الرئيس الأسد يحل ضيفاً للمرة الرابعة على أسبانيا والعائلة المالكة فتتزين سماء العلاقات الثنائية بروح الشرق وعراقته، وتاريخ طويل من الامتزاج الحضاري على مختلف الصعد.
أسبانيا.. قرطبة وغرناطة وأشبيلية والمرية وبلنسية وطليطلة وسرقسطة والبرازين وغيرها من المدن الأسبانية الجميلة ذات التاريخ العربي الإسلامي ليست وحدها من تمزج بين بلدين يمثلان عن جدارة الروح الإسلامية المتحدة مع بعدها المسيحي، بل هناك أواصر أعمق في وجدان وعقل الشعبين صاحبي العراقة الثقافية والدينية وكل ما يمت للتنوع الذي يصنع لوحة مبهرة للمشترك بين دمشق ومدريد.
أربع زيارات للسيد الرئيس خلال تسعة أعوام تؤكد طبيعة العلاقة بين سورية وأسبانيا والتي وصفها السفير الأسباني في دمشق بالممتازة.
الكثير من كتاب ومفكري أسبانيا يعترفون أنه رغم مضي قرون وسنوات طويلة على نهاية الحكم العربي الإسلامي في الأندلس وبعد فصم عرى الصداقة والتكامل بين شطري أسبانيا القديمة بإسلامها المنفتح في قسم منها ومسيحيتها اللاتينية المتسامحة في القسم الآخر، يعترفون بأن روح الإسلام ما زالت تتلبس الشعب الأسباني في عمق وجدانه وتنوع ثقافته، وأن أكثر لغة عكست نفسها في ثقافة بلدهم ووعيها كانت اللغة العربية وتفاعلها الحضاري مع اللغة الأسبانية التي كان للمستشرقين المسيحيين دوراً رائداً في فهمها ونقل مياهها العذبة لنهر الثقافة الغربية اللاتينية.
الجرنيكا لبيكاسو الأسباني، هذه اللوحة الفنية الأشهر في العالم تمثل بحق وجه أسبانيا الإنساني الرافض للقتل والظلم والمنتصر لقضايا الحق والعدل والمنسجم مع روح الثورة التي تغلغلت عميقاً في وجدان الشعب الأسباني نتيجة الظلم التاريخي المقترن بالقسوة مما لحق به سواء على يد أبنائه أو غيرهم من دول الجوار، والذي كانت تجليات عقدته الأبرز في قيام أسبانيا باحتلال معظم دول أمريكا اللاتينية التي أنهى الرئيس بشار الأسد زيارته لها قبل أن يصل أسبانيا مباشرة، وهي بلا شك مصادفة تحمل دلالات ومعاني كبيرة كزيارته لكوبا وفنزويلا التي تقفان بصلابة في وجه التهديد والحصار الأمريكي.
العلاقات الأسبانية السورية قديمة وتمتد عبر التاريخ وهي برغم بعض التباينات في النظرة للدور الأمريكي ومشروعها للشرق الأوسط وأيضاً الاختلاف في النظرة لإسرائيل واعتداءاتها المتكررة على الدول العربية والشعب الفلسطيني تمثل الجسر الأوثق بين العرب والأسبان كما العلاقة الوثيقة مع أوروبا وخاصة على جانبي المتوسط.
في سورية تحتل أسبانيا مكاناً مميزاً في قلوب السوريين لأسباب مختلفة أهمها تاريخها المشترك مع العرب والمسلمين وبقاء عشرات المدن والأوابد الأسبانية بأسمائها العربية كما هي.
إن التوأمة بين قرطبة الأسبانية (التي أنجبت ابن زيدون وولادة وابن حزم وعباس بن فرناس) ودمشق عاصمة العروبة وقيام الأولى وغيرها من المدن الأسبانية العريقة كغرناطة بالمشاركة في مهرجانات وأنشطة دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008 ساهم كذلك في تعزيز هذه المكانة لأسبانيا وأظهر عمق الترابط الثقافي بين البلدين، ويجد المرء دليله على ذلك في عدة أمور منها المركز الثقافي الأسباني بدمشق(ثربانتس)، واعتماد اللغة الأسبانية لتدرس في جامعات سورية، ناهيك عن النشرات في الراديو والتلفزيون باللغة الأسبانية، وأيضاً في الحفاوة التي يستقبل بها ضيوف سورية من المسؤولين الأسبان.
وترجع العلاقات السورية الأسبانية المتميزة إلى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حيث تم توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين عام 1952 واتفاق التعاون الثقافي 1972 وعدد من البرامج التنفيذية في أواخر الثمانينيات إضافة إلى العديد من الاتفاقات في مجالات السياحة والنقل والإعلام والزراعة.
وجدير بالذكر أن اتفاق التعاون لعام 1977 يمثل الإطار القانوني الناظم للعلاقات الاقتصادية السورية الأسبانية وغيرها من الدول الأوروبية كونه يعطي أفضليات تجارية للمنتجات السورية ويتم بموجبه دخول المنتجات الأوروبية إلى السوق السورية وفق التعرفة الجمركية السورية فيما يسمح الاتفاق بمنح مساعدات فنية للمشاريع التنموية في سورية.
وأسهمت الزيارات المتبادلة للمسؤولين في البلدين في تطوير التعاون الثنائي والتنسيق الذي كان قائما خلال العقود الماضية وعمقت علاقات الصداقة بين الشعبين في البلدين.
يصل الرئيس الأسد لأسبانيا حاملاً معه روح الشرق وعنفوانه كما آمال وتطلعات الأمة العربية نحو دور أسباني أكبر في كبح جماع العدوان الصهيوني والمساندة الأمريكية لهذا العدوان المستمر، وكذلك للتأكيد للأصدقاء الأسبان على الموقف السوري المبدأي تجاه قضية فلسطين وحصار غزة المرفوض. وفي محصلة جولته التي تنتهي بأسبانيا سيكون الدور السوري قد قطع شوطاً طيباً للأمام وفي مصلحة الشعب السوري والأمة العربية.
|