| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-08-30 |
بيروت منزوعة السلاح.. من أجل من؟ |
|
إثر الاشكال الذي حصل في برج ابي حيدر، والذي هو في اصله وطبيعته وتوقيته مرفوض في اي مكان من لبنان، انطلقت دوائر المشروع الغربي في لبنان لتطلق شعار "بيروت منزوعة السلاح"، وهو شعار قد يبدو مغرياً او منطقياً للوهلة الاولى، لانه طريق الى سيادة القانون وهيبة الدولة. ولكن درسا هادئا للطرح يقود الى كشف امور في غاية الخطورة والتعقيد فهل ان تطبيق الشعار ممكن؟ ثم الى اين يقود تطبيقه ان حصل؟ ومن اجل من ولماذا يطرح الآن؟ قبل ان نجيب عن الاسئلة تلك، لا بد من تحديد مفهوم نزع السلاح، خشية ان يكون من انساق في الطرح واعتمده مضللاً في ذلك. وهنا نعود الى اصل التعبير المعتمد في العلم العسكري: اذ نقول ان نزع السلاح يعني تجريد الفريق المعني بالامر من سلاح محدد وبشكل كلي –- ولهذا يعتمد في المألوف من الامر تحديد السلاح المطلوب نزعه، فنقول مثلاً نزع السلاح النووي، او نزع سلاح الدمار الشامل، او نزع السلاح الصاروخي الاستراتيجي البعيد المدى... وهكذا.... اما اذا لم يحدد السلاح بعينه، فهذا يعني بكل بساطة نزع كل ما يمكن ان يوصف بأنه سلاح، بدءاً من الخنجر والسكين الى السيف (وهو السلاح الابيض) صعودا الى المسدس والبندقية، ومنها الى الرشاشات وكل الاسلحة المواترة، قصير المدى منها والطويل، وبعدها القذائف الصاروخية البسيطة او المتوسطة وفي فئتها تدخل الآر بي جي ثم نصل الى الاسلحة المنحنية من هاون ومدفعية وصواريخ... وانتهاءً بالسلاح الجوي والبحري وما اليه لأن الارض المنزوعة السلاح هي التي لا سلاح فيها مطلقاً.. وهنا نسأل في الحالة البيروتية اي سلاح فيها يطلب نزعه؟؟ وفورا نقول ان الامر محصور، كما يبدو، بكل ما هو ادنى من اسلحة منحنية، لان الباقي اصلا غير موجود. ثم نسأل هل يصل النزع الى السيف وما دونه؟ ام ينحصر في البندقية والرشاش؟؟ وهو ما يسمى السلاح الناري الفردي الخفيف والمتوسط؟ وبعد هذا يسأل: ممن يجب ان ينزع السلاح؟ هل من كل شخص لا يعتبر من اشخاص القانون العام او منضوياً في اشخاص القانون العام اي القوات المسلحة الرسمية؟ ام في الامر استثناء؟ حيث يطرح مثلاً مصير الشركات الامنية والمربعات الامنية القائمة في العاصمة. فهل يقبل سعد الحريري رئيس حكومة لبنان على سبيل المثال ان يفك اسر 150 وحدة سكنية ويحرر الشوارع التي يقطعها بالحواجز من العوائق التي نصبت منذ سنوات بحجة الأمن؟ وهل ستحل الشركات الامنية؟ هنا نسارع للقول ان احدا ممن ذكرنا ومما يماثلهم لن يكون محلاً او موضوعا للاستجابة. اذن لن يكون نزع السلاح شاملاً بل سيكون موجهاً ضد فئات ومستثنياً لفئات أخرى. ومن جهة اخرى، لو فرضنا ان هناك قراراً اتخذ وتمّت الموافقة عليه –وهو فرضية خيالية في الواقع اللبناني – بنزع السلاح فكيف ومن سينفذ القرار؟ ثم من سيرعى صيانة هذا القرار؟ هل سنجعل بيروت مدينة منفصلة عن محيطها ونقيم لها الحدود العازلة وننشئ البوابات الحدودية التي يخضع الداخلون عبرها للتفتيش؟ ام اننا ننفذ القرار لأسبوع ثم تعود الحال الى ما كانت عليه؟ وإفراطا في الاسئلة الافتراضية، واذا نزعت الأسلحة من بيروت – وهي اسلحة فردية في معظمها تستعمل للامن الفردي والشخصي - من يضمن الامن الفردي لاشخاص تطلبهم وتلاحقهم "اسرائيل"؟ ام ان نزع السلاح سيكون لطمأنة "اسرائيل"، لتكرر مجزرة نيسان 1973، التي قتل فيها في عملية واحدة وفي ساعة واحدة ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية في عملية شارك فيها باراك نفسه، الذي هو اليوم وزير حرب العدو؟ ام ان نزع السلاح هو دعوة لهؤلاء المستهدفين من "اسرائيل" الى ترك بيروت واحداث التغيير الديموغرافي فيها كما حاول مدراء المشروع الغربي ان يفعلوا في الجنوب ابان حرب 2006، او كما جهد فؤاد السنيورة منذ ان استلم مسؤولية في لبنان وضمن خطة مبرمجة في التضييق على فئة معينة حتى لا تستثمر في بيروت مع انها تمتلك حتى الآن اكثر من 45 % من الحقوق العينية العقارية فيها؟ ان اشد ما ابتلي به هذا "الوطن " – لبنان – هو وجود فئة امتهنت خدمة العدو منذ اربعة عقود وكانت له اداة بها اقتدح حربا اهلية استمرت 14 عاما تخللتها حربان "اسرائيليتان"، ثم التقت هذه الفئة بمن يريد السلطة ويعض عليها اليوم بالنواجذ دون ان يفكر بالثمن الذي يدفع من لحم الوطن ودمه. والتقت الفئتان اليوم وهما تُسيّران من الخارج الذي يرمي إليهما كل يوم شعاراً تلوكه لتخدم مشروعه، وهي تصرخ اليوم بشعار "نزع سلاح بيروت " والغاية واحدة وحيدة، هي الالتفاف على سلاح المقاومة التي اذلت "اسرائيل" وعرقلت المشروع الاميركي، ويظن هؤلاء ان رفعهم شعار "بيروت منزوعة السلاح" (ومنهم من قال ايضا بيروت ثم الضاحية الجنوبية)، ان شعارهم الذي يغري البسطاء ويتجند له الحمقى من غير تبصر، مدخل مناسب لمقاربة سلاح المقاومة الذي عجز "حوار" ثم حرب الـ2006 عن النيل منه، والذي اعتمد رغم كل شيء عنصرا من ثلاثة تقوم عليها الاستراتيجية الدفاعية العملية والواقعية في لبنان. ولو فرضنا ان القرار اتخذ فإن مسألة التطبيق ليست بالأمر السهل بل انه مستحيل ـ اقله من الوجهة العسكرية ـ اذ لا يمكن لاحد من الافذاذ في العلم والميدان العسكريين ان يدّعي قدرته على تنفيذ القرار وتعهد التنفيذ في مدينة مفتوحة المداخل على مناطق لا تتقيد بالتدبير نفسه. وأعتقد ان من يقولون بالشعار هم فئتان، اولى تردده بحسن نية وبصورة ببغائية لانها لا تعرف بالاستحالة العملية للتنفيذ (وأعتقد ان التوضيح يفيدهم في العودة الى الجادة السليمة)، اما الفئة الثانية، وهي الأخطر وينضوي فيها من يعلمون بالاستحالة، ويعملون بالشعار رغم ذلك ليكون مدخلاً يطرح عبره موضوع سلاح المقاومة – الذي لن ينزع ولن يقوى احد على نزعه – والهدف من طرحهم يتمثل في أمرين: 1. اسقاط الشرعية الرسمية التي اضفيت على سلاح المقاومة في الحكومة ومجلس النواب (لأن شرعية السلاح المقاوم الاصلية لا تنتظر اعترافاً من احد وهي مستمدة من الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس). 2. خلق شرخ بين سكّان بيروت والمقاومة التي تملك السلاح الجدي لمواجهة "اسرائيل". باختصار، يبدو ان شعار "بيروت منزوعة السلاح"، هو حرف في ابجدية تعتمدها اميركا و"اسرائيل" للوصول الى الهدف الرئيسي: سلاح المقاومة، عبر احراجها في البدء ثم ابعاد بعض جمهورها عنها. لهذا يكون من البديهي ان ينظر بريبة الى هذا الشعار والى القائلين به. ولكن هذا لا يعني قبولاً بأي صورة بانتهاك امن الناس، مهما كان السبب، ويبقى مرفوضا استعمال السلاح في الشوارع لفض النزاعات. فهذا امر مرذول ومدان ويجب ان يتخذ من التدابير ما يحول دونه اولاً ويعاقب عليه ان وقع ثانياً، والعقوبة هنا بكل بساطة هي محاسبة على جرم جزائي أعتقد ان للقضاء اللبناني الصلاحية الواسعة في شأن الملاحقه بشأنه. وبعدها لتبق الامور في نصابها ولا يستغل فعل محدود لفتح ملف، سيحرق اصابعه وبعض الوطن، من يريد فتحه خدمة لـ"إسرائيل".
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |