الملفت أن زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز للولايات المتحدة وحديثه عن استراتيجية العلاقة معها وكذلك حديثه عن أهمية أمريكا وشعبها للعالم وللسلام جاءت بعد الموقف الأمريكي المتخاذل تجاه الجرائم الصهيونية التي ارتكبتها حكومة تل ابيب على مدار الأسابيع الماضية وخاصة في مسألتين غاية في الحساسية والخطورة عند العرب والمسلمين وهما قضية القدس التي يشكل تهويدها والاستيطان اليهودي فيها وطرد سكانها الهم الأكبر في حياة الناس في العالم الإسلامي والعربي، والثانية حصار غزة وما جرى لقافلة الحرية من عرقلة وقتل واعتقال.
إن زيارة الملك عبد الله جاءت في توقيت غير مناسب على الإطلاق ليس فقط بسبب موقف البيت الأبيض الداعم لجرائم إسرائيل وانتهاكاتها للقانون الدولي والشرعية الدولية بل أيضاً بسبب الأكاذيب التي ساقها السيد أوباما رئيس أمريكا على شكل وعود تلتزم الحق والعدل والنزاهة في معالجة قضايا المنطقة، والحال أنه لم يقدم أي دليل حتى اللحظة على وفائه بتلك الوعود الخلبية والتي قيمها كثيرون بأنها جاءت في سياق حملة علاقات عامة قصد بها تحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم العربي والإسلامي.
أما الحديث عن زيارة مثمرة وأنها عززت روح التعاون والثقة بين السعودية وأمريكا فهذه لها تفسير آخر يرتبط بتاريخ طويل من العلاقات غير المتكافئة والمبنية على الاستغلال من جانب أمريكا للمملكة وخاصة فيما يتعلق بالنفط ومن جهة أخرى بسبب ما توفره الولايات المتحدة من حماية وغطاء للأسرة الحاكمة في السعودية في ظل هجوم غربي مبرمج على الإسلام والمسلمين وقيمه الحضارية والجهادية.
إن علاقة التحالف التي بدأت عام 1945 على ظهر مدمرة أمريكية عبر لقاء بين مؤسس المملكة ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية أنتجت واقعاً عربياً لعب دوراً كابحاً لتطلعات الأمة العربية في تحرير نفسها وتحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني، كما عمل هذا التحالف على عرقلة كل تقدم باتجاه الوحدة العربية أو الخروج من أسر المؤسسة الدينية المتخلفة هنا وهناك.
أما أحداث الحادي عشر من سبتمبر والغيمة التي ظللت العلاقات السعودية الأمريكية فقد تم تجاوزها عبر تنازلات متنوعة من جانب المملكة وحليفاتها الخليجيات سواء بكبح أسعار النفط أو ببرامج تعليمية وثقافية مختلفة عن الفترة السابقة وباتجاه تصوير أمريكا والغرب عموماً بالحلفاء والحامين للديار السعودية والخليجية. إن الحديث عن علاقات استراتيجية بين السعودية وأمريكا بالطريقة التي سمعناها وفي نفس الوقت الدعم التسليحي الكبير الذي قدمه أوباما لإسرائيل وحديثه الصريح عن علاقات بلده الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني لا يترك مجالاً لأي تفهم أو قبول لعلاقات المملكة مع أمريكا، وفي ظل ما يجري في القدس تالياً.
السؤال الذي بدأنا به حول الحرب والسلام كنتاج للزيارة يحتاج لمقاربة أخرى لكنها ترتبط بما ذكرناه للتو حول التحالف بين المملكة وأمريكا من جهة والتحالف بين الأخيرة وإسرائيل من جهة أخرى.
إن الحديث عن تسوية لأزمة الشرق الأوسط وحل المشكلة الفلسطينية عبر إقامة دولة طال الحديث عنها كان مجرد كلام في الهواء ولا يملك أية مصداقية رغم تصريح أوباما بأن بلاده تريد أن تتقدم بقفزة نوعية تجاه الحل، والصحيح أن الولايات المتحدة تحضر مع ربيبتها إسرائيل لعدوان على إيران وهي لا تستطيع ذلك بدون تأمين الدعم اللوجستي من دول الجوار وخاصة السعودية التي لها رأي شبيه برأي أمريكا في مسألة الملف النووي الإيراني.
أمريكا تعرف أنها يجب ان تقدم غطاءً منطقياً لطلب هذا الدعم، هذا الغطاء لا يتوفر إلا من خلال تحريك عملية السلام في المنطقة وخاصة موضوع فلسطين والدولة الفلسطينية، ومن هنا جاء حديث أوباما للملك حول رغبته في رؤية تقدم نوعي لحل الدولتين.
أما فيما يخص الملف الإيراني فإنه بالرغم من كل الحديث المعسول عن الحلول الدبلوماسية فقد كان واضحاً أن كل ما يجري وكل الزيارات والحراك الأمريكي سواء في زيارات مسؤوليها للخارج أو استقبال القادة والزعماء من الخارج يقصد بها تحشيد أكبر عدد من الدول وخاصة في المنطقة وراء أي عدوان تشنه الولايات المتحدة أو إسرائيل على إيران.
النتائج المدمرة التي سيلحقها نشوب الحرب في المنطقة ستطول السعودية والخليج العربي في الدرجة الأولى وهذا تعرفه الدول العربية والسعودية على وجه الخصوص ومن هنا كان الضغط الأمريكي باتجاه إقناع المملكة أن ذلك ليس أمراً حتمياً وأن عناد السعودية خلف دعوتها للحل السلمي ليس له ما يبرره، وهذا جوهر الحوار والاتفاق الذي تريده الولايات المتحدة من وراء استقبال العاهل السعودي.
العلاقات على الصعيد الاقتصادي جيدة وكذلك هناك رضى أمريكي عن الدور الذي تقوم به المملكة لكبح جماح "المتطرفين العرب" وبقاء الاعتدال سيد الموقف العربي إن لم نقل الاستخذاء والخذلان تجاه جرائم إسرائيل وممارساتها العدوانية، كما أن إسرائيل برغم كل تعدياتها وبلطجتها في المنطقة تواصل تهويد القدس والمس بالمسجد الأقصى والمملكة كنظام ومؤسسة حكم لا تحرك ساكناً رغم خصوصية موقعها الديني وواجبها تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
الزيارة مثمرة حقاً...لكن لمن؟ قطعاً ليس لمصلحة الأمة العربية والإسلامية طالما لم ينتج عنها موقفاً أمريكياً أو تحركاً باتجاه تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ولوضع حد للعنجهية الإسرائيلية، وطالما سكت بعض العرب ممن تمثلهم السعودية أو تعاونوا على العدوان على جارتهم إيران.
|