في وقائع سقوط الصواريخ على مدينة العقبة الأردنية ومدينة إيلات (أم الرشراش) المحتلة قبل أيام ظاهرة غريبة تتعلق بتكرار سقوط الضحايا في الأراضي العربية الأردنية الأمر الملفت والذي تكرر في حوادث مشابهة سابقاً.
المشترك أيضاً في تلك الحوادث نسبتها لمهاجمين من أراضٍ مصرية وإن كانت هوياتهم لم تعرف حتى اللحظة لا في السابق ولا في الهجوم الأخير الذي أحدث ردات فعل غير منضبطة من جانب بعض الإعلام الرسمي المصري.
ليس من هدف هذا المقال أن يستنتج أسباب الهجوم أو دوافعه، ولا القوى المدبرة له والمساعدة على تنفيذه لأن هذه مهمة أجهزة الأمن والتحقيقات التي تجريها ثلاثة أجهزة أمنية في الدول المذكورة وإن اختلفت الأسباب على وجه اليقين بين صواريخ تصيب العدو الإسرائيلي وترد على عنجهيته وعدوانه وبين صواريخ ضلت طريقها أو أساءت اختيار مكان انطلاقها، إنما المهم هنا أن نوضح بعض المسائل المبدأية والحقائق التي يجب أن يعرفها المواطن العربي وخصوصاً المصري حول هذه القضية وغيرها من القضايا الشبيهة في الماضي أو في المستقبل لأن هذا التوضيح ربما يغلق الباب أمام تأويلات سطحية ساذجة وتنطلق من جهل بالحقائق، وأخرى تنطلق من نوايا مبيتة لتخريب العلاقات الأخوية بين مصر العربية وشعبها المعطاء وبين المقاومة وفصائلها في قطاع غزة واستطراداً الشعب الفلسطيني في غزة وإعادة التلويح من هذه الخلفية بإعادة إغلاق معبر رفح.
إن من قرأ الصحف المصرية الرسمية بعد واقعة إطلاق الصواريخ وترجيح مصدرها من سيناء ومن ثم توجيه الشبهات إلى فصائل المقاومة في غزة مترافقة مع تهديدات رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في ذات الاتجاه والسياق يشعر بالصدمة من التقاء هدف الحملة الإعلامية المصرية مع هذه التهديدات التي تمهد للعدوان على قطاع غزة وليس على حركة حماس فقط.
وحتى نوضح هذا الجانب من المسألة نورد هنا قسماً من نص كتبه رئيس تحرير صحيفة "الجمهورية" الحكومية المصرية وعضو مجلس الشورى المعين السيد محمد علي إبراهيم في افتتاحية صحيفته المذكورة حين يقول: " إذا كان الفلسطينيون في غزة راضين بما تفعله فيهم 'حماس' ومقتنعين أنهم أبطال مقاومة فإنهم أحرار، لن يتحرك أحد لحمايتهم إذا ما قتلهم الحمساوية في الشوارع، فقد ثبت أنهم 'جزارون' وليسوا حكاما، لكننا كمصريين لن نقبل أبدا أن يتعدى الحمساوية على أراضينا لإطلاق صواريخ على إسرائيل تنفيذا لتعليمات أسيادهم في إيران ".
هذه اللغة التي يكرر السيد محمد إبراهيم استخدامها لمقارعة خصوم مفترضين لا تخدم مصر أو شعب مصر ولا حتى النظام المصري ونحن نذكر أن ذات اللغة واللهجة قد استخدمها المذكور في الغمز من قناة زوجة أمير قطر في أحد افتتاحياته العبقرية وأثار في حينه مشكلة خسرت من جرائها مصر وجاليتها في قطر.
حين يفتقد المرء إحساسه بشقيقه وتضيع البوصلة من أمام عينيه ويتحول العدو إلى صديق والأخ إلى غريم فإن النتيجة هي صدور كلام كالذي سمعناه على لسان هؤلاء وفي كتاباتهم مع الأسف، غير أننا سعينا كما ذكرنا لتوضيح مسائل مبدأية وحقائق يتجاهلها أمثال رئيس تحرير " الجمهورية " المغوار.
أول هذه الحقائق أن كل الفصائل الوطنية بغزة نفت ضلوعها في العملية رغم أن قصف إيلات يجب أن يكون مفخرة للمنفذ مهما كانت النتائج والتجربة السابقة تؤيد هذا حين كانت الفصائل تتسابق لإعلان مسؤوليتها عن هكذا عمليات.
وفي ثاني الحقائق أن الصواريخ وصلت للعقبة ولإيلات وانطلقت من أرض مصرية كما ورد في المعلومات وهذا يشير إلى أن مطلقي الصواريخ لا تعنيهم كثيراً تهديدات مصر أو الأردن أو العدو الإسرائيلي وهو ما يؤكد نفي ضلوع أي طرف فلسطيني معروف في هذه العملية.
وفي ثالث الحقائق أن القتلى والخسائر الجدية قد وقعت في الأردن الشقيق ولا مصلحة لأي فلسطيني في فعل ذلك بل إن كل الشعب الفلسطيني ضد قتل أي مواطن عربي تحت أي مسمى كان وهذا يؤكد براءة أهل غزة من هذه العملية الملتبسة.
وفي رابع الحقائق أن هناك جهة ما تعمدت أن تنطلق الصواريخ من الأرض المصرية فتصيب في الأردن وتخطيء في إسرائيل وإلا فلماذا لم يستخدم الفاعلون زورقاً للوصول بها لإيلات أو ميناء العقبة لإطلاقها؟
أما في المسائل المبدأية فإننا نكرر ما قلناه دائماً من أن المواطن الفلسطيني يعتبر أن مصر بلده الثاني ويحرص عليها كحرصه على فلسطين وتمسكه باستعادتها وينطبق ذلك على الأردن الشقيق.
وفي ذات السياق والمعنى لابد من أن يكون واضحاً للأخ محمد إبراهيم وغيره أن الفلسطينيين يستطيعون التمييز بين السياسة الرسمية للحكومة المصرية ونظامها وبين أمن مصر والمواطن المصري وفي هذا الإطار فإن إجماعاً فلسطينياً سواء من أيد سياسة مصر وارتباطاتها الدولية وعلاقتها مع إسرائيل أو من يدينها ويرفضها جملة وتفصيلاً على حماية مصر وأمن مصر وشعب مصر الأبي والشقيق الذي قدم قوافل الشهداء من أجل فلسطين والقضايا العربية والأمن القومي العربي.
إننا كفلسطينيين وبكل تلاويننا السياسية وانتماءاتنا الفصائلية نرفض المس بأمن مصر من أي جهة كانت ولا نقبل تبريراً للعبث بأمن الشعب المصري وهذا أمر يعرفه أشقاؤنا في جمهورية مصر العربية، ولذلك فكل تحريض على الشعب الفلسطيني كردة فعل على حدث هنا أو واقعة هناك يمثل خروجاً عن قيمنا العربية واصطياداً في المياه العكرة وتبريراً أو تمهيداً للإضرار بصمود هذا الشعب ومقاومته للاحتلال والعدوان الصهيوني عليه، وليس له علاقة بأمن مصر أو الدفاع عن حرمة أراضيها كما قال السيد إبراهيم في صحيفة " الجمهورية ".
وأخيراً لابد من أن يعلم الإخوة والأشقاء العرب والمصريين خاصة أن الشعب الفلسطيني يتصدى بلحم أبنائه وأرواحهم للعدو الإسرائيلي ولكنس الاحتلال من أرضه حباً بوطنهم وصوناً لكرامتهم ولا ينتظرون أوامر من أحد للقيام بذلك.
|