![]() |
|
|||||||||||
|
||||||||||||
|
إتصل بنا |
مختارات صحفية | تقارير | اعرف عدوك | ابحاث ودراسات اصدارات |
|
||||||||||
"الجاليةُ العربيّةُ والصحافةُ في المهجَر: حوارٌ في الدَّورِ والمسؤوليّة" | ||
| ||
|
إنّه عنوانٌ واضحٌ لموضوعٍ مَشوِّقٍ ومُعقَّدٍ في آنٍ واحد! فلِلْوهلة الأولى، يبدو أنّ من السَّهل الغوصَ فيه. لكنّ ثمّةَ فرْقًا بين السهولة المُغرية للتسرُّع في الانتقاد السلبيّ، وبينَ الحاجةِ المُلِحّة إلى واقعيّة التحليل وعمْقِ البحث والتجرُّدِ الموضوعيّ في العرض؛ نقْدًا بنّاءً لمَشاكلَ إنّ صحّ كَشْفُها وتقديمَ حلولٍ إيجابيةٍ لها. مساء الخير، تقديري البالغُ لكم جميعًا، رُفَقاءَ وزُملاءَ وأصدقاء، وشكرًا على الدعوة الكريمة من نقابة الصحفيّين العرب الاميركيّين لكي أشارككم في هذه الأمسية آراءً وملاحظاتٍ عن المسؤوليةِ الملقاة "سويّةً" على عاتق جالياتنا التي عبرَت حدودَ الوطن إلى المهجر، والإعلامِ العربيِّ الاغترابيّ، ودَوْرِهما. شكرًا جزيلاً إلى الصديق الدكتور مسعد عربيد وتعريفِه لشخصي، آملاً بتواضُعٍ استحقاقَ خيْرِ الوصف. يُصادف يومُنا هذا في المغترب الاميركيّ الاحتفاءَ بعيد الأمّهات المُربِّياتِ الصالِحات، فلَهُنَّ جميعاً المودّةُ والمحبّةُ والتقدير لعطائهنَّ المتفاني، لحنانِهنَّ، لولائهنَّ، لوفائهنَّ للعائلة وتماسُكها الأزليّ. في الأنظمة الإنسانيّة التي ابتُكِرت منذ ما قبلَ الزمن الجليّ، انبثقَت أعمدةٌ مدنيّةٌ لوجستيّة ومصطلحاتٌ بُنْيويةٌ عديدة "للحاكم والمحكوم"، إلاّ أنّ أبرزَها كان وما يزال اعتمادَ مبدأ "مساواة الحقوق والواجبات"، وصَوْنَه، وإعلاءَ شأنه. "الواجب"، وصفٌ معنويّ يحتوي على ما لا حدودَ له. وهو الدورُ الفاعل والمنتِجُ كضرورةٍ ماسّة وحيويّة لانبعاث مجتمعٍ عادلٍ وقيِّمٍ، ولتَطوُّره، فتظهر "الحقوقُ" قبْلاً وبَعدًا لتَكون الآمر والناهي في تأمين استمراريّة المجتمع وتكيُّفه مع المتغيّرات المرحلية والزمنية، وانفتاحِه على النَّقد البنّاء والمُنصف. لكنْ لكيّ تستطيع الحقوقُ والواجبات أن تَعبُرَ منّ مجرّدِ أقوالٍ فحسْبُ إلى أفعالٍ ملموسةٍ، لا بدّ من أنّ تعتمد على صحّة "نظامٍ" اجتماعيٍّ خَلوق ترى العدلَ فيه مصانًا بدَوام "حرية" المواطن وبدعْم "قوّة" آماله وتطلّعاته المستقبليّة نموًّا وازدهارًا. يقول الفيلسوف "سقراط": "لا ملِكٌ إلاّ بالجُندِ، ولا جُندٌ إلاّ بالمال، ولا مالٌ إلاّ بالبلاد، ولا بلادٌ إلاّ بالرعايا، ولا رعايا إلاّ بالعدل." وهنا حِكمةٌ أُخرى راقيةٌ تقع في صُلبِ "المدرحية". وقُبَيْل التعريف بفَرادة هذا المصطلح الإنسانيِّ والاجتماعيّ، حين أبدع "جبران خليل جبران" في مزْج العطاء بالأمل والمادّةِ بالرُّوح، مناشدًا: "جميلٌ أن تُعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه، لكنّ أجملَ من ذلك أن تُعطي من لا يسألك، وأنت تعرف حاجتَه." ويقول "كلود ماكدونالد" في المُواطَنة، مؤكِّدًا: "إنّ الشعورَ بالمسؤوليّة هو من الأهداف السامِيَة التي يجب أن يتوخّاها كلُّ فردٍ." ويَستشرف "أنطون سعاده" مُحذِّرا: "نحن أمّةٌ واقفةٌ بين الموت والحياة، ومصيرُها متعلّقٌ بالخطّة التي نرسُمُها لأنفسِنا والاتجاهِ الذي نَضَعُه." ويُتابع سعاده قائلاً: "إن إبداء الرأي واجبٌ في محلّه، مُنكَرٌ في غير محلّه، وما أكثرُ الذين يُبدون آراءً في غيرِ محلّها." بناءً على الحِكَمِ الواردة أعلاه، أتساءل أين حالُنا في المهجر - جالياتٍ وصحافةً ومؤسّساتٍ إعلاميّة - ليُساهم في تواصُلنا الدائم مع الوطن الأمّ؟ الحقّ يقال، نحن في المغترب مرآةٌ للوطن؛ نحن عصبٌ من شعبٍ امتدّ عبر البحار ولم ينسَ جذورَه؛ نحن نأتي من مجتمعٍ يعاني من عِلَلٍ عديدة، لكنه توّاقٌ إلى النهوض والرقيّ. للأسف الشديد، بعضٌ منّا رفَض التخلّي عن تلك العِلل وحملَها معه إلى المهجر، ولا تزال القوقعةُ الفكريّة من أهمّ هواجسهم. لذا، علينا كجاليةٍ اغترابيّة أن نُقَيِّم واقعَنا بالعقل والحكمة لمواجهة التحدّيات والتغلّب على الرجعيّات؛ التي تشمل نكرانَ الهويّة القوميّة، والقبولَ بالطائفيّة والتَّبَعيّة الاقطاعيّة، ومسايرةَ المحسوبيّات العائليّة والعشائريّة إلى حدّ الشحن المذهبيّ والشرذمة الاجتماعيّة العميقة والانحلال الثقافيّ وحتى الاخلاقيّ أحيانًا. وهكذا نكتشف وضعًا اجتماعيًّا اغترابيًّا شائكًا من غير السَّهل تغييرُه إلى الأفضل؛ كما نرى أنّ لعدم محاولة التغيير الجذري سلبياتٍ عميقةً ومدمِّرة. انطلاقًا وفي النهاية، نبقى نحنُ من نحنُ، وقدَرُنا أنّ نُصحّح الأخطاءَ ولو اختلفت الآراءُ، وأنّ نُكَوِّن رسالةَ الحقّ من مواطنٍ إلى وطنه ومن شعبٍ إلى أمّته؛ وما علينا إلا مثابرةُ العمل لإحياء الضمير القوميّ ونُصرةِ الحقّ والعدالة في أمّتنا. من الواضح بأنّ الجاليةَ العربيّة مفكّكة في الولايات المتّحدة الأميركية عامّةً وفي لوس أنجِلِس خاصّةً. فهي إنِ ارتبطَت، كانت غاياتُها مرحليّةً وتبقى مفتقِرةً إلى خطّةٍ شاملة مِحْورُها كلُّ قضايانا القوميّة العالقة وليس لأجزاءٍ منها فحَسْب - خطّةٍ تجعل قضيّةَ تحرير فلسطينَ من احتلالٍ صهيونيٍّ غاشمٍ ومُزمنٍ، ووحدةِ شعبها وأرضِها السوريَّيْن، اللبَّ والأساس في الموقف والعمل الرائد؛ خطّةٍ تجعل للعراق المحتلّ أيضًا إرثَه الهامَّ من القضايا المركزيّة، ولو جرى ذلك حديثًا. إضافةً الى ذلك، يجب أن نُبدي اهتمامًا جِدِّيًّا بالمسائل الاجتماعيّة المتعلّقة مباشرةً بخصوصيّات الجالية من حيثُ تَفاعُلُها مع محيطها الاغترابي؛ ومن أجل توعية أبنائنا ثقافيًّا وفكريًّا