دوي الإنذارات الذي سمع أمس الأول في أنحاء البلاد لم يكن صفيرا حقيقيا. فالصواريخ لم تقع في غوش دان. ولم تسقط الأبراج في مركز تل أبيب. ولم يصب معسكر الكرياه، ولم تسكت قواعد سلاح الجو. ولم يحترق أي مركز تدريب للجيش الإسرائيلي، ولم يجتمع في مطار بن غوريون إسرائيليون مذعورون هاربون من بلدهم.
لكن لا يحق لأحد أن يوهم نفسه، فالوضع الأمني القومي غير جيد. فقد جعل الانسحاب من لبنان من جانب واحد إسرائيل تتعرض لتهديد استراتيجي من الشمال. والانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة جعل إسرائيل تتعرض لتهديد بالصواريخ من الجنوب أيضا. إن حرب اولمرت في لبنان زادت في قوة حزب الله زيادة لم يسبق لها مثيل. وحرب اولمرت في غزة أضعفت شرعية إسرائيل على نحو خطر. وكان من نتيجة هذه الأحداث الأربعة الصائغة - وعلى أثر تطور السلاح المائل المسار - أن أصبحت إسرائيل في 2010 أكثر تعرضا للتهديد مما كانت إسرائيل في 2000. إن قدرتها على استعمال قوة تسحق مهدديها قد قيدت جدا. الهدوء هو هدوء مضعضع. والجليد جليد دقيق. لا نعلم متى سينكسر وأين.
ولا يقل خطرا عن تهديد الصواريخ تهديد الاحتلال. فيوما بعد يوم يتوسع المستوطنون. ويوما بعد يوما يزداد التعقيد في المناطق. يرجع الفلسطينيون رويدا رويدا عن حل الدولتين. وأصبح الواقع يصعب أكثر فأكثر تحقيق حل الدولتين. والجماعة الدولية تبدي نفاذ صبر أخذ يزداد نحو واحدة من الدولتين. وأصبح الوضع السكاني لدولة اليهود بسبب الاحتلال لا يطاق، ووضعيتها الأخلاقية شديدة السوء. وأخذ يزداد التهديد السياسي بسبب الاحتلال. إن الزمن لا يعمل في مصلحة دولة إسرائيل.
ليس هذا ما يعتقده اليمين. فلا يزال اليمين يروي أنه إذا استثنينا قضية واحدة أو اثنتين كان كل شيء على ما يرام.
الجدل الحقيقي هو الجدل في الزمن. إن اليمين يؤمن بأن الزمن يخدم إسرائيل لأنه يمكنها من إقرار حقائق على الأرض. وهو يؤمن بأن إسرائيل أقيمت مثل حقيقة على الأرض وأنها ستنتصر مثل حقيقة على الأرض. هذا غير صحيح. فقد قامت إسرائيل لأن مؤسسيها أقروا حقائق على الأرض بيد، وحصلوا على اعتراف سياسي بتلك الحقائق باليد الأخرى. قامت إسرائيل لان مؤسسيها أدركوا متى يعمل الزمن في مصلحة الصهيونية ومتى يعمل عليها.
الجدل في الزمن هو جدل في الحياة والموت. اعتقد اليمين عشية حرب يوم الغفران انه يوجد وقت. واعتقد اليمين عشية الانتفاضة انه يوجد وقت. واليوم أيضا، وتهديد الصواريخ وتهديد الاحتلال محسوسان مباشران، يعتقد اليمين أنه يوجد وقت. لكن الحقيقة أنه لا يوجد وقت. فإذا لم نعمل في الوقت في مواجهة الوقت سيضربنا الوقت. إن الصفير الذي لا يسمع هو صفير حقيقي.
|