لا أميل للحزن عادة ولا أرى أن أكبر المصائب تستحق أكثر من بعض الوقت للتأمل وفهم ما جرى والدروس المستفادة منها، ومع ذلك لا يمكن أن أخفي بعض حزني في هذا العيد الذي أقضيه وحيداً في القاهرة على ما فيها من زحام وضجيج.
ربما يظن أحدكم أن الأمر يعود لقضاء العيد دون عائلة وأبناء وأحبة يمثلون بالنسبة لي دنيا أخرى هناك في مخيم اليرموك بسورية العربية، وهذا صحيح بالمعنى الجزئي للصورة، لكن الشيء الأهم بالنسبة لي في يوم العيد هو لقائي الذي لم ينقطع مع الشهداء ممن أذهب في العيد إلى أضرحتهم لأسلم وألقي عليهم التحية وأقرأ الفاتحة على أرواحهم الطاهرة وقد حرمتني الظروف والأقدار من ذلك هذه المرة.
كم هو أمر مهم ومفعم بالمشاعر وقوفي على ضريح القائد الشهيد فتحي الشقاقي في المقبرة الجديدة لاستقبال بعض زواره ومروري قبل ذلك ووقوفي لبعض الوقت على ضريح أحد الأصدقاء من رفاق الدرب الذين سبقونا للقاء وجه الله الكريم، وكذلك أضرحة كل شهدائنا في المقبرة القديمة بالمخيم لقراءة الفاتحة على أرواحهم الزكية حيث رائحة المسك والعز والفخر بكل إسم منهم: ابو جهاد وطلعت يعقوب وابو علي مهدي وابو صبري وزهير محسن وابو العباس وغيرهم ممن لا يتسع المقال والمقام لعظمة ما قدموه لشعبهم ولوطنهم.
الحوار الذي أجريناه مع قناة النيل الإخبارية حول سيناريوهات ما بعد إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد واحتمالات ردود الفعل على ذلك وإمكانية تطبيق عملي للإعلان قبل العيد بيوم واحد وأعيد بثه ظهرا في ذات يوم العيد ربما خفف قليلا من الشعور بالكآبة والانطواء والوحدة، كما أضعف إحساسي بالغبن تجاه جملة من المسائل سأتناول أحدها هنا، وترتبط بهذا القدر أو ذاك بموضوع الدولة الفلسطينية الموعودة وحق العودة.
العيد كغيره من الأيام سيمر ومعه ينقضي جزء من أعمارنا التي ستنتهي حتماً لكنه بكل تأكيد مناسبة لفرح غاب عنا طويلاً كفلسطينيين ونأمل أن يعود كما نرغب، ومع هذا فالعيد هو وقت الصفح والتصالح والتسامح ومد يد العون لمن يحتاج، هو موعد مع أحد وجوه الحب، القيمة الكبرى في حياتنا. هو مناسبة لتكريم واستذكار رموزنا الكبيرة من شهداء العروبة وفلسطين هؤلاء الذين تركوا لنا أفضل القيم وأغلاها، ولتكريم وزيارة أمهات شهدائنا البررة في المخيمات والقرى والمدن، وأيضاً وبشكل خاص لإعادة التأكيد على وفاء شعبنا لأسرانا البواسل في سجون الإحتلال وللقول لهم جميعاً أنه لا عيد ولا فرح بدونهم وبدون أن ينالوا حريتهم.
ثم يأتي العيد وأنا لم أحقق حلمي في زيارة غزة وقراءة الفاتحة على روح والدتي العظيمة سميحة مسلم ابوشاويش التي رحلت دون أن أراها، وكانت لنا الأم والأب والصديق وكل الدنيا بعد رحيل الوالد منتصف خمسينات القرن الماضي، السيدة التي أعطتنا الحياة وعودتنا على الصدق والصبر والاعتزاز بكرامتنا والحفاظ على قيمنا الفلسطينية الأصيلة، كما علمتنا الوطنية والفداء وحب الغير والتسامح والرحمة.
هي المرة الرابعة التي أزور مصر بهدف إكمال الرحلة لقطاع غزة ثم أعود بخفي حنين والمرارة تأكل قلبي والأسى يلف روحي لأنني رغم كل الجهد الذي أبذله وكل الأصدقاء الذين ألجأ إليهم لا أحقق الحلم برغم أنني من قطاع غزة وهو مسقط رأسي وفيه بيتي وعائلتي، أليس هذا ظلم فاحش؟ أليس فيه قسوة غير مفهومة ولا مبررة؟
هذه المرة مصممون على نيل أمنيتنا وقدمنا طلباً لأصحاب القرار وننتظر الرد متطلعين إلى مفاجأة سارة تزيل عنا بعض الحزن والتوتر فليس سهلاً أن تغيب عن بيتك وعملك وتكسر مجرى حياتك لشهرين ثم تعود خائباً، إنها حقاً ستكون مأساة بالمعنى الانساني لي شخصيا.ً ورغم التعاطف الكريم الذي نراه من الجميع تجاه المسألة إلا أن صاحب القضية يتحمل العبء الأكبر والألم الأوسع جراء انكسار حلمه وروحه، وليس من يقبض على الجمر كمن يتأمله فقط.
لا أستطيع أن أخفي عليكم أن قلبي وروحي في هذا اليوم مشتتين ومنقسمين بين مخيم اليرموك بسورية ومخيم النصيرات بقطاع غزة وأعترف أن حبي وشوقي لوالدتي ولأهلي وأحبتي في المخيمين وخصوصاً الشهداء منهم يزودني بقدرة كبيرة على الصبر والتحمل، وهذا أفضل شيء يحدث معي حتى الآن.
أتمنى أن أصل غزة وقد حلت عقدتنا الكأ داء وتصالحنا، أتمنى أن أعود من غزة وقد غادرنا مفاوضات العشرين عاماً بلا طائل وعدنا لبرنامجنا الوطني ومقاومتنا في إطار منظمة التحرير الفلسطينية...وأتمنى أن يرجع هذا العيد العام القادم وقد انتصرنا وعاد شعبنا إلى وطنه فلسطين.
|