وعلميًّا ومهنيًّا لمحاربة التقوقع الطائفيّ والمذهبيّ والتمييز العنصريّ والعرقيّ، وحثِّهم على العمل والانخراط في إدارة المجتمع ونُمُوّه من كلّ الحيثيّات المتعدّدة الآفاق. أيّها الحضورُ الكريم، في حالِ لم نتدارك الأهميّةَ البالغة في العمل على إبراز ميّزات تطلّعاتنا للمواطَنة المُنصِفة، وللمجتمع الحيويّ، ولتكوين الأمّة عبر الإعلام المتوفّر، وجلُّ ما نفعله مطابِقٌ ومساوٍ لغيرنا من أصحاب التقوقُع الفكريّ والثقافيّ، فالنتيجةُ حتميّةٌ لا غيْر: لا مكانَ لنا كعلمانيِّين وديمقراطيِّين في أمّةٍ مُنطلَقُها دينٌ، ومنطِقُها طقوسٌ غيبيّة، وغايتُها تطبيقُ شريعة - ولا فرْقَ هنا بين أيٍّ من الديانات السماويّة وغيرِ السماويّة. أعود وأكرّر بأنّ الإعلام سلاحٌ فعّال، وأنّ علينا كجاليةٍ عربيّة كسرَ مساوئَ الخطاب التقليديّ الباليّ وتجاوزَه، وريادةَ أسلوبٍ جديدٍ يعتمد كلامَ الحقّ غيرِ المُراوغ. فإنّ تفحّصنا بعمقٍ وضعَ الجالية العربيّة في الغرب الاميركيّ على سبيل المثال، لوجدنا أنّها ناجحة مبدئيًّا من حيثُ الأفرادُ؛ لكنّ نجاحَها ضيّقُ الأفق، لأنه ليس من باب الجماعة الموحَّدة الاهداف. إنّ كمًّا قليلاً من أعضاء جاليتنا العزيزة قد برز في الحقول العلميّة طُبًّا وهندسةً وأكاديميّةً وإدارةَ اعمالٍ لهذه النواحي القيّمة؛ في حين كان الظهورُ قليلاً في حقولٍ شتّى مثل المشاركة الفعّالة في العمل السياسيّ المحليّ أو الفيدراليّ، والإبداع في الحقول الفنّية والإعلاميّة والثقافيّة، ولو بدا أحيانا بعضُ الخروج الإيجابيّ عن هذا الواقع المألوف. أمّا الشريحةُ الباقية من أهلنا المغتربين الذين لم يَحظَوْن بهذه المزايا والقدرات العلميّة، وهُمُ الأغلبية، فقد آلَت بهم متطلّباتُ الصراع اليوميِّ المعيشيّ في الغربة إلى أنّ يَحترفوا التجارةَ ومِهَنًا خدماتيّةً متفرّقة - ولو كان في بعض الأحيان قد اعتُمِد استنساخُ طُرُق التعاطي والممارسة المهنيّة بصورةٍ طبقٍ الاصلٍ عمّا يجري في الوطن، إيجابًا في المعدّل، وسلبًا أحيانًا. وإن نظرنا أيضا إلى الإعلام العربيّ في الولايات المتّحدة بشكلٍ عام وفي الغرب الأميركيّ بالتحديد، لوجدنا فُروقاتٍ وتبايُناتٍ متمايزة يَصعب جدًّا تقييمُها وإحصاؤها من دون الخوض في متاهاتٍ جدلية أو النجاح في تجنّب الاختلافات المهنية وحتى التعاطي الشخصيّ في ما بين القائمين على هذا المجال الحسّاس والضروريّ. بالرغم من هذا النحو السلبيّ، فلا شكّ في وجود أمثلةٍ عديدة وجيّدة تثبِّت الواقعَ المشير إلى أنّ بعض المحرّرين وناشري الصحف والكُتّاب هم حقًّا مثابرون في الدفاع عن حريّات الجاليات العربيّة وحقوقها ومصالحها، وإعلاءِ شأن كلّ قضاياها، والدعوةِ إلى وحدتها وتماسُكها من أجل المصلحة العامّة. أمّا في الجهة المقابلة، فلم تُفلِح المنافسةُ الصحافية الاحترافية في أنّ تُكوِّنَ المدماكَ الاساسيّ للتقدّم الإذاعيّ، بحيثُ تُظهِر خلالها براعةَ أبناء شعبنا في قدراته النابعة من كلّ حقٍّ وخيرٍ وجمال. فالمشهدُ في الساحة العربيّة الاغترابية ومجالاتها الواسعة هو عكس المرتجى؛ لأنّ منابرَنا الإعلاميّة متضادّةٌ في المعنى والمبنى. فهي قريبةٌ كلّ القرب من استنساخ المواضيع في ما بينها بحيثُ تبدو "نشراتٍ" ضعيفةً بدلَ "صحافةٍ" عتيدة، وبعيدةٍ كلَّ البعد عن إفادة الجالية برؤيةٍ علميّة شاملة وجامعة يتمّ من خلالها تثبيتُ مصلحة الوطن بأنّه فوق كلِّ مصلحة، وتبنّي هذا المبدأ. هنا، ومن باب النَّقد الذاتي، أرى أنّ اللوم يقع على الناشرين والمحرّرين "سويّة" بالقرّاء، إذ الفريقان يقبلان ويكتفيان بالمستوى المتدنّي للإعلام المحليّ الذي من المفترض أنّ تتشابك غاياتُه مع هموم الجالية ومصالحها، وأن تُرافق شجونَ الوطن من النواحي السياسيّة والاقتصاديّة والنضاليّة والفكريّة من أجل حياةٍ أفضلَ لمجتمع راقٍ وشعبٍ توّاقٍ إلى الحريّة والتقدّم. إنّ الامرَ الأكثرَ إيلامًا في جاليتنا الكريمة يُلمَس في رؤية الصحافة المحليّة - ولا فرقَ إن كانت تَصدر بالعربيّة أو الإنچليزيةّ - التي تتحوّل بسرعةٍ بالغة من تولّي مهامّ الإعلام المدنيّ، المُراقِبِ بكلّ جدّيةٍ ومسؤوليّةٍ والتزام، إلى حقلِ نشرٍ للإعلانات. فالغالبيةُ القصوى من صفحات بعض الجرائد، أيّ أكثرُ من 70% من مساحة طباعتها الإجمالية (وبخاصّةٍ الصفحتان الأولى والثانية)، مخصَّصةٌ بالكامل للإعلانات التجارية؛ ولا تَجد في محتوى العدد أيَّ صلةٍ بمهامّ تغطية أخبارٍ ونقْلِ وقائعَ لها تداعياتٌ مباشرة بالنِّسبة إلى المواطَنة العربيّة ومتوجّباتها الحياتيّة والحضاريّة. في الوقت نفسه، أتفهّم تمامًا الضيقة الماديّة التي تُفرَضُ على الناشرين ممّا يُجبرهم على اعتماد هذه الإجراءات عينها لتغطية المصاريف الطائلة، وأنا أيضًا على يقين من أنّ أبناءَ الجالية لا يُبدون في الأساس حماسةً كافية لدعم الصحف العربيّة المهجرية، إمّا عبرَ الاشتراكات البريدية وإمّا المساهمةِ في تقديم الكتابات الثقافيّة والتحاليل السياسيّة التي تتناول مسائلَ هامةً وتقترح حلولاً بناءةً وجذريّةً للمعضلات الاجتماعيّة. بالإضافة إلى ذلك،فإانّ لعصر الإنترنت والمرئيات الفضائيّة دوْرًا فعّالاً في إبعاد جمهورٍ وفيرٍ عن قراءة المنشورات الخطيّة. هذا بعضٌ وجزءٌ هامٌّ من العوارض السلبيّة والحواجز التي تُواجه الجالياتِ العربيةَ وإعلامَها، ولا أعرف بالضَّبط إن كانت تتوافر حلولٌ منطقية وعمليّة لمعالجتها. فتناوُلُ هذا الأمر ليس سهلاً، ومعالجةُ أغلب هذه الظواهر الصعبة والمعطيّات والتداعيّات يتطلّب جهدًا بالغًا وكلفةً مادّيةً باهظة، ونوعيّةً مُميّزة في التفكير والتحليل والتعاطي مع الأمور العالقة. ويُلَخّصُ ضَعف التفاعُل الحيويّ بين الجالية وإعلامها المحليّ بما يلي: "إنّ أشدّ حروبنا هي الحرب الداخلية. وهي آلَمُها وأمَرُّها، لأنّها بيننا وبين فئاتٍ من أمّتنا نعمل على رفْعها وتعمل على خفْضنا، نُريد لها العزّ وتُريد لنا الذلّ، نتوجّه إليها بالاحترام وتتوجّه إلينا بالاحتقار، نأتيها بالجِدّ وتأتينا بالاستهزاء." – سعاده أعود هنا إلى اقتراحي في بداية الندوة بأن يَلتزم الإعلامُ العربيُّ المهجريّ بقضيّتنا المركزيّة، ولكنْ من منظورٍ وطنيٍّ شامل وليس من المنظور التقليديِّ الضيّق كما نعهده منذ مدّة طويلة. حُبًّا لفلسطين، كلِّ فلسطين، واحترامًا لكلّ فلسطينيٍّ مقاوم، وإجلالاً لآلام أهلنا في فلسطين، وتقديرًا لتضحيّاتهم المتفانية، فإنّي أعلن بوضوحٍ كامل أنّ محور قضيّة فلسطين لا يَكمن حصرًا في كنيسةِ قيامة أو قبّةِ صخرة أو حائطِ مبكى، ولا في ما يجمع أو يُفرِّق بينها! إنّها قضيّةُ أرضٍ وشعبٍ وحضارةٍ وتاريخٍ وهُويّةٍ قوميّة لم يتلكّأ عن نسف حقيقتها الغزوُ الصهيونيُّ اليهوديُّ فحسْب، وإنّما أيضًا لم يكن ليَحصل ذلك الاحتلالُ الثالث القائمُ حاليًّا لولا التمهيدُ له من قِبَل السلطنة العثمانيّة أولاً لتَليها الانتدابات الأنچلو-فرنكفونية ثانيًا، وصولاً إلى التخاذل العربيّ؛ ومن بعدها الدعمُ المتواصل من ما يسمّى بالمسيحيّين الجُدُد وهم صهاينةٌ بغَربِهم وشَرقِهم. وما يزيد من وقْع هذه البَلية الإنسانيّة، التفريطُ بهُويّة فلسطينَ وقضيّتِها عبْر اعتماد هرطقاتٍ وفذلكاتٍ إعلاميّة متمثّلةٍ بمصطلحاتٍ خياليّة لا مكوِّناتٌ حيويّةٌ وعلمية لها، كاستنكار وشجبٍ مسيحيّ، وعالمٍ مسيحيّ وعالمٍ اسلاميّ، وأمّةٍ إسلاميّة، وجبهةٍ إسلاميّة، ومقاومةٍ إسلاميّة، وجبهةٍ عربيّة وجامعةٍ عربيّة وأمّةٍ عربيّة، وتطبيعِ عربيٍّ مع عدوّه، ومؤتمر قمّةٍ عربيّة، وأُمَمٍ متّحدةٍ، ومذهبيّةُ المقاومة وأُمَمِيّتُها، والتمثيلُ الشرعيُّ الوحيد، ومفاوضاتُ السلام مع المحتلّ (وهو استسلامٌ!)، ومحورُ الاعتدال وقوى الممانعة والصمود والرفض والتصدّي وما شابَهها من جبهاتٍ ومنظّماتٍ وهيئات كَثُرَ عديدُها وقَلّ فِعلُها؛ باستثناء فعْل الجمعيّات الإنسانيّة الداعمة للمدنيّين في فلسطينَ ولبنانَ والعراق، وثباتِ المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة والفلسطينيّة، والتاريخُ شاهدٌ. إنّ الحديثَ عن فلسطين من وجهةٍ دينيّةٍ ولاهوتيّة يجب أنّ نتفاداه بالمطلق وفي العلن. فهذا الأسلوبُ البائس مشاعُ تجييشٍ وملعبُ مشاعرَ وملاذُ عواطفَ لمن يهوى إعتلاءَ المنابر واستعراضَ الحشود وتلاوةَ الحِكَم والوعْظ والخطابات. فلو كانت في هذه النيّات مصداقيّةٌ جوهريةٌ ما، لكان تمّ تحريرُ فلسطينَ وكلِّ شبرٍ من أراضينا المحتلة قبل احتلالها. إذًا، لقد آن الأوانُ لنَكُن صادقين مع أنفسنا ونعترف بفشل هذا الأسلوب الإعلاميِّ المُحبَطِ والمُحبِط في التعاطي قولاً وفعلاً. فلَم يَعُد من السهل بتاتًا هضمُ هذه الهرطقات والعبثِ الإعلاميّ! انطلَق احتلالُ فلسطين واغتصابُها واستمرّا بناءً على دعوةٍ دينيّةٍ يهوديّةٍ طائفيّةٍ صهيونيّةٍ عنصريّة، وأيُّ دعوةٍ مقابلة لتحريرها وتبنّي مسألتها من وجهة نظرٍ دينيٍّة جهاديّة (مباشرةٍ أم غيرِ مباشرة) تُشكّل أيضًا خطأً فادحًا مماثلاً قدّ يُثمِر عسلاً في المدى القريب وحنظلاً في المدى البعيد. لذا نحن بحاجةٍ ماسّة إلى خطّةٍ قوميّةٍ معاكِسة، لا إلى خطّةٍ دينيّةٍ مشاكِسة لإعادة فلسطين وشعبها لبعضهما ولمحيطهما الطبيعيّ! تجنّبًا لاختراع البارود من جديدٍ، لا بأسَ هنا بأنّ نبني قُدُمًا على أكتاف جبابرةٍ وأعمالهم. يقول جزيلُ الاحترام، الأمينُ والدكتورُ الجامعيّ ربيع الدبس، في مقالةٍ رائعةٍ وقيّمة حملت عنوان "الإعلام والمصطلح" ونُشرت في عدد جريدة البناء 6 أيّار 2010 (www.al-binaa.com)، أنقلها حرفيًّا لما فيها من نيْلٍ صادقٍ وحازم لموضوع الإعلام وحيثيّاته التي نتناولها الآن في هذه الأمسية الطيّبة، وهي كما يلي: "يقع بعض الإعلام اللبنانيّ والعربيّ فريسة الأفخاخ الغربيّة المتصهينة، المرسومة بعناية في مطابخ القرار السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ والإعلاميّ، وخصوصاً في مراكز الدراسات الاستراتيجيّة التي يسمونها خلايا التفكير. ولا يكاد الإفراج الموقوت عن المصطلحات الخبيثة والعناوين المقصودة يجري، حتى تجد تلك المصطلحات والعناوين المدسوسة أصداءها العميقة والسهلة المنال في الفضائيات والصحف العربية المفترض فيها أن تساهم، إلى حدّ كبير، في توجيه الجمهور وصناعة الرأي العام. كيف تسْلك وسائل الإعلام العربية وما هي فاعلة؟ لا شك بأن بعض الإعلام اللبنانيّ والعربيّ يعي خطورة الأمر وأهميّة التفحص الدقيق للمصطلح الإعلاميّ، ويَعْمَد إلى تَخَيُّر اللفظة الأنسب، والأكثر دلالًة على حقنا الثابت، كأمة، في جنوب لبنان، وفلسطين، والجولان، والعراق. لكن البعض الآخر ينحو، مع الأسف، منحى آخر هو منحى الاستجابة النمطية الكاملة للقالب الغربيّ المتصهين الذي يراد لشعبنا، في أجياله المتعاقبة، أن تقولب فيه، فكراً وثقافة وتربية وقيماً واقتناعات وقناعات. ومتى أصبحت هذه هي الحال، يصبح سهلاً إحلال كلمة "إسرائيل" محلّ فلسطين، ويصبح الحصول على صاروخ "سكود"، ولو بالمزاعم، "تهمة" ينقلها بعض الإعلام نقلاً بريئاً أو غبياً أو مشبوهاً، باعتبارها "اتهاماً" لا حقاً مشروعاً كاملاً في الدفاع عن النفس والعرض والأرض المحتلة. كما تغدو المقاومة