الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية تناقش منذ مدة في أوساطها الكادرية موضوع الانسحاب من اللجنة التنفيذية، وتدور نقاشات ساخنة بين أعضائها على كافة المستويات حول شكل الانسحاب وتوقيته (بمعنى تحديد الخط الأحمر الذي لا تستطيع الجبهة احتماله في سلوك القيادة المتنفذة للمنظمة)، والمرجح أن يجري إعلان القرار بعد أن تستكمل هيئات الجبهة القيادية في الداخل والخارج نقاش الموضوع وتصل إلى قرار يحظى بأغلبية كبيرة ويمكن تبريره أمام الشعب الفلسطيني.
يتساءل البعض عن بقاء الجبهة في اللجنة التنفيذية للمنظمة حتى اللحظة رغم أن الذهاب للمفاوضات المباشرة ليس السابقة الأولى وبهذه المواصفات ودون وقف الاستيطان، وما الذي دفع الجبهة الآن لإعلان خطير كالانسحاب من اللجنة التنفيذية وتجميد العضوية فيها، ولفهم المسألة الراهنة لابد من العودة لقرارات شبيهة اتخذتها الجبهة في فترات سابقة اتسمت بالتوتر الداخلي في صفوف الثورة الفلسطينية على خلفية انخراط قيادة المنظمة خلال ترؤس الراحل عرفات لها في مشاريع تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو يجري فيها تجاوز ثوابت فلسطينية ترى الجبهة أنه لا قبل لها بتحمل وزرها من خلال منح الشرعية لممارسيها بالبقاء تحت قيادتهم في اللجنة التنفيذية للمنظمة.
لم تكتف الجبهة بتعليق عضويتها أو الانسحاب كلياً من اللجنة التنفيذية في بعض المفاصل بل عمدت لتكتيل فصائل وقوى فلسطينية في أطر وجبهات لمواجهة ما صنفته تفريطاً بالحقوق وتجاوزاً للبرنامج الوطني المتفق عليه في المنظمة ذاتها كما حدث في عام 1974 حين انسحبت الجبهة من اللجنة التنفيذية على خلفية إقرار برنامج النقاط العشر الذي تخلت بموجبه منظمة التحرير عن أحد لاءات الخرطوم الثلاث المعروفة وفتحت باب التفاوض مع إسرائيل، وكما حدث عام 1977 حين شكلت الجبهة الشعبية جبهة الرفض في ذات السياق للرد على ما اعتبرته تخلياً عملياً وبرنامجياً عن تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وكان المرحوم ياسر عرفات قد أعلن في أكثر من مناسبة ومنذ العام 1974 أنه لا ينوي القضاء على إسرائيل.
في تلك المفاصل كانت الجبهة ترتكز للبرنامج السياسي الوطني ومعه الميثاق ليس لتبرير موقفها بل ولتحشيد أكبر عدد من الفصائل ومن الشعب الفلسطيني خلف هذا الموقف ولحماية منجزات الشعب التي تعمدت بدم الشهداء وبالتضحيات الجسيمة وكانت تجد لها مناصرين كثر يلتفون حولها لدرء الخطر عما يعتبروه مشروعاً للتحرير والعودة وإنهاء النكبة.
اليوم لم يبق شيء من ذلك البرنامج وانتهت كل اللاءات وتم شطب أهم بنود الميثاق وتغيرت معالم الخارطة السياسية الفلسطينية، ولم يعد الخرق يقتصر على تجاوز البرنامج والثوابت بل وكذلك على قوانين وتشريعات المنظمة ذاتها الأمر الذي تكرر منذ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم.
إن نظرة متفحصة لمواقف الجبهة وتعاميمها الداخلية كما بياناتها العلنية سيجد تناقضاً واضحاً بين الموقف النظري الذي يتم الإعلان عنه والدعوة إليه وبين السلوك والخطوات العملية في الممارسة الميدانية، وهناك الكثير من الأمثلة يمكن سوقها هنا لعل أبرزها قرار المكتب السياسي واللجنة المركزية والمؤتمر العام بعدم التعاطي مع إفرازات "أوسلو" السياسية ثم التغاضي عن القرار وشطبه عبر الانخراط في أكثر إفرازات "أوسلو" فجاجة وهي اجتماع المجلس الوطني لشطب الميثاق الذي حضرته الجبهة الشعبية في غزة عام 1996، و الانخراط في لعبة الانتخابات التشريعية نهاية عام 2005 التي حصلت فيها الجبهة على ثلاثة مقاعد فقط .
