ادمنت اسرائيل بعد حرب العام 2006 على لبنان و هزيمتها فيها ادمنت على اطلاق التهديدات بالحرب او قل استئنافها لان السابقة لم تنقض بعد و انما اوفقت فيها العمليات القتالية بقرار مجلس الامن ذي الرقم 1701. و كانت في كل مرة تطلق تهديدا تسمع اسرائيل من الموجه اليه الكلام ردا لا يعجبها لا بل يجهض التهديد و يعلن جهوزيته لهزيمتها مجددا اذا استأنفت عدوانها ، و تسارع اسرائيل الى التراجع عن تهديدها او تقول بانها غير معنية بحرب او انها لم تكن تريد تصعيد الموقف . تهديد ثم يسحب، الى ان ارست اسرائيل في سلوكها الراهن من يتيح لنا تتفسيره باعتماد سياسة ترويض اليقظة و الاستعداد لدى الخصم حتى لا يعبأ بتهديداتها مستقبلاً و اذا نفذت واحدة منها في لحظة تراها ملائمة فان المفاجأة التي تلزمها ، تكون قد توفرت ظروفها فتستفيد من مفاعيلها نصرا في حرب تبادر اليها .
و في سياق التهديد المطلق و التراجع المرغمة عليه ، جاءت اسرائيل " بمقولة تزود حزب الله بصواريخ سكود " البالستية عبر سوريا لتهدد و تجر معها في اللعبة اميركا التي تبنت الموقف الاسرائيلي و راحت تطوره و تضخم مفاعيل امر تعلم هي انه غير يقيني ، و ان يدها فارغة من قرينة او دليل يجعل من الامر مسألة تستحق التعامل معها بجدية و اهتمام ، سلوك يثير الريبة و يدفع المهتمين بالشأن الى البحث عن الاهداف الحقيقية لهذا التهديد .
بداية نذكر بان صواريخ سكود هي من الاسلحة و الذخائر التي تقدم لممتلكها مزايا هامة لجهة مدى السلاح (بين 180 كلم للأدنى و 550 كلم للاقصى ) و دقة الاصابة (بين 300 م للابعد و 50 م للاقرب ) و قدر الحشوة المتفجرة ( بين 600 كلغ للاخف و 925 كلم للاكبر ) هذا التفاوت مرده الى تعدد اجيال الصواريخ و انواعها الاربعة التي تدرج من "سكود A " الى "سكود D " و بالتالي يعد هذا الصاروخ هاماً في قدراته التي تصرف في مجال التأثير على الميزان العسكري و التدميري بين الطرفين ، لكن و رغم كل ما ذكر لا يستطيع احد ان يقتنع بالموقف الاسرائيلي من هذا الامر لان اسرائيل تعلم ان المقاومة تملك و منذ العام 2008 ترسانة من الصواريخ المتطورة و القادرة على الوصول الى كل الاهداف في المنطقة الاستراتيجية الاساسية في فلسطين المحتلة و ان امتلاك صاروخ سكود و من اي نوع كان او عدمه ليس من شأنه ان يقدم اويؤخر في المعادلة التي قامت و اعلن الامين العام لحزب الله عنها "بالتقابل المتكافئ بالتدمير " لهذا لا نرى ان الضجة التي افتعلتها اسرائيل ذات علاقة مباشرة بالميدان و بتحولات لحقت الميزان العسكري فيه . هذا من جهة و من جهة اخرى لم تستطع اسرائيل او اميركا المسيطرة على اربعة اقمار اصطناعية لمراقبة المنطقة على مدار الساعة ، لم تستطيعا تقديم صورة واحدة لشاحنة تنقل الصاروخ الذي يبلغ طوله 11 م و يستلزم لنقله آلية بطول 15 م في الحد الادنى و في ياب الدليل و الاثبات كانت اميركا ملزمة بالموقف المائع من "الاتهام " و جعل التهديد او التلويح بالسلبية مشروطاً بالتحقق اللاحق الذي تعلم اميركا بانه لن يأت .
في ظل هذه الصورة يكون لنا ان ننفي بموضوعية موثوقة علاقة الصواريخ المزعومة بالتهديد الذي اطلق ،و نبحث عن الاسباب الحقيقية او الخلفيات و الاهداف التي رمت اليها اسرائيل و اميركا من الامر . و هنا تحضر للذاكرة مسائل عدة لا بد من اعتبارها في الموضوع و في طليعتها " استراتيجية الحرب الشاملة " التي اعتمدت في قمة دمشق الثلاثية في شباط الماضي من قبل قادة سوريا و ايران و المقاومة في لبنان ، و التي سبقها اعتماد استراتيجية "التدمير المتقابل للاهاف المتكافئة" ، و التزام سوريا بالتدخل و الرد على اي تهديد اسرائيلي او عدوان عليها او على لبنان ، هذا في جانب و في جانب آخر فشل اميركي في حمل اسرائيل على موقف يتيح استئناف "ما يسمى العملية السلمية " كما و فشلها في عزل ايران او تحشيد تحالف دولي يدعم اميركا في حرب مفترضة عليها او في عقوبات اقتصادية تؤذيها بشكل فعلي . هذه الصورة فرضت على الفريق الصهيواميركي العمل ، او استئناف العمل على تفكيك جبهة "الحرب الشاملة" و تم اختيار سوريا لتوكن المحل الذي يؤثر عليه حتى تنأى بنفسها و تنفك الجبهة .
