شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2010-10-11
 

أين تقرير «وزير العدل القواتي»... من العدل؟

العميد أمين حطيط - البناء

عندما كلف مجلس الوزراء «وزير العدل» الممثل لحزب «القوات اللبنانية» في حكومة ظنوا انها حكومة وحدة وطنية، عندما كلفه بملف شهود الزور، كان المجلس يتوخى اجابة بسيطة عن الموضوع، وتتمثل بالرد على السؤال البسيط: «هل القضاء اللبناني صالح لملاحقة هؤلاء ام غير صالح؟»، وكان رجال القانون ينتظرون من الوزير سلوكاً من اثنين:

الرد السريع، معتمدا قدراته وكفاءاته القانونية، ومتابعته السياسية (هو يستعمل في لقبه كلمة بروفسير في القانون للتفخيم والدلالة على علو كعبه في هذا المجال ويأنف من الاكتفاء بكلمة استاذ كما هي تسمية الاساتذة في قانون التعليم العالي في لبنان) وبالاستناد الى ذلك، كان له ان يجيب وبكل طمأنينة: «نعم للقضاء اللبناني كامل الصلاحية ومن غير شك، وله ان يتحرك تلقائياً من غير تحريك، وله ان يسمع دعوى المتضرّر الشخصية ويحرك عبرها الدعوى العامة». هذا الجواب، كان لا يتطلب من «وزير عدل القوات» اكثر من دقائق، لانه نطق بالبديهيات التي لا تتطلب كثير بحث وتمحيص.

اما السلوك الثاني، فهو سلوك «الباحث الاكاديمي» الحريص، الحذر الذي لا ينطق بكلمة الا ويسندها الى مرجع او قاعدة قانونية، وهذا امر لا يستطيع ان ينكره احد على احد، خاصة اذا كان هذا الاخير رجل عالم ومتمرسا في المحاماة ويخشى الغلط، ساعياً الى الدقة.

لقد اختار الوزير السلوك الثاني، وهذا حقه، وقبل رجال القانون ونحن منهم موقف مجلس الوزراء في التكليف، واحترموا سلوك الوزير في البحث عن الاجابة القاطعة المستندة الى القاعدة القانونية النافذة، لكن فئة منهم، كانت تخشى ان يكون في الامر حق يراد به باطل – المماطلة والتسويف.

وبعد ما يزيد على عن الخمسين يوما، جاء وزير العدل – ممثل «القوات اللبنانية» – بتقريره ضمنه من المواقف والآراء ما صدم رجال القانون، حيث رأوا فيها مطالعة محامي دفاع، ولم يقرأوا فيها تقريراً رسميا يضيء طريق السلطة التنفيذية في البلد، لتتخذ القرار المناسب في شأن يعني المصلحة الوطنية.

ودليلنا على ذلك ما جاء في التقرير، وهو يتلخص بثلاث نقاط اساسية.

الاول صلاحية القضاء اللبناني بالملاحقة. وهذا موقف سليم وصائب ولكن لا نستطيع ان نثني على صاحبه لان القول بعكسه يكون كارثة عليه فهو لم يقل الا ما هو بديهي. اذ وبكل بساطة هناك فعل ارتكب على ارض لبنان، وتسبب بضرر للبنان ولمواطنيين لبنانيين وسوريين، ما يلزم بالملاحقة، ولان الملاحقة لم تتولّها المحكمة الخاصة بلبنان، عملاً بما تم من تنازل الدولة اللبنانية عن بعض صلاحية القضاء اللبناني لتلك المحمكة، فان القول بصلاحية القضاء اللبناني يكون حتميا، ولا يتطلب الكثير من البحث، كما لا يتطلب شكر من توصل الى هذه النتيجة البديهية والبسيطة.

الثاني نفي صلاحية المجلس العدلي بالملاحقة. وهذا ما يدعو الى الى الاستهجان. خاصة وان الوزير يدرج في مطالعته بيانا بالجرائم التي تحال الى المجلس العدلي وهي:

- «الجرائم الواقعة على أمن الدولة (اغتصاب السلطة، الفتنة، الارهاب، النيل من الوحدة الوطنية او- تعكير الصفاء بين عناصر الامة، الخ - التجسس ـ الجرائم الماسّة بالقانون الدولي - النيل من هيبة الدولة».