إن بيانات الجبهة ومواقفها العلنية كما تعاميمها الداخلية كانت تتناقض بشكل كبير مع الصور التلفزيونية التي بثتها الفضائيات للقاء والحوار مع قيادة فتح ومنظمة التحرير برئاسة ياسر عرفات في كل من مصر وعمان والتي رفض القائد الكبير جورج حبش حضورها حتى وفاته.
ومع ذلك ومع هذا الخلل الذي عبرت عنه تناقضات الجبهة التي وصفها الراحل جورج حبش بالقول: "إننا في الجبهة نضع رجل في البور ورجل في الفلاحة"، إلا أن الجبهة الشعبية بقيت وفية لشعارها الذي رفعته منذ تأسيسها عام 1967 بإنهاء وجود الكيان الصهيوني وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية بديلاً عنه ولا زال الأمر على هذا النحو.
إن الإرباك الذي عاشته الجبهة في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين عبر عن غياب اليقين تجاه الكثير من منطلقات الجبهة بما في ذلك الجانب الأيديولوجي وليس هنا مجال معالجة هذا الأمر، ورغم هذا وما أحدثه من خسارة للجبهة على الصعيد الشعبي إلا أن تداعيات اتفاق أوسلو المشؤوم بدأت تحدث صحوة بل وصدمة لدى الفصيل الذي اعتبر لفترة طويلة صمام الأمان والحارس الأمين للمشروع الوطني الفلسطيني.
إن التمادي في التفريط بالحقوق بل وبالكرامة أحياناً دفع أوساط واسعة في الجبهة للتساؤل عن مدى أهمية البقاء في لجنة تنفيذية لا دور لها سوى التغطية على هذا التفريط، لجنة تنفيذية تستخدم كأداة دستورية لتجاوز كل ما يتم الاتفاق عليه وطنياً وبعد ذلك يتم وضعها على الرف.
الجبهة الشعبية التي تعتبر منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني لم تخرج من هذه المنظمة وليس في نيتها ذلك، لكن البقاء في اللجنة التنفيذية أصبح عبئاً ثقيلاً على الجبهة حيث اعتبر بقاؤها في ظل القرارات الأخيرة للرئيس الفلسطيني وطاقمه برام الله تغطية وقبول بهذه القرارات، وأكثر من ذلك اتهمها البعض بأنها تقايض موقفها السياسي بالرواتب والكوتة التي تحصل عليها الجبهة من السلطة وهذا أمر يثير غضب الجبهة على كافة المستويات، وهو اتهام ترفضه الجبهة بقوة، لكنها ستضطر آجلاً أو عاجلاً لتدعيم هذا الرفض بالممارسة العملية.
إن انسحاب الجبهة المفترض يقع هذه المرة ليس للخرق السياسي فقط بل ولأن الرئاسة ومن معها قامت بتجاوز كل القوانين والأعراف لاتخاذ القرارات، وضربت عرض الحائط بشراكتها في مؤسسات المنظمة على الأسس القانونية، وكان أبرز ما مارسته سلطة رام الله أخذ قرار باطل شرعاً بالذهاب لواشنطن للانخراط في المفاوضات المباشرة، حيث ينص القانون على حضور ثلثي اللجنة التنفيذية ليكون الاجتماع صحيحاً والذي جرى أن الاجتماع كان بنصف الأعضاء الذين تم الضغط عليهم للموافقة.
إن الجبهة الشعبية أمام امتحان عسير لمواقفها وبرنامجها وهي تعرف الثمن الذي ستدفعه جراء تجميد عضويتها في اللجنة التنفيذية داخلياً وخارجياً، فهل ستفعلها؟...الأرجح نعم.
|