لم يكن أحد من السياسيين أو رجال الأعمال يشك حين انتخب (أو عُيّن) محمد شقير رئيساً لمجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، في أن تيار المستقبل يسعى من خلال القبض على هذه المؤسسة إلى إكمال سيطرته على مختلف المؤسسات لتكون تحت تصرفه سياسياً واقتصادياً.
وبالرغم من ذلك، اعتقد البعض أن شقير بحكم سجله الناجح كرجل أعمال سيراعي الحد الأدنى من المعايير الأخلاقية والإدارية في تنفيذه الروزنامة الحريرية. لم يصح التوقع الأخير، فقد ثبت بطلانه بالنسبة إلى معظم موظفي غرفة التجارة والصناعة والزراعة (مؤسسة خاصة ذات منفعة عامة) الذين يتجهون إلى الاعتصام غداً احتجاجاً على ما يتعرضون له، في ظل ضغط إداري استثنائي لتشتيت المعتصمين وتعطيل الاعتصام.
بدأ الاعتراض على شقير صغيراً وكبر أسبوعاً تلو الآخر، في ظل تلاقي الموظفين المستائين مع معظم أعضاء مجلس الإدارة الذين يتنامى شعورهم بأن من أتى بهم كان يريد تزيين الديكور فقط، إذ يعرفون معظم القرارات بعد صدورها. وأسباب الاعتراض كثيرة، بعضها سياسي، وبعضها طائفي 100%، وهناك ما هو إداري أو مالي.
في الاعتراض السياسي، أدخل شقير الغرفة في الانقسام السياسي الذي يسجل للرئيس السابق للغرفة، الوزير عدنان القصار، تحييدها عنه. وقد بات للغرفة التي تمثل الاقتصاديين من مختلف المشارب السياسية مواقف دورية واضحة التأثر بمقدمات نشرات تلفزيون المستقبل، وخصوصاً على صعيد تحميل المعارضة السابقة مسؤولية الأزمة الاقتصادية.
في الاعتراض الطائفي، يسجَّل بدايةً أن عهد شقير يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في التعصب الطائفي بين الموظفين. ويتنامى حديث الموظفين من الطائفة المسيحية عن تعرضهم للغبن والاضطهاد. فبحسب تقرير رفع أخيراً إلى رئاسة الجمهورية، يتبيّن أن معظم التجار والصناعيين والمزارعين المنتسبين إلى الغرفة ينتمون إلى مناطق جبل لبنان. في المقابل، فإن الفرع الرئيسي يقوم في بيروت، حيث يعمل 63 من الموظفين الـ83. ووفق أحد الموظفين، فإن تيار المستقبل يكرر في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان ما فعله في معظم المؤسسات الرسمية، وخصوصاً في بلدية بيروت، حيث يوزع المراكز الإدارية الأساسية على أتباعه ويعطي الآخرين المراكز الإدارية الأقل تأثيراً ونفوذاً. وبحسب أحد الموظفين، فإن الموظفين من الطائفة السنية يرأسون دوائر: الانتساب والمصادقات، الكشوفات، المحاسبة، التحكيم والمشتريات، بينما يرأس الموظفون من الطوائف المسيحية دوائر: الترقيم الرمزي، المعلوماتية والزراعة، إضافةً إلى مركزَي الدراسات والتدريب. ويروي أحد أعضاء مجلس إدارة الغرفة أن خلافاً وقع في مجلس الإدارة عام 2006 نتيجة تمسك الأعضاء المسيحيين بالمطالبة بتعيين مدير عام للغرفة من الطائفة المسيحية، أو بفصل غرفة بيروت عن غرفة جبل لبنان، ما أدى إلى شغور مركز المدير العام طوال مدة ولاية الرئيس غازي قريطم (2006 ـــــ 2009) وأسند توقيع المدير العام إلى المستشار القانوني للغرفة أندريه نادر، أما شقير فبادر، بطريقة مفاجئة ومن دون استشارة أعضاء مجلس الإدارة، إلى تعيين ربيع صبرا مديراً عاماً للغرفة.
ينقسم الموظفون بين من يرى في تعيين زوجة وزير البيئة محمد رحال رئيسة لمجالس رجال الأعمال فضيحة، ومن يعتقد أن الأمر طبيعي إذ يحق لزوجات الوزراء الحصول على وظائف مميزة. أما الأهم، إدارياً، بحسب بعض الموظفين، فالتلزيمات التي تحصل دون إجراء مناقصات. والأمثلة هنا كثيرة من تلزيم مجلة عالمية إصدار أعداد خاصة بالغرفة، إلى تلزيم شركة تسمح للشركات بالتسجيل إلكترونياً، مروراً بعدة عقود تتعلق بصيانة الغرفة وتجهيزاتها، وقّعت دون مناقصات. ويشرح أحد الموظفين أن إدارة الغرفة لم تفتح تحقيقات جدية في حوادث عدّة حصلت أخيراً، كخلع خزنة وسرقة ملف منها وتعطّل آلات جرى تغييرها بسرعة دون التدقيق في أسباب تعطّلها المفاجئ.
أما مالياً، فيشرح أحد الموظفين أن شقير، سعياً وراء توفير الأموال لتوقيع عقود خيالية مع أصدقائه الإعلاميين، عمد إلى إيقاف المكافآت السنوية للموظفين (bonus) وألغى أحد الشهرين الإضافيين اللذين يُدفعان للموظفين، ما يثير استياءً عارماً في الغرفة.
هذا كلّه والمعارضة السابقة تشاهد من بعيد تحويل شقير غرفة التجارة والصناعة والزراعة إلى مؤسسة خاصة بتيار المستقبل، وعضو مجلس الإدارة الوحيد غير الحريري ـــــ السيدة تانيا عيد، المقرّبة من التيار الوطني الحر، التي دخلت مرشحة على لائحة شقير ـــــ قررت أخيراً مقاطعة جلسات المجلس بدلاً من المواجهة. أما الموظفون، فيشعرون بأنهم يخوضون وحدهم مواجهة غير متكافئة، في ظل عدم اكتراث المناوئين اقتصادياً للحريري لحقوقهم.
|