وبعد ذلك يخلص الى نفي امكانية احالة ملف شهود الزور على هذا المجلس، وهنا نسأل الوزير:

هل اجرى دراسة امنية سياسية اوصلته الى نفي مس الجرائم المرتكبة في معرض الافادات الكاذبة وتلفيقها والتحريض عليها وتمويل مرتكبيها، هل اجرى دراسة اظهرت له ان امن الدولة اللبنانية لم يتأثر بفعل هؤلاء؟ وهل سأل مثلا مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، عن تداعيات الاتهام السياسي لسورية واعتقال اربعة ضباط، ادى اعتقالهم الى شلل معين لفاعليات الأجهزة الأمنية اللبنانية، وما كان الاعتقال والاتهام السياسي متخذا ركيزة الا شهادات كاذبة، وأعمال تلفيق تسببت في تضليل التحقيق. وهل سأل وزارة الخارجية عن تداعيات هذه الافادات على علاقات لبنان الخارجية، وامن اللبنانيين في الخارج؟ وهل سأل المديرية العامة للامن العام عن مدى تأثر الامن اللبناني بهذه الامور؟ خاصة وان اقل ما يسجل في هذا الاطار ،ان من تداعيات الفعل المشكو منه قطيعة رسمية بين لبنان وسورية، وقتل 42 سورياً بشكل انتقامي، لان دولتهم اتهمت سياسيا بقتل رفيق الحريري، اضافة الى تعطيل الاجهزة الامنية اللبنانية بعد بتوقيف قادتها؟ الا يعتبر الوزير كل هذا مسّاً بالامن الوطني؟ هنا وبخبرتنا العسكرية نقول، ان الامن الوطني تأثر من هذه الجرائم اكثر بكثير من تأثره بإلقاء متفجرة في شارع، او اغتيال سياسي ما، مهما علا شأنه، وبالتالي ينبغي ان يكون المجلس العدلي المكان الطبيعي للملاحقة، لا ان يوصد بابه... بنصيحة وزير «القوات».

ان شهود الزور ليسوا كما بات متداولاً افراداً متناثرين، انما هم اعضاء في منظومة متكاملة ذات قيادة واحدة ومصدر تمويل معين، وقد عملت هذه المنظومة لاختلاق دليل يقبل قضائياً، من اجل اتهام جهة تم تحديدها لإلباسها ثوب جريمة قتل رفيق الحريري، وفي هذه المنظومة من عمل لصالح «اسرائيل»، وزوّر قاعدة بيانات المعلومات في الخلوي القاعدة التي اتخذت سابقا وستتخذ كما يبدو دليلاً لاتهام جهة جديدة، بعد تبرئة سورية. اذن منظومة شهود الزور مارست ايضا عبر بعض اعضائها التجسس لصالح العدو، وهذا يكفي في رأينا، حتى يكون المجلس العدلي المكان الصالح للملاحقة.

ثم الا يعتبر «الوزير البروفسور» ان اتهام قادة الاجهزة الامنية والمسؤولين عن حفظ الامن في البلاد – ان اتهامهم زورا، وقد ظهرت براءتهم- قطعا – الا يعتبر ذلك مساً بهيبة الدولة؟ واي هيبة لدولة يكون فيها قادتها ومسؤولو الامن فيها قتلة ومجرمين، أو رؤساء لعصابات ارهابية. ان شهود الزور ضربوا بفعلتهم هيبة الدولة في اركانها الاساسية، ومسوا بعلاقات لبنان الدولية، وهي أمور تلزم بالملاحقة امام المجلس العدلي، اذا كنا نريد العدل.

ج. اما عن تمسكه بقاعدة فصل السلطات وتبرّئه من مسؤولية تحريك الدعوى العامة ضد هؤلاء، فأقول، هل نسي الوزير صلاحياته المحدّدة بالقانون، التي تسمح له بمخاطبة النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة؟ انا لا اعتقد انه نسي، خاصة وانه مارسها منذ اقل من شهر فقط في وجه اللواء المتقاعد جميل السيد، عندما طلب من النائب العام التمييزي التحرك للتحقيق معه، رغم ان الممارسة آنذاك لم تكن من غير نقد واثارة علامات استفهام، لانها لم تأتِ بحسب رأينا في موقعها القانوني السليم.

لكل ذلك نسجل على «البروفسور وزير العدل القواتي» الملكلف بملف شهود الزور مماطلته في الشكل والممارسة، وامتناعه عن استعمال علمه للرد وبسرعة على سؤال بديهي، ثم نسجل عليه تفسيرا في غير محله، لصلاحيات المجلس العدلي، وتعففاً في غير محله عن تحريك الدعوى العامة تطبيقاً للقانون، ونسجل له انه مارس دوره بنجاح الى حد ما، ليخدم المشروع السياسي للجهة التي يمثّلها في الحكومة، والتي ترفض في الاصل الاقرار حتى بوجود شهود الزور، ولكنه لم يستطع مجاراتها في رفض ذلك، فقدم مطالعة لو اخذ بها – ولا اعتقد ان الفريق السياسي المقابل ساذج حتى يفعل – مطالعة لو اخذ بها لتم الوصول الى النتائج نفسها التي يريدها اصحاب انقلاب 2005، والذي يعتمد المحكمة الدولية وشهود الزور فيها اداة استراتيجية رئيسية في حماية الانقلاب، هكذا فعل بلمار، والآن يدعمه وزير العدل بالمماطلة او بمنع محاكمة شهود الزور، حتى لا اقول حمايتهم.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه