لخصت الأدبية مرغريت ايتوود في كتابتها الشاعرية المؤثرة نتائج تجربتها من زيارتها اسرائيل، وحاولت أن تقترح عدة امكانات للمستقبل الذي يمكن تخيله عندما نتأمل الوضع الراهن. تنتهي ستة سيناريواتها الاولى للمستقبل بنوع من الفناء لدولة اسرائيل، اما في السابع المتفائل المراد من بينها، فان التناغم الفلسطيني - الاسرائيلي في ذروته. لكن يبدو ان رؤية 'الوضع' المتشائمة او المتفائلة عند ايتوود تتعلق بأفعال اسرائيل فقط.
هكذا يوصف هذا السيناريو في أساسه: 'يأتي الزخم من اسرائيل، تتخلى اسرائيل عن هضبة الجولان، ويدرك قادة اسرائيل انهم محتلون، ويصوت المؤتمر الصهيوني العالمي مؤيدا تجميد المستوطنات وحل الدولتين، وينتهي الاحتلال، ويعلن الفلسطينيون الاستقلال، وتدرك اسرائيل أنها لا تستطيع نقض القانون الدولي'.
في مكان آخر وزمان آخر، زار غزة مراسلان من صحيفة 'نيويورك تايمز'، هما مايكل سيلكمان وايتان برونر. حدث ذلك قبل نحو شهر في ذروة أحداث القافلة البحرية. مكث المراسلان في غزة 12 يوما وتحدثا الى السكان، في محاولة لاستطلاع الوضع داخل القطاع ووصف آثار الحصار الاسرائيلي والمصري والأزمة الغزية العامة. لكن بين الأوصاف الأدبية والصحافية، من المستقبل الأول الى السابع، او من اليوم الاول الى الثاني عشر في الواقع الغزي، يغيب عنصر مهم عن قصتها هو العنصر الفلسطيني. يبدو في نهاية مشاهدتهم أن من يحرك عجلات الزمن في المنطقة هي اسرائيل وحدها.
كيف يمكن ألا توجد أي دعوة على المسؤولية الفلسطينية في محاولة لاحراز المستقبل المأمول، كالتذكير مثلا بعدم اعترافهم بدولة اسرائيل على انها دولة يهودية حتى اليوم؟ وكيف يمكن ألا يوجد أي ذكر لاطلاق الصواريخ على الجنوب عندما يتحدثون عن الواقع السيىء في غزة وعن أسباب القتال؟ تغيب كل مسؤولية عن العنصر الفلسطيني. يزورون اسرائيل ويرون 'من طريقها' ولا يرونها. ويزورون غزة ولا يرون سديروت.
يجب تتبيل المستقبل السابع وتحليل الواقع الحالي بالماضي وبالحقائق. اذا قرأنا المقتبسات التي يأتي بها مراسلا 'نيويورك تايمز'، اللذان لا يمكن اتهامهما بحب اسرائيل والعياذ بالله، يمكن أن يتبين لنا ان الماضي الفلسطيني حي يرزق في الحاضر أيضا. فالسكان لا يشكون مثلا من عدم وجود الغذاء او من أزمة انسانية بل العكس، يستشيطون غضبا عندما يزعمون ان هذه هي المشكلة. انهم يريدون العمل في اسرائيل ويريدون في الوقت نفسه طردها من المنطقة: 'نحن نؤمن بحق اسرائيل في الوجود، لكن لا على أرض فلسطين. في فرنسا او في روسيا، لا في فلسطين'. هذا هو الحاضر السابع الحقيقي. انه استئناف ماض اشتمل على اتفاقات اوسلو، وعمليات دموية، واخفاق محادثات كامب ديفيد، وانتفاضة وخطة انفصال كارثة.
خطت اسرائيل في هذا الماضي خطوات بعيدة المدى نحو الجانب الفلسطيني، لكن هذا الماضي انقضى مثل هذا الحاضر الى رفض 'العنصر الفلسطيني' الدائم كل سلام وجوار حسن. اليوم، مع بدء المحادثات المباشرة، بمصاحبة رقص مراسمي ساخر يريد كل سياسي فيه صورة تشهد على مشاركته في 'الانجاز'، يجب أن نتذكر ان المستقبل الحقيقي ليس متعلقا باسرائيل وحدها.
|