إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

حدود الخلاف الروسي الإيراني وخلفياته

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2010-05-31

إقرأ ايضاً


الأصل في العلاقات الدولية بين جارين كبيرين كروسيا وإيران هو الاتفاق والحرص على المصالح المشتركة وتنميتها وهذا هو واقع الحال في العلاقات الروسية الإيرانية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2009 ثلاث مليارات من الدولارات، وهناك عدد من المشاريع والصفقات قيد التنفيذ. لكن هذا الوفاق والصداقة لا تعني انتفاء إمكانية وقوع تباينات واختلافات في وجهات النظر والمواقف تؤدي حتماً للخلاف الذي يمكن أن يبقى طي الكتمان أو تحت الطاولة أو يظهر للعلن عبر أشكال مختلفة من بينها تصريحات هذا الطرف أو ذاك نقداً أو عتاباً للطرف الآخر.

التصريحات العلنية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد بلوم روسيا على موقفها من العقوبات المحتملة على إيران وتناوله إسم الرئيس الروسي ميدفيديف وتحذيره إياه من التساوق مع التوجهات الأمريكية لفرض مزيد من العقوبات على إيران والطلب منه "أن يتصرف بمزيد من الحذر" وأن "يفكر كثيراً". والرد الروسي السريع والعلني أيضاً بأن يتوقف الرئيس الإيراني عن ما أسماه الديماغوجيا السياسية، هذه التصريحات كشفت عن وجود خلاف أساسه تباين أو تعارض المصالح بين البلدين الصديقين على خلفية علاقاتهما مع واشنطن وقصة العقوبات، لكنها كشفت كذلك عن وجود قضايا أخرى تتعلق باتفاقات سابقة ومشاريع راهنة بين البلدين. لقد أرجع بعض المتابعين والمحللين سر الخلاف الحالي إلى تصريح مسؤول كبير في الكرملين في وقت سابق الشهر الحالي، لدى إعلانه "إنه إذا احتاجت واشنطن لتأييد موسكو لفرض عقوبات جديدة على إيران، فعليها أن تلغي حظراً أميركياً على التجارة مع 4 شركات سلاح روسية". وبالفعل ألغت واشنطن الحظر في وقت لاحق رغم مواصلة مسؤولين أميركيين إنكار أي صلة مباشرة للأمر بعقوبات ضد طهران.

في أكتوبر 2007، وبينما كان في منصبه كرئيس لروسيا، أصبح فلاديمير بوتين أول زعيم للكرملين يزور إيران منذ ستالين وأعلن تأييده لنجاد وحذر واشنطن من القيام بأي عمل عسكري كما أيد حق إيران في برنامج نووي مدني. وحتى مطلع العام الماضي 2009 كانت روسيا تعارض فرض مزيد من العقوبات على إيران وعملت بنشاط لمنع تفاقم أزمة الملف النووي الإيراني وأبقت على كل اتفاقاتها مع طهران بما في ذلك إنشاء مفاعل "بوشهر" النووي الذي يفترض أن يفتتح في شهر آب(أغسطس) القادم، وكذلك صفقة صواريخ إس إس 300 المتطورة، لكن التأخير الذي بدا متعمداً من جانب روسيا للاتفاقين أثار على ما يبدو قلق الإيرانيين وتحفظهم، ثم جاءت تصريحات الرئيس الروسي حول اتفاقه مع الرئيس الأمريكي على تصعيد العقوبات على إيران ليكمل عوامل تفجر الخلاف علناً حين شعر الإيرانيون أن روسيا تعقد صفقة مع أمريكا على حسابهم، أو كما قال أحد المحللين أن روسيا يهمها إبقاء التوتر والحراك قائماً بين إيران وأروبا وأمريكا حتى لا يتفرغ الغرب للملف الروسي وقضاياه المتعددة.

إن حديث الرئيس الإيراني عن ضرورة أن تنتبه روسيا للمؤامرة الأمريكية وعدم تشجيعها حتى لا ينظر الشعب الإيراني لها بذات السوية في النظر لأعدائه التاريخيين يبين إلى أي مدى يشعر الإيرانيون بالخذلان والغضب تجاه الموقف الروسي الجديد.

وجدير بالذكر أن الرئيس الروسي ميدفيديف كان قد صرح قبيل زيارته سورية بأن بلاده تعارض الطلب من إسرائيل الكشف عن برنامجها النووي والخضوع للتفتيش عبر وكالة الطاقة الذرية للأمم المتحدة قبل أن يتم توقيع معاهدة سلام بينها وبين كل العرب، وكان التصريح مفاجأة غير سارة لفتت النظر إلى تغير نوعي في علاقات روسية مع أمريكا وتساوقها بالفعل مع سياستها في المنطقة، وقد أضاف هذا عاملاً آخر على عوامل التشكك في الموقف الروسي الذي لم يخف ارتباط مواقف الكرملين بمصالح روسيا الكونية باعتبارها دولة عظمى على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف.

الحديث الذي تبثه بعض الجهات حول الخوف الروسي من تطور القدرة الإيرانية وخاصة في المجال النووي وإمكانية وصولها لصنع قنبلة ذرية، والدور الذي يمكن أن تلعبه إيران في إثارة القلاقل ببعض المناطق الإسلامية في روسيا الاتحادية، وخطورة أن تكون لروسيا جارة مسلمة تمتلك قنبلة نووية، هذه الأحاديث والتسريبات جميعها غير قادرة على إثبات نفسها أولاً، وكذلك على تفسير انفجار الخلاف بشكل علني ثانياً، والأرجح أن المسألة ترتبط كما ذكرنا بتعارض مصالح الطرفين في العلاقة مع واشنطن وهذا التعارض يمكن طيه بسهولة حين تتوفر الفرصة لحوار بناء وحكيم بين الطرفين للبحث عن قواسم مشتركة تحيد الدخول الأمريكي على خط علاقاتهما المباشرة من جهة والاتفاق على تنفيذ التعاقدات بين البلدين في ظل موقف متوازن من روسيا بعد اتفاق طهران النووي مع كل من البرازيل وتركيا الأمر الذي فتح الباب أمام تعديل الموقف الروسي كما عبر عنه الاتصال الهاتفي الهام الذي جرى بين وزير خارجية روسيا لافروف ووزير خارجية إيران منوشهر متكي والذي أكد فيه الوزير الروسي استمرار بلاده في دعم حل سلمي لقضية الملف النووي الإيراني و دعم بلاده للاتفاق الثلاثي بين إيران والبرازيل وتركيا.

هذه حدود الخلاف وخلفياته وهو كما نلاحظ لا يعبر عن خلل خطير في علاقات البلدين بقدر ما يعبر عن حراجة المسألة موضع الاجتهاد المتباين من الطرفين، كما عن حساسية إيرانية تجاه كل تأييد يمكن أن يصدر من دولة صديقة تجاه الموقف الظالم للولايات المتحدة من إيران وحقها الشرعي في امتلاك الطاقة النووية السلمية، ويبقى القول أن دولاً صديقة للطرفين كسورية تستطيع تخفيف التوتر بينهما.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026