إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الأمن القومي العربي رهن بعودة التنسيق بين سورية ومصر التطورات الأخيرة تستوجب العمل المشترك بين البلدين

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2011-01-05

إقرأ ايضاً


التاريخ العربي قديمه وحديثه مليء بالشواهد على أهمية العلاقات السورية المصرية في الحفاظ على الهوية العربية للمنطقة وحفظ أمنها القومي، ودمشق والقاهرة ومعهما بغداد بقيت مراكز وعواصم ليس للخلافة الإسلامية فقط بل وللحضارة العربية بسمتها الإسلامية والمسيحية، ومثلت نماذج مضيئة للتسامح الديني والمذهبي، كما اشتركت ثلاثتها في التصدي للغزو المغولي التتري والصليبي وغيرها للمنطقة.

في التاريخ أيضاً أدلة واضحة على تأثر هذه العواصم بعضها ببعض، وأن ما يصيب القاهرة أو دمشق أو بغداد ينعكس مباشرة على نظيرتها في الدول المجاورة وفيها على وجه الخصوص.

الشواهد على عمق العلاقة واستراتيجيتها بين مصر وسورية لا نجده فقط في أحداث التاريخ بحلوها ومرها بل وفي ثقافة الشعبين وتراثهما العربي شعراً ونثراً وتفاعلاً على كل الأصعدة.

يقول الرئيس بشار الأسد في حديثه لمراسل صحيفة الحياة اللندنية قبل حوالي الشهرين وفي الإجابة عن سؤال الأمن القومي لسورية ربطاً بالأمن العربي ودول الجوار:

"نحن في سورية نعتقد أنه إذا كان وضع الشخص غير هش، لكنه

محاط بوضع هش، ويعيش في حالة انتظار كي يتغير الوضع الذي حوله، فهذا كلام

غير واقعي. فعلياً الهشاشة التي تسأل عنها هي عملية معدية، بالتالي مهما

كان وضعك جيداً كبلد، وأنت في حالة تفاعل مع مَن حولك، فالنتيجة ستكون

أنك أنت ستصبح هـــشاً مثلهم. كل المشاكل الموجودة حولك، أمنية، طائفية،

سياسية، لا استقرار بالمعنى العام، ستكون في بلدك عاجلاً أم آجلاً. لذلك،

هذا القلق نحوّله إلى قلق إيجابي من خلال عمل فاعل".

وبالمعنى الواقعي لحدود الأمن القومي المصري حسب تقديرات الخبراء العسكريين وغيرهم فإن هذه الحدود تصل إلى أقصى نقطة على الحدود السورية والعراقية شمالاً وشرقاً.

وينطبق ذلك على الأمن القومي السوري من حيث ارتباطه بمصر والعراق الأمر الذي يوضح جوهر ما قاله الرئيس الأسد كما أسلفنا.

إذن هناك فهم صحيح لضرورات العلاقة والتنسيق بين البلدين الشقيقين وبالتالي يصبح السؤال حول حالة الجمود الراهنة مشروعاً، ويصبح البحث عن الطرق المؤدية لإنهاء هذه الحالة في خدمة المصلحة العربية العليا ولكلا البلدين الشقيقين.

يقول السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري في الثالث من آذار الماضي: " سورية هي ميزان المشرق، ونسعى إلى الحفاظ على أمنها القومي"، وكان قد سبقها بحديث متفائل عن عودة العلاقات بين البلدين لسابق عهدها بالقول: " لا فتور مع دمشق، ومتفائلون بتقارب وتنسيق مشترك"، والمطلوب أن تقرن الأقوال بالأفعال. في المقابل سمعنا كلاماً مشجعاً على لسان أكثر من مسؤول سوري حول ضرورة إعادة هذه العلاقات كما كانت قبل خمسة أعوام وعلى رأسهم السيد الرئيس الذي قال أكثر من مرة أنه لا يوجد ما يدعو للقطيعة وأن زيارته لمصر من أجل ترطيب الأجواء تنتظر دعوة رسمية، ورد على سؤال بالخصوص: " قالوا هل تحتاج زيارة مصر إلى دعوة؟ قلت نعم نحتاج إلى دعوة". وفي شرح أبعاد النظرة السورية للعلاقة مع مصر أفاد الرئيس بأن العلاقات الأخوية بين البلدين يجب أن تكون بمنأى عن الخلافات الشخصية بين الرؤساء، وبمنأى أيضاً عن الاختلافات السياسية والنظرة للقضايا والموقف منها. وفي سياق التوضيح أردف سيادته قائلاً "نحن في الأساس وقفنا مثلاً ضد كامب ديفيد، ولم نغير موقفنا في أي لحظة". إن موقف سورية من كامب ديفيد لم يمنع قيام أوثق العلاقات وأكثرها حيوية بين سورية ومصر حتى العام 2006، حيث لم يكن يمر أكثر من ثلاثة أشهر على زيارات الرئيس المصري لدمشق والرئيس السوري للقاهرة، وحينها كان التضامن العربي في أفضل حالاته.

العام 2006 شهد آخر اجتماع للجنة العليا المشتركة بين الدولتين وهذا مؤشرَ على سوء العلاقة بين الشقيقتين على الصعيد السياسي، أما في الشأن الاقتصادي والتجاري فقد شهدت العلاقات تطورات إيجابية كانت أحد مؤشراتها زيارة وزير التجارة والصناعة المصري رشيد محمد رشيد لسورية في آذار(مارس) 2010 ولقائه وزيرة الاقتصاد والتجارة السورية لمياء عاصي استهدفت تطوير مجالات التعاون الاقتصادى والتجاري بين البلدين بما يلبى طموحات ومصالح الشعبين، وبما يساعد على حلحلة الوضع وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بينهما.

ليس للحديث عن أسباب التوتر بين البلدين في الفترة القريبة الماضية أي فائدة، وليس من المناسب في بحث سبل ترطيب الأجواء والبحث عن أنسب الطرق لإعادة العلاقات والتنسيق بين الدولتين أن ننكأ الجراح، لكننا لابد من الإقرار أن اختلاف الرؤى والاجتهاد واستطراداً المواقف سيبقى، ويجب أن نستوعبه ونعمل على محاصرته ووضعه في أضيق نطاق، ونعمل بالقواسم المشتركة. إن الحرص على تجاوز الماضي المؤلم (وهو أمر ضروري) لا يعني أن لا نجلس سوياً وبشكل جدي لنبحث بعمق وصراحة في الإجابة عن بعض الأسئلة من نوع من هو العدو ومن هو الصديق؟ أين تكمن المصلحة العربية العليا وكيف يمكن استرداد حقوقنا المغتصبة؟ كما البحث في الإجابة عن التصرف الأسلم في حال اختلفنا على قضية جوهرية.

إن كشف شبكة التجسس الإسرائيلية في مصر وامتداداتها في سورية ولبنان قد أظهر بطريقة حادة الحاجة لتنسيق أمني سوري مصري على أعلى مستوى الأمر الذي لا يمكن تطبيقه واستمراره في ظل العلاقات الراهنة.

إن تصريحات رؤساء الأجهزة الأمنية الصهيونية حول اختراق العمق المصري واستهداف سورية وباقي الدول العربية يجب أن يعزز الدعوة لعودة العلاقة والتنسيق بين الدولتين.

الاعترافات التي أدلى بها العميل طارق عبدالرزاق في مصر وسفره إلى سورية أكثر من مرة في إطار مهمته التجسسية تشير لمدى خطورة الاستهداف الاسرائيلي للوحدة الوطنية في كلا البلدين كما لشبكات الاتصال ومراكز البحث العلمي.

إن أي تبرير للقطيعة بين القيادة السياسية في البلدين وعدم تبادل الزيارات بين الرئيسين لن يكون مفهوماً لدى المواطن المصري أو السوري والعربي عموماً بعد اتضاح حجم الاختراق الاسرائيلي وأهدافه الإجرامية وخطورته على مستقبل المنطقة والأمة العربية. إن مؤامرات التفتيت التي تجري في أكثر من قطر عربي كما نرى في السودان والعراق ولبنان لايمكن تفسيرها دون فهم الدور الاسرائيلي التخريبي في منطقتنا.

يشير سفير الدولة العبرية في مصر شالوم كوهين الذي انتهت مهمته العام الماضي في مؤتمر صحفي يوم 27 / 1 بالمناسبة إلى أن التعاون الأمني بين كيانه ومصر في أحسن حالاته، ومؤكداً أنه غير مسبوق، فهل هذا معقول؟ ويشير كذلك إلى ان العلاقات السياسية بين بلاده ومصر في أعلى مستوى، مستشهدا بانّ عدد الزيارات الإسرائيلية عالية المستوى لمصر خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تجاوزت تلك التي تمّ القيام بها لبعض الدول الأوروبية فهل هذا مقبول؟ ألا يحتاج الأمر لإعادة نظر من جانب القيادة المصرية خاصة وأن هناك تصريحات من قادة أجهزة أمنية إسرائيلية تؤكد استهداف مصر على غير صعيد، وعلى الأخص وحدتها الداخلية؟.

إن ما جرى على الساحة المصرية وخاصة التفجير الأخير قرب كنيسة القديسين بالإسكندرية وعدم استبعاد ضلوع الكيان الصهيوني فيه، وما يجري على الحدود السورية في دول الجوار يستوجب تجاوز كل التحفظات السابقة حول عودة العلاقة والتنسيق بين مصر وسورية، وحان الوقت كي تبادر مصر بدعوة الرئيس بشار الأسد لزيارتها، ونحن على يقين أنه سيلبي الدعوة.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026