| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-02-02 |
ارزة نتنياهو! |
|
تأملت طويلا في الصورة التي نشرتها جريدة 'نيويورك تايمز'، (25-1-2010)، لرئيس الوزراء الاسرائيلي وهو يزرع شجيرة في مستعمرة ارييل، معلنا: 'نزرع هنا، وسوف نبقى هنا ونبني هنا. هذا المكان سوف يكون جزءا لا يمكن فصله عن دولة اسرائيل الى الأبد'. لم اتوقف عند كلام نتنياهو وخصوصا عند هذا الاصرار الاسرائيلي على زج الأبد في كلّ شيء! وهي مسألة تدلّ على ان الخطاب الاسرائيلي فقد صلته بالتاريخ، واستسلم للخرافة. تأملت الصورة لأنني لم استطع تحديد الشجرة التي زرعها نتنياهو في ارييل، معلناً مرة اخرى ان اسرائيل صارت اسيرة خطابها الخرافي عن الأبد، الذي يعطّل جميع احتمالات التسوية السياسية. الشجرة اهم من الخطاب، قلت، لأنها تحمل رسالة رمزية. والاسرائيليون، منذ تأسيس دولتهم على انقاض فلسطين وشعبها، يحرصون على الجانب الرمزي في ادائهم السياسي. كأن السياسة الاسرائيلية تتعامل مع التاريخ في وصفه مسرحاً يمزج هلوسات الماضي بالأدب الحديث. يبدو نتنياهو في الصورة المنشورة في 'نيويورك تايمز'، مقرفصاً وهو يزرع الشجيرة في المستعمرة الاسرائيلية في الضفة الغربية. صورة الشجيرة غير واضحة، اعتقدت في البداية انها شجيرة 'سرو'، وتساءلت لماذا يزرع الاسرائيليون السرو؟ هنا عادت بي الذاكرة الى حقول الزيتون المنتشرة في خراج قرية عين حوض، قرب حيفا، التي حوّلتها اسرائيل الى قرية للفنانين الاسرائيليين، واطلقت عليها اسم عين هود، بعد قيام الجيش الاسرائيلي بطرد سكانها منها. جزء من السكان التجأ الى حقول الزيتون، حيث اسس قرية عين حوض الجديدة. لكن العبقرية الاسرائيلية، قررت ان تزرع وسط حقول الزيتون اشجار السرو، لأن جذور السرو تستطيع ان تقتل جذور الزيتون. قلت في نفسي انه الحقد على الشجرة المباركة، التي صارت رمزاً للصمود الفلسطيني. فالإسرائيليون لا يتوقفون عن تجريف الزيتون الفلسطيني، بعدما اكتشفوا ان الزيتون لا الصبّار هو علامة هذه الأرض. في البداية، قرر الاسرائيليون الاستيلاء على الصبار، باعتباره تين الصحراء، واطلقوا على الجيل الذي ولد في فلسطين اسم 'الصابرا'، كي يقولوا انهم تغلبوا على الصحراء. كما ان رجال البالماح، لبسوا الكوفية الفلسطينية، في المراحل الأولى من حرب النكبة الفلسطينية عام 1948، لكنهم سرعان ما تخلّوا عنها، لأنها لا تلائم شعورهم بأنهم اوروبيون متفوقون. غير ان الحقد على الزيتون استمر وتطور، ليصير احد الثوابت في التعامل الاسرائيلي مع الفلسطينيين. بدت الشجيرة اشبه بالسرو، لكنها لم تكن واضحة في الصورة، كما ان مراسل الجريدة الامريكية لم يكلّف نفسه عناء البحث عن اسم النبتة التي زرعها السيد نتنياهو. اول من امس، وانا اتصفح الطبعة الانكليزية من صحيفة 'هآرتس'، عثرت على مقال ساخر عن الشجيرة كتبه يوسي ساريد، وفيه يؤكد الزعيم السابق لحزب 'ميريتس' اليساري، ان الشجيرة ليست سروا ولا زيتونا ولا رمانا ولا كينا، انها شجرة ارز!!! لا ادري كيف تفتقت العبقرية الاسرائيلية على ضرورة اللجوء الى رمز الأرز؟ يبدو ان الاسرائيليين بعدما انتهوا او اعتقدوا انهم انتهوا من افتراس الرموز الفلسطينية، قرروا الالتفات الى الرموز اللبنانية. في الأمس القريب اقاموا حفلة من اجل صناعة اكبر صحن حمص في العالم، معلنين تفوقهم على اللبنانيين، واليوم قرروا الاستيلاء على شجرة الأرز! لا شك ان السيد نتنياهو يعلم ان الطقس في الضفة الغربية لا يلائم الأرز. الاسطورة التوراتية تقول ان الملك سليمان جلب خشب الأرز من لبنان كي يبني الهيكل. كما ان ملحمة جلجامش البابلية تشير الى غابة الأرز التي اقتحمها جلجامش وانكيدو، وفي الاشارة ما يكفي من العناصر التي تؤكد ان الغابة كانت بعيدة عن العراق، واغلب الظن انها كانت في جبال لبنان. يوسي ساريد، في مقاله الذي اشرنا اليه سابقاً، وضع احتمالات شتى لهذا الخيار، وقامت سخريته على الحذف: الزيتون غير ممكن لأن المستوطنين لا يتوقفون عن اقتلاعه، كما ان البلح والتين غير ملائمين... لكنه لم يتوقف عند علاقة صواريخ حزب الله بالقرار الاسرائيلي. كأن رئيس الحكومة الاسرائيلية اراد توجيه رسالة الى حزب الله والى لبنان، مفادها انه سينقل غابة الأرز الى يهودا والسامرة، بحسب الاسم التوراتي الذي يطلقه الاسرائيليون على الضفة الغربية المحتلة. نحن اذا امام رسالة رمزية مشفّرة علينا ان لا نقرأها في علم النبات، بل في علم لاهوت الاحتلال. الطريف، انه بينما كان رئيس الحكومة الاسرائيلية غارقاً في خرافات الاحتلال، ومعلناً الرفض الكامل للإنسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة، ومصراً على تهويد القدس، كانت الضحية الفلسطينية تعلن تفوقها الاخلاقي الواضح على الجلاد الاسرائيلي. محمد بركة، زعيم الجبهة الديموقراطية للسلام، وعضو الكنيست، يشارك في الوفد الذي ذهب للاحتفال بسقوط معسكر اوشفيتز النازي واغلاقه، واحمد الطيبي يلقي في الكنيست الاسرائيلي خطاباً عن المحرقة النازية، معلنا ان على ضحية الضحية ان تعلّم الجلاد الاسرائيلي معنى العدالة. اما شجرة الأرز، فلا تبالي بهذا الهراء الاسرائيلي. تقف منذ ثلاثة آلاف سنة في مكانها في غابة ارز الرب في شمالي لبنان، وتنحني على زيتونة فلسطينية كي يضيئا معا عتمة هذا الليل العربي الطويل.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |