إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

العراق: أزمة حقيقية أم مفتعلة؟

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2010-07-08

إقرأ ايضاً


ربما يكون مفيداً البدء بالقول أن العراق يعيش أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية منذ بدء الحصار الأمريكي له، وزاد الأمر سوءً أن هذا الحصار تم تشريعه من الأمم المتحدة وبرعايتها بما في ذلك قصة التعويضات والكوبونات والحظر الجوي وغيرها من مظاهر فقد السيادة والارتهان لقرار خارجي غربي تغطيه مظلة الأمم المتحدة.

المشكلة التي بدأت بقصة أسعار النفط وتخفيضها بما يؤذي العراق وغيره من الدول المنتجة وتمحورت بين العراق والكويت انتهت باحتلال الكويت في خطوة أثبتت الأحداث اللاحقة أنها كانت لاستدراج العراق من أجل ضريه وإنهاء دوره المحوري في التصدي للمشروع الصهيوني بالمنطقة، ووجد المخططون لذلك ضالتهم في عدم إدراك نظام صدام حسين لأبعاد خطوته، أو بالأحرى تصوره الخاطيء بأن الولايات المتحدة يمكن أن تغض النظر عن هذا الاحتلال وضم الكويت المرفوض عربياً، أقله عند الرؤساء والملوك العرب، والذي يشكل خطاً أحمر لدى دوائر صنع القرار في أمريكا والغرب عموماً، واحتكارات النفط خصوصاً.

تم احتلال العراق وضرب مقدراته وكسر شوكته المنغرسة في جسد إسرائيل، بل طالت الحملة الأمريكية عليه أسس التاريخ والحضارة في بلاد الرافدين واستقدمت معها أدواتها المحلية لتشكل مجلس الحكم وتحل الجيش العراقي وتدمر أسس الدولة على كافة الأصعدة باستثناء وزارة النفط التي أبقى الأمريكيون سجلاتها سليمة.

المقاومة العراقية بدأت بعد الاحتلال مباشرة وشكلت أهم العوامل في اقتناع الأمريكيين بالانسحاب من العراق وأجبرتهم على وضع جدول زمني له وليس بالاتفاق الذي جرى إعلانه وكأنه صك تحرير العراق وتعافيه.

في سياق معالجة آثار الدمار والرأي العام الدولي وانكشاف الأكاذيب الأمريكية حول أسباب العدوان على العراق وقصة أسلحة الدمار الشامل وغيرها من مبررات الحرب على العراق قامت الولايات المتحدة بتسويق الحكومة العراقية التي عينها الاحتلال وجاء معظم أعضائها فوق الدبابة الأمريكية عربياً واستعاد العراق عضويته في الجامعة العربية، لكن هذا لايكفي لتخفيف حدة الأزمة التي خلقها الاحتلال وخصوصاً في ظل تفاقم الخلاف بين محورين عربيين سميا بالمعتدل والممانع، كما تعثر مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وانكشاف الخداع الأمريكي الذي استمر في بيع الوهم للعرب والمسلمين حول السعي الأمريكي لحرية الشعوب واحترام خيارات الدول وقناعاتها الفكرية والسياسية، وخصوصاً بعد انتهاء مفاعيل أحداث الحادي عشر من أيلول(سبتمبر) وضمور شعار مكافحة الإرهاب وشحوبه.

في سياق هذا الواقع والتطورات التي صاحبت البحث عن طريقة لمعالجة عقابيل العدوان وخاصة الصراع المذهبي وتفجر الخلافات العرقية وغيرها مما تعمدت أمريكا خلقه لتخفيف المقاومة ضدها بالأساس لجأت أمريكا لقصة الانتخابات التشريعية وفرض دستور بصبغة أمريكية على العراقيين، وقد فشل ذلك كله في تخفيف وتيرة المقاومة وأعمال العنف في العراق كما فشلت إدارة بوش ومن بعدها إدارة أوباما في تحقيق المصالحة الداخلية، ولعب الصراع الأمريكي الإيراني داخل العراق دوراً كبيراً في هذه العرقلة مضافاً لها رؤية الدول العربية المجاورة والتي يمثل العراق بالنسبة لها أهم ركائز أمنها القومي.

الانتخابات الأولى حسمت وشكل المالكي حكومته التي انتهت ولايتها مع ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، ورغم كل ما يقال عن إنجازات حكومة المالكي إلا أنها فشلت في إعادة العراق إلى سويته الحقيقية كبلد للتعايش بين كل الأعراق والديانات والمذاهب وبقيت هذه الحكومة أسيرة المحاور الخارجية ولعبة الأمم التي تديرها أمريكا بحجة مكافحة الإرهاب ودرء شرور محور الشر أو ما تسميه أحياناً بالدول المارقة.

الانتخابات الجديدة أفرزت نتائج ليست بعيدة عن الأولى حيث الجميع يرغبون في بقاء الاحتلال لحمايتهم، والجميع يسعون لكسب ود الدولة المعتدية على وطنهم والمحتلة لأرضهم، والجميع محسوبون إما على أمريكا أو على إيران وليس فيهم من هو محسوب على أمته العربية، كما أن الصراع والأزمة المتعلقة بتشكيل الحكومة ترتبط بالحصص والنفوذ والصلاحيات ولا تتعلق بالبرامج والتطلعات المستقبلية من أجل حرية العراق وكنس الاحتلال من أرضه.

نائب الرئيس الأمريكي وصل لبغداد في إطار مساعي الإدارة الأمريكية لحل المعضلة وتقسيم التركة وقد هددت هذه الإدارة بترك العراق لمصيره ان استمر الساسة الجدد في بغداد بالعناد والتمترس خلف مطالبهم وطموحاتهم. البعض من هؤلاء يختلق بين الفينة والأخرى أزمة مع جيرانه شرقاً وغرباً للتغطية على فشله كالأزمة التي اختلقها المالكي مع سورية، وآخرين يتكلمون عن التدخل الايراني بطريقة حادة تقارب الحديث واللهجة المحكية عن الاحتلال ذاته، ولو توفرت حقاً النية لإخراج العراق من أزمته الحالية فإن أي دولة لن تستطيع عرقلة هكذا توجه تماماً كقصة المصالحة المعطلة بإرادة العراقيين أنفسهم والذين يرتبط بعضهم بأجندات خارجية، وبالمختصر فإن أمريكا أو إيران مهما بلغ نفوذهما في العراق لن يكونا قادرين على وقف مسيرة الحرية والتطور لو أرادها العراقيون، مع الفارق النوعي بين الوجود الأمريكي والإيراني في العراق حيث الأول احتلال والثاني عبر حلفاء عراقيين محليين وبإرادتهم .

إذن الأزمة الحالية مفتعلة ويمكن حلها بسهولة طالما كان ما نسمعه عن حرص الأطراف والكتل البرلمانية الناجحة صحيحاً حول حرية العراق وتطوره الديمقراطي وإنهاء الاحتلال.

العراق يجب أن ينأى بنفسه عن التجاذبات الإقليمية والدولية عبر مصالحة داخلية تعيد مشاركة الجميع في بناء العراق الجديد وللتخلص من مرارات الاحتلال ونتائجه.

الدول العربية وإيران وتركيا معنيون بتوفير أجواء تتيح إنهاء الأزمة فهل يفعلون؟


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026