكومة العراقية الى توفير خمسة مليارات و 750 مليون دولار لتنفيذ السدود المقترحة في اقليم كردستان.

ان جعل كردستان خزان العراق المائي قبل وضع قانون مائي شامل ووضوح مستقبل العراق الفيدرالي بعد الانسحاب الاميركي مع وجود نيات مبيتة دل عليها مؤخرا تصريح علي رشيد، مسؤول التخطيط في وزارة الموارد المائية الكردستانية، لـ (AKNew ) بتاريخ 13 أغسطس/آب 2009 أفاد فيه "ان بغداد وفي نهاية العشرين عام اللاحقة ستصبح معتمدة على مياه كردستان وأنه ليس لها أي خيار آخر بهذا الشأن" ، سيهدد مصير بغداد والجنوب ويؤدي الى صراع طويل على فتات الماء الذي تسلب معظمه تركيا وايران. أن انتشار الجيش العراقي في بعض المناطق المتنازع عليها في الاشهر الأخيرة من العام 2008 وانتشار البشمركة في البعض الآخر وضيق وتذمر غير الاكراد من تصرفات الاشايس الاستخباراتي وتهجير المسيحيين من الموصل والاغتيالات والتفجيرات المتفرقة، يزيد من احتمالات الصراع ويجعل من هذه المناطق ارضا خصبة لفرز سكاني وحرب طويلة بعد خروج الجيش الاميركي منها في 2011.

من الواضح ان القيادة الكردية تحاول السيطرة على المياه والنفط واستغلالهما سياسيا لفرض امر واقع على بغداد واغتنام أي فرصة لفصل "كويت الشمال" عن العراق، كما خططت اميركا عندما صاغت الدستور الحالي الذي هدفه تقسيم العراق الى كانتونات (كما دعى جو بيدن نائب الرئيس الاميركي الحالي في 2006) تتنازع في ما بينها، واٍدارة هذه "الفوضى الخلاقة" لضمان نفوذها على الموارد الطبيعية وضمان عدم خلق أي نهضة محتملة في هذا المشرق. ان هذا متوقع من أميركا واسرائيل فتقسيم المشرق والشرق الاوسط عامة وخلق دويلات طائفية وعرقية (كما سربها البنتاغون في "حدود الدم") يخدم مصالح اسرائيل ويبرر وجودها كدولة عنصرية شبيهة بالدول المجاورة. لكن الغير متوقع هو ان لا نتعلم الدروس من خبرة أكثر من 100 عام، استنزفت فيها ثرواتنا ومواردنا وجمدت نهضتنا، من معاهدة سايكس-بيكو الى معاهدتي سفْر (Sevres) ولوزان ومن جمهورية مهاباد الى الحرب العراقية-الايرانية التي خطط كيسنجر فيها ل"هزيمة الطرفين"، فنسير قدما حسب غرائزنا نحو حروب عبثية جديدة حتى آخر برميل نفط وآخر قطرة ماء.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017