إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

رد إيراني لم يتأخر على قرار العقوبات توقعات واحتمالات مفتوحة

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2010-06-23

إقرأ ايضاً


كما كان متوقعاً ردت إيران على العقوبات غير المنصفة التي فرضها مجلس الأمن بضغط أمريكي على مستويين، الأول جاء بسرعة على لسان مسؤولين إيرانيين في السلطة وخارجها وعبرت عن رفضها لهذه العقوبات والغضب من تجاهل الاتفاق الإيراني البرازيلي التركي، والثانية من مؤسسات الدولة الرسمية ومن المجموعات البرلمانية المساندة للحكومة والرئاسة أو المعارضة لها عبر قرارات وتوصيات تتعلق باستمرار المشروع النووي وتطويره وتحذير الدول والحكومات من مغبة تطبيق القرار بما يمس مصالح وحقوق الشعب الإيراني وخصوصاً البند المتعلق بتفتيش الطائرات والسفن المتجهة لإيران والتي يحتمل أن تنقل إليها مواد ممنوعة حسب نص القرار.

الرد الإيراني شبه الجماعي على قرار مجلس الأمن الدولي جاء منسجماً مع توقعات كل المراقبين والمحللين السياسيين على خلفية الصورة المعروفة لموقف إيران حكومة وشعباً تجاه المشروع النووي الذي يحظى بتأييد الغالبية الساحقة من الشعب الإيراني.

إن التعليل الأكثر عمقاً لهذا الموقف من المشروع والرد المتوقع وبهذه الكيفية وعلى نطاق واسع يرتبط بمسألة الكرامة الوطنية وحق الدول في امتلاك الطاقة النووية السلمية كما كفلته القوانين والشرائع الدولية.

العنف الذي اتسمت به ردود الفعل من جانب المؤسسات السيادية كالبرلمان وغيره حددت سلفاً السياسة الرسمية للدولة تجاه القرار والتي تتسم بالتحدي وأخذ زمام المبادرة في الهجوم على القرار وصانعيه.

السلطة التنفيذية والرئاسة أبقت الباب موارباً لاستمرار البحث الدبلوماسي عن حل في ظل تهديدها بإعادة النظر في مستوى علاقتها بالهيئة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، وكما هو واضح فإن استنكاف هذه الهيئة عن لعب دورها المفترض وتركه لمجلس الأمن الدولي بضغط وإلحاح من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ورضوخها للإرادة الأمريكية حول القضية والملف إلى قضية سياسية بدلاً من معالجتها باعتبارها مسألة فنية إجرائية كما تقتضي العلاقة النمطية المعروفة بين هذه الهيئة والدول الموقعة على اتفاقية منع الانتشار النووي.

المرونة الإيجابية التي اتسمت بها مقاربات السلطات الإيرانية لخلافها مع الغرب حول تطورات ملفها النووي والتي ساهمت إلى حد كبير في احتواء التوتر ومنع الحرب حتى اللحظة ما تزال ترسم ملامح المرحلة القادمة لخطوات الرئيس أحمدي نجاد تجاه هذا العنوان، ورغم نبرته العالية واشتراطاته العلنية اتسم خطاب الرئيس الإيراني بالواقعية وبالمسؤولية العالية تجاه مصالح بلده وشعبه حين أبقى الفرصة سانحة للتعامل مع الاتفاق الثلاثي المعروف بين بلاده وتركيا والبرازيل فيما عرف باتفاق طهران.

إذن لا زالت إيران رغم التحرشات الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص تتعامل بذات السوية العقلانية مع نتائج القرار الدولي واحتمالاته المفتوحة على غير طريق، هذه السوية التي أدهشت العالم وأثارت إعجاب الجميع ولعبت الدور الأهم في حماية مصالح إيران وعلاقاتها الدولية.

وفي الوجه الآخر للصورة فقد صعد البرلمان الإيراني من لهجته المتحدية وأمر الحكومة بزيادة التخصيب ورفعه إلى نسبة 20% وهذا يعتبر ليس رفضاً للقرار بل أيضاً إجراءً مناقضاً لنصه وروحه ويمثل تحدياً مفتوحاً للقرار ومتخذيه.

حذرت إيران منذ اليوم الأول لصدور القرار من أنها ستعرقل مصالح الدول الساعية لتنفيذ القرار بالقوة عبر تعطيل الممر المائي الهام في الخليج، الأمر الذي يعني إيقاف تدفق النفط وخلق أزمة وقود عالمية لا قبل للغرب على تحملها، كما نبهت إلى أنها ستتعامل بالمثل مع كل دولة تتجرأ على تطبيق الشق الخاص بالتفتيش ولن تتساهل في هذا المجال على الإطلاق.

إذن نحن أمام بوادر أزمة خطيرة قد تنجم عن مفاعيل وتداعيات قرار العقوبات، أو بالأحرى عقابيل تطبيقه الذي شرعت فيها أمريكا عبر حظر مزيد من البنوك والشركات الإيرانية ووضعها على لائحة المقاطعة ومحاصرتها، وكذلك عبر إجراءات أوروبية تزمع بعض دولها اتخاذها لتضييق الخناق على إيران اقتصادياً.

إن تأييد إسرائيل للقرار والترحيب به ومطالبتها بمزيد من الضغط والحصار لإيران تظهر المغزى والهدف الرئيسي من وراء المساعي الأمريكية لمحاصرة إيران والضغط عليها، ولا شك أن الدور الإيراني في مساندة المقاومة في لبنان وفلسطين وتحالفها المعلن والقوي مع سورية يشكل الخلفية الحقيقية للسلوك الأمريكي تجاه إيران والذي نجد تجلياته بأوضح صورة في قضية الملف النووي.

الضغط الهائل والتحريض والتهديد الذي مارسته أمريكا على الدول (كبيرها وصغيرها) في مجلس الأمن لاستصدار قرار العقوبات يشير لمركزية العلاقة مع إيران عداءً أو احتواءً في التوجه الأمريكي في المستقبل القريب ويكشف عن نوايا عدوانية تضمرها تجاه الجمهورية الإسلامية ويتعطل تطبيقها اليوم بسبب المستنقعات التي غرزت فيها أقدام الولايات المتحدة في أكثر من مكان في العالم، والحال أن أمريكا وربيبتها إسرائيل تحاول إضعاف قدرة إيران على الصمود توطئة لعدوان محتمل عليها حال توفر الفرصة المواتية، ولعل الأخبار عن ممر آمن للطائرات الإسرائيلية فوق الأراضي السعودية لقصف مناطق في إيران تدل على تلك التحضيرات وعلى شكل العدوان القادم.

الجمهورية الإسلامية تعي كل هذه المعطيات ونرجح أن تكون قد أعدت الردود المناسبة عليها، لكن المؤكد أن الجميع بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل يعرف أن أي هجوم على الأراضي الإيرانية حتى لو كان جزئياً أو محدوداً سينتج حرباً شاملة ويخلق كارثة دولية لن يقتصر تأثيرها على دول المنطقة.

الرد الإيراني على قرار مجلس الأمن كان سريعاً وحاسماً لكنه أعطى الحل السلمي فرصة أخرى وفتح الباب لمفاوضات جديدة وعلى أسس حددها خطاب الرئيس الإيراني. وفي المحصلة النهائية يمكننا القول أن احتواء الأزمة سيكون رهناً بالسلوك الأمريكي، وأن كل الاحتمالات ستبقى مفتوحة.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026