الحكاية أن المأساة لن تتوقف، ما أطلق عليه قسطنطين زريق عام 1948 اسم النكبة، لم يكن حدثا تاريخيا حصل وانتهى الأمر. النكبة ليست حدثا، إنها مسار تاريخي مستمر ويحصل هناك والآن في كل يوم.
ما يُطلق عليه المحللون السياسيون اسم أزمة الشرق الأوسط، ليس أزمة، بل مأساة مستمرة، تتجسد في مشروع نكب الشعب الفلسطيني عبر هدم بيوته وجرف مزروعاته ومحاصرته حتى الموت أو الرحيل.
يمكن اختصار أخبار القدس بحكاية هدم البيوت، وحفر الأنفاق وتشريد الناس ومحاصرتهم تمهيدا لطردهم من المدينة.
القدس ليست المسجد الأقصى فقط، أو كنيسة القيامة، على الرغم من أن المكانين يتعرضان لما يمكن تسميته بالهدم البطيء المتواصل، القدس هي سكان المدينة الذين يعيشون فيها اليوم، وعاش فيها آباؤهم وأجدادهم منذ مئات السنين. القدس هي الناس الذين يتعرضون لأبشع صنوف الاضطهاد، وتدمر بيوتهم كل يوم، من الشيخ جراح إلى سلوان إلى ما لا آخر له... وسط صمت مريب يلف العالم، وغياب عربي يثير الشفقة والريبة في آن معا.
لكن الجديد الإسرائيلي والصهيوني انتقل اليوم إلى اضطهاد الموتى والعبث ببقاياهم، وهذا دليل إضافي على أن خيال الطغاة لا حدود له، وان الخرافة اليهودية حين تمتزج بالحداثة على الطريقة الأمريكية تصير وحشا لا حدود لقدرته على تدمير كل شيء وانتهاك كل القيم.
آخر المشاريع الصهيونية إقامة متحف فوق إحدى المقابر التاريخية في مدينة القدس. المتحف الذي تريد إقامته مؤسسة سيمون ويسنتال في لوس انجليس يحمل اسم 'مركز الكرامة الإنسانية - متحف التسامح'، وسيقام فوق مقبرة 'مميلا'، أو 'مأمن الله' في مدينة القدس.
مقبرة 'مأمن الله' هي مقبرة تاريخية في القدس، أنصاب قبورها القديمة لا تزال في أماكنها، تقف شاهدة أن المدينة هي مكان لقاء الأحياء بالأموات، وان هذه الأرض ورثها الفلسطينيون المقدسيون من أجدادهم، التي تنتصب قبورهم شاهدا على استمرار الحياة وقوتها.
مهزلة هذا الزمن الأرعن ليســـت وحشــــية الاحتلال وممارساته القمعية، مهزلة الزمن الإسرائيلي لغوية بامتياز. يقيمون متحفا للتسامح فوق قبور الناس. يتحدثون عن الكرامة الإنسانية وهم يدوسون كرامات الأموات بعدما داسوا كرامات الأحياء!
عندما بدأ الإعداد للمقبرة، عبر جرف الأرض عام 2004، وجدت طبقات من القبور تعود إلى القرن الحادي عشر، تم إخلاء 250 هيكلا عظميا حتى الآن، ولا يزال هناك مئتا قبر، يقدر عدد الذين دفنوا فيها بألفي إنسان.
كي يقوم متحف التسامح هذا، على دعاة الكرامة الإنسانية من اليهود الأمريكان، العبث بألفي جثة فلسطينية، وسحب الهياكل العظمية ورميها أو طمرها، أو لا ادري.
المقبرة تضم موتى ينتمون إلى عائلات مقدسية متعددة، من بينها الحسيني ونسيبة والخالدي... وقد عقد متحدرون من أبناء هذه العائلات مؤتمرا صحافيا دعوا فيه الأمم المتحدة للتدخل، من اجل وقف هذه المجزرة التي تجري بحق الأموات!
المسألة ليست خطأ غير مقصود، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض. فالحقد على الأموات لا يقل عن الحقد على الأحياء. عملية جرف المقابر وإزالتها بدأت منذ لحظات النكبة الأولى عام 1948، إذ لم يكتف رجال الهاغاناه بجرف منازل القرى العربية بعد طرد سكانها، بل قاموا بجرف كل شيء، وكانت المقابر ضحايا جرافاتهم.
وهذا ناتج عن الهوس الصهيوني بتاريخ لا يمتلكونه، وبعلاقة بالأرض ليست سوى علاقة أسطورية لا تمت إلى التاريخ بصلة. لا يملك من يريد تحويل الأسطورة تاريخا سوى أن يصير وحشا، وان يفقد كل صلة بالتسامح أو بالكرامة الإنسانية، ويجد نفسه مندفعا إلى قتل ذاكرة الآخر، ومحو وجوده فوق الأرض وتحتها.
النكبة لا تجري فوق الأرض فقط، بل تجري في باطنها أيضاً. فوق الأرض يموت الأبناء و/أو يهجّرون، حيث تدمر البيوت، ويجرّف الزيتون، وتحاصر المدن والقرى بالجدار العنصري. وتحت الأرض تنبش القبور وتمحى آثار المقابر، بحيث يتم تصحير فلسطين تدريجيا من أي اثر للكرامة الإنسانية.
مقبرة 'مميلا'، التي أطلق عليها أصحابها اسم 'مأمن الله'، كي تكون مأمنا للموتى في المدينة المقدسة، تتحول اليوم شاهداً على مجزرة ترتكب باسم التسامح، معلنة أن لا مأمن ولا امن ولا حياة ولا موت في ظل الاحتلال.
السؤال موجه إلى مؤسسة سيمون ويسنتال التي تبنـــــي هذا المتحف. لا شك أن هذه المؤسسة الأمريكــــية الصهيونية تشعر بشيء من الحرج بعد المؤتمر الصحافي الذي عقد فـــي أكــــثر من مدينة في العالم، حيث ظهرت الحقيقة التي يحاولون طمسها كل يوم. الحل الوحيد أمام هذه المؤسسة هو أن تطــــلق اسم مقــــبرة التسامح على المتحف الذي تريــــد إقامتـــه في القدس، كي نفهم أن التسامح ليس سوى خدعة، وان الهدف هو قـــتل الموتى أيضا.
أما المؤسسات الرسمية العربية، التي لا تشعر بأي حرج أخلاقي، أو سياسي، فلا نملك أن نوجه لها أي سؤال.
القدس اليوم هي ضمير العرب الميت، لذا لن ننادي، لأن 'لا حياة لمن تنادي'، بحسب أبي العلاء المعري.
|