إتصل بنا

اخبار الحزب   الحزب بالصور   نشاطات إغترابية   نتذكر باعتزاز  
 

توازن

حياة الحويك عطية

نسخة للطباعة 2010-02-07

الارشيف

العاصمة المعزولة المهددة باللحاق بشقيقتها التاريخية، تتحول اليوم إلى محج ومقصد . دمشق التي كان اعداؤها يرقصون عام 2003 واثقين من أن العرقنة ستطالها سريعاً، تحت مظلة الشرق الأوسط الجديد، خرجت من عزلتها من دون أن تغادر مواقعها السياسية، حتى ولو أنها أبدت بعض المرونة في بعض الملفات، ما أفاد هذه المواقع ولم ينتقص منها .

أقدم عاصمة في التاريخ لا يمكن أن تصبح هامشاً، قدرها بين اثنين: إما الدمار، الذي عرفته مراراً في تاريخها، وإما المركزية، وذاك ما شكلته عبر العصور وإن بدرجات مختلفة .

لكن هذا الواقع الجيوبوليتيكي، التاريخي، يجعل المسؤولية الملقاة على عاتق الحكم في دمشق كبيرة، وهي مسؤوليات تتحملها أمام التاريخ أولاً، وأمام الشعب ثانياً .

الماضي القريب كان مشوباً بأخطاء كثيرة، ويبدو أن بشار الأسد يعمل بهدوء وروية على ترتيب الأمور، تاركاً لنا أن نسأل: أهو بطء مبالغ فيه؟ أم أنه أفضل ما يمكن انتهاجه من سرعة في ظل المؤامرة الدولية الكبرى التي استهدفتنا منذ ولادة المخلوق الشيطاني الذي أسموه النظام العالمي الجديد؟

وإذا كان هذا المخلوق يبدو الآن اقصر عمراً من كل أسلافه من نظم جديدة حكمت الكرة الأرضية، فذاك ما يعود لعدة عوامل تتوزع على مدى العالم: من الصين إلى روسيا، ومن أفغانستان إلى غزة . ليظل الدور المركزي فيها هو ذلك الذي لعبه العراق : العراق المطعون من كل الاتجاهات، الممزق المدمى، المحتّل المدمر، كان تحت كل ذلك القوة الكامنة، المخزونة منذ أول العصور، والتي، بطريقة أو بأخرى أفشلت المشروع الأمريكي، رغم كل عملائه على أرضها . لتأتي بعده القوتان الأخريان : المقاومة اللبنانية، التي سجلت للمرة الأولى انتصاراً على “إسرائيل” في التحرير وانتصاراً أكبر على أمريكا نفسها في حرب ،2006 التي لم تخضها “إسرائيل” إلا لحساب العّراب الأمريكي، وإذا كانت نتيجة تلك الحرب لم تؤد مباشرة إلى تفكك المعسكر اللبناني الذي أراد التمثل بشبيهه العراقي، فإن الفضل في ذلك يعود إلى انتصار المقاومة وقوتها التي حمت المعارضة .

وإذا كانت الأسباب التي حركت المؤامرة في لبنان عديدة، فمنها أن البعض راح يرى نفسه أحمد الجلبي والآخر جلال الطالباني والآخر مسعود البرزاني والآخر اياد علاوي، هذا عدا عن جيش مؤلّل من الذين تنحدر طموحاتهم تدرجاً حتى تصل إلى مجرد بضع مئات من الدولارات في الشهر . من دون أن ننسى أن رواسب أحقاد كثيرة تركتها الممارسات السورية الخاطئة في لبنان، شكلت محركاً يشبه إلى حد كبير محرك بعض الذين غلب حقدهم على صدام حسين، ضميرهم الوطني . في حين تظل الأحقاد الطائفية أشبه بتلك المذهبية والإثنية التي استعملت قنابل تفجير في العراق .

عناصر كثيرة ومهمة لا بد أن ينتبه إليها القيّمون على الوضع في سوريا، كي يتم اجتثاث أصولها في النفوس، وذاك ما يتطلب جهداً كبيراً وطويلاً . غير أن النظام السوري قادر على انتهاج هذا الخط الإصلاحي الآن، أكثر من أي وقت مضى، لأنه في موقع القوة، ولا يمكن فهم أي إصلاح بأنه تنازل عن ضعف . فالكل يرى الزعماء الأوروبيين وهم يقفون بالصف في مطار دمشق، فيما ينقل آخرهم من الفرنسيين، رغبة هيلاري كلينتون في تعيين سفير في دمشق، وتحججها بالقوانين القديمة التي تعرقل عملها . ومن الواضح أنها تشير إلى قانون معاقبة سوريا، بحيث يبدو من غريب المفارقات أن تكون الولايات المتحدة هي التي تشكو منه كمعوق لعملها الديبلوماسي لا دمشق .

هذا في حين تتطور العلاقات السورية- الروسية، بحيث يقول الخبير الجيوبوليتيكي الفرنسي جاك بارا، مفسراً التقرب الساركوزي من دمشق: لو لم نسرع بالتواجد هناك لما ترك لنا بوتين موطىء قدم .

غير أن نقطة القوة الأساسية التي تمسك بها سوريا اليوم هي خاصية كونها العاصمة العربية الوحيدة التي تملك علاقات استثنائية مع تركيا وإيران في آن واحد . ما يعني الكثير في إطار جيوبوليتيكة ما يسمى الشرق الأوسط، تلك التي كانت عبر التاريخ موزعة بين ثلاثة مراكز: العربي، والتركي والفارسي (حتى عندما كان اسم هذين الآخرين: بيزنطة وبلاد ساسان)، وإذا كان العنصر الوحيد الطارئ على هذه الثلاثية هو الكيان “الإسرائيلي” الغاصب، لأرض العرب، فإن ائتلاف هؤلاء مع القوتين الأخريين هو الوسيلة الوحيدة لعزل “إسرائيل” في المنطقة . استراتيجية لم يفهما أحد في العالم العربي وللأسف، إما عن سوء تقدير وإما عن عمى مذهبي غبي وحاقد، تحركه أصابع الصهيونية نفسها، ورسلها الغربيون .

القوة تأتي دائماً من الداخل: والداخل هو أولاً داخل القطر وثانياً داخل الأمة وثالثاً داخل الحيز الإقليمي . وأخيراً في الإطار العالمي،حيث يأتيك هذا الأخير مرغماً إذا ما حققت الثلاثية الاولى . معادلة فهمها حكامنا غالباً بالمقلوب، والغريب أنهم لا يزالون كذلك رغم كل المصائب التي جلبتها لنا .


 
جميع الحقوق محفوظة © 2010