و بالتالي نرى ان الهدف الحقيقي للضجيج حول الصواريخ المدعاة ، يبدو بعيداً عن اثرها ومفاعيلها العسكرية الميدانية ، و يتركز في الصراع الاستراتيجي و السياسي لتحقيق الاهداف التالية :
1. اختبار جدية "استراتيجية الحرب الشاملة " حيث تحتاج اميركا و سرائيل للوقوف على الموقف السوري من اتهامها بتسليح حزب الله حتى تبني عليه في معرفة موقفها من نصرته في الحرب المقبلة ، او في الحرب على ايران ، و هنا نرى ان سوريا واجهت بفطنة وحكمة ، فلم تتبن و تؤكد حتى لا تواجه بخرقها للقرار 1701 و تتسبب لنفسها مجانا بمصاعب غير ضرورية ، ثم عادت واكدت وحدة الجبهة و المواجهة في اتصال الرئيس الاسد بنظيره الايراني الرئيس احمدي نجاد مؤكداً على ذلك .
2. ممارسة مهام الاستعلام بالاعلام و السياسة عن حركة التسليح و حجمه ، و هذا كان موجهاً لحزب الله تحديداً ليستدرج للقول بانه يملك او لم يتملك بعد صواريخ سكود ، و في هذا فشلت اسرائيل بسبب سياسة تقليدية متبعة لدى الحزب تقوم على الامتناع عن الرد ، و عدم نفي او تأكيد لمزاعم العدو حتى لا يقدم له منفعة مجانية .
3. اعادة تحريك مسألة الحدود اللبنانية السورية ترسيماً و مراقبة و سيطرة ، فقد اطلقت المزاعم في الاسبوع الذي قدم فيه العميل الاسرائيلي تيري رود لارسن العامل بوظفية ناظر القرار 1559 ، قدم الى مجلس الامن تقريره نصف السنوي و كان لتقل السلاح و الحدود اللبنانية السورية حصة وافية فيه ، و هنا قد تكون اسرائيل و اميركا بصدد التعويل على موقف دولي يذكر بقرارات لا شرعية اتخذت خلافاً للميثاق الاممي ، قرار يضع الحدود تحت رقابة دولية ، و هذا امر ساقط في بداياته فظروف اليوم ليست كالامس و لبنان اليوم لن يدع لاحد ان يفرض عليه قرار مضاف الى ما انتهك سيادته و امنه من قرارات صهيواميركية كان القرار 1559 اولها .
4. اما الهدف الاخطر و الاهم فهو " تفكيك جبهة الحرب الشاملة " و ذلك باخراج سوريا منها عبر ضغوط تمارس عليها و التلويح بالعقوبات و الترغيب ببعض المنافع و النفوذ . فاميركا و اسرائيل تعلمان اليوم ان سوريا هي حلقة الوصل الوسطى لا بل القاعدة التي تجمع الاطراف الثلاثة للجبهة و ان اخراجها من الجبهة تلك يحدث تغييرا استراتيجياً بالغ الاهمية في المنطقة كلها و يغير وجهة نتائج الصراع و مسار الاحداث . و بما ان انقاذ المشروع بحرب او عقوبات بات امراً متعذرا مع وجود جبهة ممانعة و مواجهة متماسكة و في قلبها سوريا ، فان الحل الوحيد المتاح للانقاذ اليوم يتمثل في اخراج سوريا من الصراع كما اخرجت مصر قبل ثلاثة عقود و احدثت ذاك الانقلاب الاستراتيجي لمصلحة اسرائيل .
ان سوريا هي المستهدفة اذن و عبرها وحدة جبهة المواجهة ، و تمدداً الى استراتيجية الحرب الشاملة ، و مفيداً هنا التذكير بتوزيع الادوار تحقيقاً لهذا الهدف ، فاميركا تتولى ايران و تهددها بالسلاح النووي ، و اسرائيل تتولى تهديد سوريا ، و في لبنان تتولى جهات داخلية و دولية امر ارباك او ازعاج المقاومة باحاديث السلاح و القرار الظني المزعوم المنتظر برأيهم صدوره عن المحكمة الدولية ، و في غزة تستمر السلطة و جيران عرب بالضغط على حماس للتسليم ، انها اروركسترا واحدة تعمل في مرحلة الضغط و عرض العضلات ، لان الحرب التي تحقق الانتصار المطلوب لم توفر شروطها لاميركا و اسرائيل بعد .
و بالمقابل نجد الجبهةالمستهدفة تشتد تماسكاً و قوة كلما ارتفعت وتيرة الضغط و التهويل ، و اذا كان لا بد من راي نختم به تحديدا للنتائج التي حققها كل فريق في معركة "عرض العضلات " نجد ان فريق المواجهة هو الارجح والاكثر حصداً للايجابيات و ان الوقت كما قال الرئيس احمدي نجاد يعمل في صالحه لاكثر من اعتبار و في اكثر من مجال .
|