بعد الزخم الذي أحدثته محاولة كسر الحصار على غزة والعدوان الصهيوني على أسطول الحرية تزايدت الآمال في إمكانية تحقيق مصالحة فلسطينية – فلسطينية تنهي الحالة الشاذة التي وجد الفلسطينيون أنفسهم عليها بعد الصدام الدموي في قطاع غزة عام 2007 بين حركتي فتح وحماس.
الطرفان تقابلا في عدة نقاط ترتبط بهذا الحدث واتخذا مواقف متطابقة تقريباً تجاه العدوان وتجاه الحلفاء الذين تضامنوا مع غزة وضد الحصار الظالم، تماماً كموقفيهما تجاه الشهداء الأتراك.
التفاؤل الذي بني على مقاربات فلسطينية داخلية ومؤشرات إيجابية من الطرفين كان له مصادر أخرى تعززه عربية ودولية، فقد تركت زيارة السيد عمر موسى لغزة وما دار فيها من مناقشات مع حكومتها المقالة انطباعاً إيجابياً حول المدى الذي يمكن أن تصله الجهود العربية وجامعتها للوصول للمصالحة، ولعل الرسالة التي قيل أنه يحملها من السيد إسماعيل هنية إلى الرئيس الفلسطيني والحكومة المصرية وتضمنت مقترحات معقولة لمعالجة ملاحظات حماس وتحفظاتها على الورقة المصرية تقدم الحل الذي يرضي كافة الأطراف، هذه الرسالة والتسريبات التي خرجت من مكتب أمين عام الجامعة العربية جعلت المراقبين وجماهير الشعب الفلسطيني تتوقع مصالحة قريبة ولقاءاً يجمع الأشقاء مرة أخرى لمواجهة الظروف المستجدة والضاغطة على القضية الفلسطينية والمفاوضات العبثية مع إسرائيل، كما أتى الموقف التركي المسنود سورياً ومن بعض العواصم العربية في هذا الشأن ليعزز المنحى التفاؤلي في موضوع المصالحة... فما الذي استجد ليعيد كل موضوع المصالحة لنقطة الصفر أو للمربع الأول كما يقال؟
التصريحات التي أدلى بها السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري حول ضرورة توقيع الورقة المصرية كما هي ودون إرفاقها بأي ورقة للتفاهمات الفلسطينية المقترحة وضعت حركة فتح والرئيس الفلسطيني أمام سد لا يمكن تجاوزه فيما يخص الحراك الفلسطيني الداخلي، وكانت بحق تصريحات في غير مكانها ولا زمانها ولا تخدم قضية المصالحة الفلسطينية ولا الأمن القومي المصري الذي يستخدمه بعض المسؤولين المصريين كشماعة لتعليق أخطاء السياسة المصرية ومواقفها الملتبسة عليه. ولهذه المسألة جوانب نعرج عليها لاحقاً.
إذن وفي اعتقاد الكثير من السياسيين الفلسطينيين والمراقبين أن العرقلة قد بدأت من القاهرة لتحقيق رغبة أمريكية وإسرائيلية لوقف وتخريب هذه المصالحة كما تداعيات ونتائج العدوان الإسرائيلي على قافلة الحرية والدعم الكبير لفلسطين وقضيتها الذي وفرته وقائع الحدث وردود الفعل عليه فلسطينياً وعربياً ودولياً، الأمر الذي يتناقض مع الدور العربي لمصر تاريخياً ولرغبة الأغلبية الساحقة من الشعب المصري الشقيق المؤيد للمصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية.
ورغم هذا الدخول الملتبس للسيد ابوالغيط فقد كان ممكناً تجاوزه والتقدم للأمام نحو المصالحة على ضوء اللقاء الذي جرى بين الرئيس عباس ومبارك في شرم الشيخ وأثير على هامشه موضوع المقترحات الحمساوية الواردة في رسالة هنية وقبول الرئيسين بها واعتبارها أحد مرفقات الورقة المصرية وتعالج في الحوار الذي سيجري لاحقا،ً مع توفير الضمانات الكافية لطمأنة حماس على جدية التنفيذ ودورها اللاحق.
فتح والرئاسة ترددت وعادت للجمود وعدم الوضوح فيما يخص فهم تخوفات حماس وقبول ملاحظاتها كوثيقة تلحق بالورقة المصرية وعاد بعض متنفذيها للعب دور العرقلة الذي يخدم مصالحهم ببقاء الانقسام في ظل تعاون أمريكي صهيوني غربي لإفشال كل جهود المصالحة التي ينتظرها الفلسطينيون ويعولون عليها كثيراً في تحقيق إنجازات حقيقية هذه المرة.
في المقابل لم تتفهم حماس حجم الضغوطات التي تمارس والعراقيل التي توضع في طريق المصالحة الفلسطينية وتمسكت بحرفية موقفها تجاه الملحق الذي ترغب في إضافته للورقة المصرية والمتضمن ملاحظاتها وشروطها للتوقيع عليها ولعب المتنفذون فيها ذات الدور الذي يلعبه هؤلاء في حركة فتح للعرقلة حين نجحوا في حشر حماس بزاوية ضيقة للغاية إسمها ترسيم الملحق مصرياً بتوقيع مصر كراعية للمصالحة على هذا الملحق لضمان حقوق حماس وقت التطبيق وهذا المطلب غير وارد تنفيذه لدى الحكومة المصرية وتعتبره لياً لذراعها وانتقاصاً من هيبتها.
كان على حركة حماس أن تستفيد من حدث قافلة الحرية لتبدي مرونة أكثر ذكاءً في عنوان المصالحة بحيث تكتفي بقبول الأطراف الفلسطينية وتوقيعها على ورقة الملاحظات أو الضمانات وتترك التوقيع المصري ليكون ضمن الغطاء العربي الجماعي للاتفاق حتى لا تحرج المصريين فيعرقلوا كل شيء.
لو فعلت حماس ذلك لأحرجت الجميع بمن فيهم مؤسسة الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح والحكومة المصرية، ومع ذلك نحن لا نحمل حماس المسؤولية الأولى عن إخفاق المصالحة بل نعتقد أن قسماً هاماً من هذا الفشل تتحمله وسعت إليه أطراف خارجية عربية ودولية ما كان على فتح وحماس أن تجاريها بل كان عليهما أن يفهما جيداً أن المصلحة الوطنية الفلسطينية تتوقف على هذه المصالحة سواء ما يتعلق منها بالقدس وما يجري لتهويدها أو موضوع الحصار أو مفاوضات "العملية السلمية".
وبالعودة للموقف المصري الملتبس وباختصار فقد كان أمراً لافتاً أن يوافق الرئيس المصري على الحل الوسط بخصوص ملاحظات حماس وفي حضور الرئيس الفلسطيني الأمر الذي فهمناه وفهمه كل من تابع تحركات السيد عمر موسى أمين عام الجامعة العربية ونتائج تفاعله مع السيد هنية وبالتالي سكوت الرئيسين عن تلك التفاهمات بما يعني قبولها ثم يخرج السيد أبو الغيط ليصرح بما سمعناه جميعاً وأدهشنا كون السياسة المصرية وفي أمر حساس كهذا يعبر عنها الرئيس بالدرجة الأولى، والتصريح لوزير الخارجية جعلنا كباقي المحللين نعتقد بوجود أكثر من موقف مصري تجاه قضية المصالحة.
الوحدة الوطنية لأي شعب في مرحلة التحرر الوطني شرط لتحقيق أي إنجاز مهما كان نوعه والقضية الفلسطينية اليوم في أمس الحاجة لهذه الوحدة، والفلسطينيون كلهم معنيون بالضغط لإنجازها وإلا ضاعت حقوقهم ولا يلومون لاحقاً إلا أنفسهم.
|