المحقة، خصوصاً الموقف المقاوم، طرحاً إرهابيّاً، بل تغدو عملاً "إرهابيّاً"، وهكذا يجري عَكْس الحقائق وقلْب الوقائع فيبدو المعتدى عليه جانياً، في حين يصوَّر الإرهابيّ ذا حق في "الدفاع عن النفس"، ولذا، تتفهم الولايات المتحدة الأميركيّة هذا "الحق" الصهيونيّ في الاعتداء والإهانة والقمع والتدمير والإبادة والسَّحْل والتعذيب والاحتلال والاستعمار باسم الاستيطان. كما تتفهم واشنطن وحليفاتها الأسباب "الوجيهة" لوجود أحد عشر ألف فلسطيني في سجون الاحتلال وبين هؤلاء نساء حوامل يلدن أطفالهن مقيدات الأيدي والأرجل. ومتى وَلَدْنَ يَعُدْنَ إلى جدران الحصار ويعود الصهاينة إلى الجدار العنصري الفاصل، كما يعودون إلى تسميم المياه والتضييق والممارسات العنفية الفاشية. ترى، متى تتوقف الفضائيات اللبنانية، اللاهثة وراء التطبيع، عن اتباع سرابها؟ متى تتوقف، بعد زيارة أي مسؤول صهيوني إلى دولة ما ومن ثم عودته إلى الأرض المحتلة، عن القول: "عاد باراك أو بيريز أو ليبرمان إلى بلاده"؟ وإذا كانت فلسطين الحبيبة "بلاد" المجرمين الوافدين من أوروبا وأميركا، فلماذا كل تلك المآسي والويلات والدماء؟ لماذا كل أولئك الشهداء واليتامى والثكالى والجرحى والمعاقين؟ لماذا كل ذلك التشرّد منذ 1948 مروراً ب 1967 ثم 1970 ثم1982 حتى الآن؟ لماذا يصبح الاحتلال مسوَّغاً واللجوء مشكلة؟ لماذا يصبح السبب نتيجة والنتيجة سبباً؟ إذا كانت الحرية أوكسجين الإعلام فلماذا لا تكون المسؤولية أوكسجين الحرية، والصدقية إكسير المسؤولية؟ ليست المسألة، قطعاً، مسألة نقص في الحرية بل في الوعي، وربما كان الوعي التاريخي بنزاهة الإعلام وصدقية دوره أوْلى وأوْجب من تعهير الحرية باسم الديموقراطية، ومن دَوْس الإنسان المنذور لقضية باسم الشعارات الجوفاء بالدفاع عن حقوقه." لقد أصاب الدكتورّ الدّبس في دراسته وتحليله الموضوعيَّيْن عن غاية الإعلام ودوْرِه الأساسيّ في حداثة النظام المدنيّ ورُقيّ المجتمع الملتزِم بهُويّته فخرًا. الإعلامُ رسالة، الإعلامُ موقف، الإعلامُ التزامٌ صادق، الإعلامُ حقّ وواجب! وبما أنّ وحدةَ المجتمع غايةٌ أساسيّة (والإعلامُ إحدى الوسائل الضروريّة في هذا المجال)، ولكون الإعلام سلاحاً فعّالاً وسيفًا ذا حَدَّين، نرى حتمًا أنّ المسؤولية، والجرأة، والثبات، والأمانة، والمثابَرة، والصدق، والالتزامَ الحرّ، والحكمة، والاستقلالية، والاستمراريّة، والنزاهة، والإرادة، هي كلّها من المتطلَّبات المهمّة والضروريّة لنجاح الإعلام في تحقيق غايته الاجتماعية. بناءً على ذلك، علينا كجاليةٍ وصحافتها الالتقاءُ والتعاونُ والعملُ بجهدٍ وجدِّية لأجيالٍ لم تولد بعد، فنحصد نتيجةً معنويّةً، صلبة، نابعةً من - ومؤدّيةً إلى - حقيقة المصطلح القائل بأنّ "المجتمعَ معرفة، والمعرفةَ قوّة." فاذا أراد المغتربون إعلاماً قويًّا وناشطًا، عليهم دعمُ الناشرين بما يُتاح لهم من إمكانياتٍ ماديّةٍ ومعنويّة؛ وإذا سعى الناشِرون والمحرِّرون إلى نيْل ثقة جالياتهم وجمهورهم، فالواجبُ المهنيّ يُملي عليهم أن يَرفعوا مستوى انتاجهم الفكريّ والثقافيّ إلى ما يليق بالمهنة من حيثُ المبدأُ والفعل. عند ذاك، تلتقي الجاليةُ بإعلامها وتنجح إحدى مكوِّنات المجتمع الحرّ. وكما هو معترَفٌ به في الأنظمة الديمقراطيّة، فإنّ الإعلامَ يُشكِّل سلطةً إضافية لها الأثرُ الفاعل في تكوين الرأي العام داخليًّا وخارجيًّا، محليًّا واقليميًّا ودوليًّا. وعلى الإعلام المسؤول أن يُراقب فعلَ السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وأن لا يَتعب من اخضاع استقلاليّة هذه السلطات الثلاث للفحص الدائم تحت مجهر الحريّة والعدالة ومصلحة المواطن والشعب والوطن على حدٍّ سواء. من أجل حياةٍ كريمةٍ وغدٍ افضلَ، علينا أنّ نعمل عبر إعلامنا المهجري لبعث نهضةٍ اجتماعيةٍ خَلوقة تجعل من وطننا الأمّ قويًّا وغنيًّا ومزدهِرًا، تُعيد إليه الحرّيةَ والسيادة ليكون مستقلاً فعلاً وقولاً من دون أيّ احتلالٍ أجنبي أو وصايةٍ استعماريّة. علينا السعيُ إلى كوْننا جاليةً موحَّدةَ الأهداف والمصير ليُعتَبر كلٌّ منّا، أهلُنا في الوطن وأبناءُ شعبنا في المهجر، مواطنين أعِزّاءَ محترَمين، كرماءَ وأحرارًا في دولٍ ديموقراطيّة تحفظ كراماتِهم وتصون أمنَهم وسلامتَهم واستقرارَهم، وتعمل على صياغة مستقبلٍ مُشرقٍ لهم، وتضع حدًّا للفساد والنَّهب العام، وتُحاسب كلَّ مخطئ، وتُصحِّح كلَّ علّةٍ في النظام والحكم والإدارة. ختامًا، أردّد ما قاله سعاده: "الاستقلالُُ الفكريّ والشعوريّ والنفسيّ لا يعني مطلقًا الانعزالَ عن العالم أو الانعزالَ عن التفاعُل مع العالم." أضِف إلى ذلك، أنّ التعاملَ مع كلّ محقٍّ ومتفهِّمٍ وداعمٍ لقضايانا، والتواصلَ مع الشرفاء أينما حلّوا، سيُساهم من دون شكٍّ في رفْع الظلم عن كاهل شعبنا وتكريسِ حرّية المواطن والعدالةِ الإنسانيّة والاجتماعيّة؛ ليَنعم الوطنُ بالنهوض والتقدّم والاستمراريّة. ولكي تنجح الجاليةُ العربيّة وإعلامُها في إبراز صورة شعبنا بأحلى حُلَلِهِ الواقعيّة، فإنّ من الحقّ الطبيعيِّ والواجبِ المضني أن نلتقي دومًا على أهدافٍ وحْدَوِيّةٍ تدعم ثوابتَ الوطن الصالح وقِيَمَ المجتمع الحرِّ المتكامل والنظامِ الديمقراطيِّ العَلمانيِّ العادل. لنعمل سويّةً على تحقيق كلّ ما يَصبّ في مصلحة الوطن وإعلاء شأن أبنائه حضاريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وانمائيًّا. أشكركم من الصميم لدعوتكم، ولما لمسْتُ من احترامٍ ومحبّة.
|
||
| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |