شبكة العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني ، ليست وليدة الساعة ، أو عابرة يمكن الخروج منها بالسهولة التي يتصورها، أو يأمل بها البعض ، عسكرياً ، سياسياً ، وتجارياً .
نسجت الصهيونية علاقات متميزة مع عديد من الدول المحيطة بالعالم العربي مستغلة حصول توترات ومشاكل مختلفة، مستخدمة كل الوسائل الممكنة لكسب ثقة وتأييد هذه الدول وكان من بينها إيران وتركيا القطبان المهمان في المنطقة ، وفي حين كان النظام الإيراني التابع للولايات المتحدة يرفع لواء حلف بغداد ، وهو تشكيل رافد للحلف الأطلسي ، كانت تركيا منضوية في الحلف المذكور كعضو فاعل في مواجهة المد الشيوعي الذي حاربته أمريكا طويلاً ، ومن جهة أخرى مستغلة التوتر القائم بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى بسبب اقتطاع أراض واسعة من الدولتين وضمها إلى بلاد الأناضول بدعم غربي له أبعاد مختلفة كل الاختلاف ، أهمها زرع شقاق لا نهاية له ، وثانيها تفتيت المنطقة واسترضاء تركيا وضمها للحلف الغربي المذكور .
إن وجه الشبه بين الكيان الصهيوني وتركيا من حيث الواقع هو الاشتراك في احتلال أراض ليست لهما ، لكن ، بفارق كبير ، جوهره استعمار استيطاني صهيوني يهدف إلى طرد السكان الأصليين وإحلال مستوطنين محلهم من جنسيات وأعراق مختلفة ،تركيا لم تفعل ذلك ،الآن يذكرنا الصهاينة بأن الاسكندرون وغيره أراض محتلة وقد تنازلنا عنها ، فما الضير في التنازل عن فلسطين .!! – هل تنازلنا حقا بموجب صكوك رسمية ؟.
بعد جريمة الاعتداء البربري على السفينة التركية مرمرة ، وسقوط عدد من القتلى ، كان لا بد لتركيا من منطلق الكرامة والهيبة أن تتخذ موقفاً ما ، لكن مطالبه متواضعة ، الاعتذار وتعويض ذوي الضحايا وإجراء تحقيق دولي ، وهي مطالب بطبيعة الحال لا تخرج عن العرف الدولي بين أطراف ليس بينها عداء مكشوف ، رغم ذلك ، دفع التعنت الصهيوني بقادة تركيا إلى اتخاذ إجراءات أوسع نطاقاً مثل سحب السفير للتشاور، ووقف التعاون العسكري ، مع تطور لاحق هو منع الطيران الصهيوني من استخدام الأجواء التركية ، وكلها مواقف لم تبلغ درجة القطيعة أو نهاية الطريق .
المسؤولون في الكيان الصهيوني يدركون أبعاد خسارة تركيا ، مخططو السياسة الصهيونية بعيدة المدى هم الأكثر إدراكاً لهذا الأمر ، من هنا كانت المطالبات عبر الصحافة والإعلام الصهيوني تؤكد على الحكومة ضرورة العمل بوتيرة عالية لاسترضاء الجانب التركي مستقرئين تصريحات المسئولين الأتراك التي أكدت على استمرار صداقة " إسرائيل " ( تصريح أردوغان ) وتحميل الحكومة الحالية مسئولية عرقلة جهود ما يسمونه السلام في المنطقة ..!! وهكذا سارعت الأوساط الصهيونية في الكيان وخارجه ، وبدعم أمريكي أوروبي للاتصال وطلب مقابلة مسئولين أتراك على أعلى المستويات ( اللقاء مع الرئيس غول ) .
بالمقابل ، المواقف العربية المحبطة للموقف التركي ، وبدلاً من استثماره – طبعاً باستثناء الموقف السوري – لم توفر الحوافز على أي مستوى لتقوية الموقف التركي ودفعه قدماً ، على العكس تعمل بعض الجهات العربية المسماة " معتدلة " على رأب الصدع سراً ومنع تطور الموقف التركي إلى درجة تشكل منتهى الإحراج لهذه الأنظمة وعلاقاتها المشبوهة – العلنية والسرية – مع الكيان العدو . بالطبع ليست المواقف الشعبية ولا مشاعر الامتنان الجماهيري مهمة حتى للقيادة التركية ، تبقى هامشية ، مجرد ضجيج إعلامي ، يستثمره الصهاينة للتهويل الداخلي ، لا أكثر .
التأكيد التركي على عدم الإضرار بمشاريع الاستثمار للشركات التركية في الكيان العدو ، بالمقابل عدم ممارسة الضغوط على الاستثمارات الصهيونية المشبوهة في تركيا ، ولو أن الصهاينة سحبوا الكثير من مواطنيهم الذين لهم صفة الجواسيس – العملاء للموساد – بدافع الخوف من غضبة الشارع التركي وليس بناء على طلب رسمي للنظام ، وأما وقف وتجميد التعاون العسكري فهو مؤقت ولم يصل درجة الإلغاء ، هناك فارق كبير ، حيث يمكن عودة التعاون بعد التصالح مع النظام وإعطائه المبرر على شكل اعتذار والتعويض على عائلات الضحايا التسعة .
إذا كانت بعض الأبواب قد فتحت على مصاريعها لتركيا في بعض أنحاء العالم العربي ، فإن الكثير من المشاريع والاستثمارات العربية قد تم تجميدها بتوجيه غربي ، وتواطؤ عربي – وإن كان سراً – تجنباً للفضيحة ، وهنا ، ليس من مصلحة تركيا الكشف عن مثل هذه الحقائق .
ليس سهلاً على الحكومة التركية التملص من اتفاقيات التعاون العسكري الواسعة النطاق خصوصاً في مجال التسلح والتصنيع ، إذ ، ليس هناك جهة في العالم العربي قادرة على الحلول محل الكيان الصهيوني المسخرة له مقدرات أمريكا التقنية ، والكثير من دول الغرب ، وهذه ستحجم عن مد يد العون لتركيا إذ تقضي الكثير من الاتفاقيات السرية بين دول الغرب والكيان الصهيوني على اقتسام غنائم المنطقة ، روابط التعاون العسكري مجال مهم لتثبيت ارتباط بعض الدول بالكيان الصهيوني ومنها تركيا .
الرهان على قطيعة بين تركيا ، حتى بوجود النظام الحالي الذي لا يرغب بوجوده الغرب ، ولا الصهيونية العالمية ، وبين الكيان الصهيوني ، أمر يدخل في باب الأمنية ، يبتعد كثيراً عن منطق الواقعية ، ولا بد من النظر إلى الواقع الحالي من منظور أننا لم نربح تركيا ، كما أن الكيان الصهيوني لم يخسرها ، وإذ نقول بأن الموقف سيتغير في القريب فيستعيد الصهاينة تركيا إلى جانبهم بدعم وضغوط غربية ، نكون أكثر واقعية وعقلانية ، خصوصاً مع مواقف النظام العربي المتخاذل .
|