تتعرض اسرائيل بنضالها للارهاب الفلسطيني مرة بعد اخرى للظاهرة المعيبة وهي ان السلاح ومواد التخريب تُهرب بسيارات الاسعاف، وتُخبأ في المدارس ورياض الاطفال، وغرف النوم في البيوت وفي الاماكن المقدسة ايضا. حدث هذا في الانتفاضة الثانية. وحدث في حرب لبنان الثانية عندما خبأ رجال حزب الله صواريخ في المساجد وفي 'الرصاص المصبوب'، عندما وجد محاربو حماس ملجأ في المساجد في قطاع غزة.
إن استعمال المنظمات الارهابية الساخر للاماكن التي يفترض ان تكون خارج المجال، يحظى بتنديد شامل من منظمات حقوق الانسان وحكومات في العالم. وهذا الأمر يساعد الدعاية الاسرائيلية على وصف هذه المنظمات بأنها تُخل بالقانون الدولي وقوانين الحرب وكل معيار انساني مقبول، ويُمكّن قوات الأمن من تسويغ المس بالمساجد وتشديد القبضة في الحواجز الى درجة منع نقل الفلسطينيين المرضى في سيارات الاسعاف.
جميع الدعاوى والتنديدات محقة حقا. كان من المناسب أن تطيع حتى منظمات الارهاب القواعد الأساسية للحلال والحرام. لكن المشكلة أن اسرائيل لا تأتي الى النقاش بيدين نقيتين. فقد أخذت منظماتها السرية: هشومير والهاغاناة وايتسيل وليحي بحيل مشابهة. هذا ما يُبينه كتاب جديد بقلم رافي كيترون اسمه 'ارض اسرائيل الخفيّة: قصة مخابيء الاسلحة وتاريخها'. كيترون متقاعد من جهاز الامن. يعتمد كتابه على بحث أجراه لشهادة الدكتوراة باشراف البروفيسور شمعون دار من قسم دراسات ارض اسرائيل في جامعة بار ايلان، يعتمد على مقابلات مع القدماء من المنظمات أو البلدات التي أنشئت فيها مخابئ الاسلحة وعلى الأدبيات التوثيقية الموجودة مثل كتب الهاغاناة والايتسيل وليحي ووثائق حكومة بريطانيا.
إن كلمة 'سليك' (مخبأ اسلحة) ابتُدعت كما يبدو في احدى الدورات التعليمية للبلماخ في جُعرة. خُبئ في مخابئ الاسلحة في الاساس اسلحة وذخائر (ومنشورات وأرشيفات ايضا) للمنظمات السرية في السنين 1918 1948، في ايام الحكم البريطاني في ارض اسرائيل. وجد كيترون انه قد كان في أواخر فترة الانتداب البريطاني في ارض اسرائيل أكثر من 1500 مخزن سلاح كهذا في الكيبوتسات والقرى الزراعية التعاونية والمدن والبلدات. بُنيت فوق الارض وتحتها، ولم يحجم أناس المنظمات عن استعمال بيوت الاولاد في الكيبوتسات والكُنس مثلا من اجل هذا الهدف.
هكذا تم انشاء في كنيس الخربة في البلدة القديمة في القدس مخبأ سلاح للايتسيل وليحي، وأنشأت الهاغاناة ايضا مخابئ سلاح في كُنس في بلدات كثيرة. ولم يغب عن ذاك استعمال سيارات الاسعاف ايضا. ففي ذروة أحداث 1929 بادرت مانيا شوحط وهي من مؤسسي حركة هشومير الى نقل بعثات سلاح من قرية جلعادي الى حيفا في حافلة نُكِّرت مثل سيارة اسعاف. لبست ملابس ممرضة وجعلت أحد أبناء عائلتها مريضا. ويُبين كيترون ان نقطة انطلاق من أبدعوا هذه الأفكار كانت أن الجندي والضابط البريطانيين مهذبان ولن يجرؤا على تفتيش هذه الاماكن.
ومع مرور الوقت أصبحت مخابئ الاسلحة حومة قتال بين المنظمات السرية. فقد حاولت الهاغاناة الكشف عن مخابئ اسلحة ايتسيل وليحي ومصادرة السلاح الذي فيها، أما المنظمات المعتزلة فحاولت السيطرة على مخازن سلاح الهاغاناة. سلب أناس الايتسيل ثلاثة مخابئ اسلحة للهاغاناه في هرتسليا وفيها ثلاثون بندقية، ورشاشات وقنابل وذخيرة. وبعد تهديدات بالعقاب اعترف أناس الايتسيل بالسرقة وأمر قائدهم دافيد رزيئيل باعادة السلاح الى أصحابه.
انتهى عدد من هذه المجابهات الى ضحايا من الأرواح. في أيار (مايو) 1947 عندما تبين لأناس الايتسيل أن مخبأ سلاحهم في حيفا عثرت الهاغاناه عليه، أفرغوه وفخخوا مدخله. وهيّج أناس الهاغاناه الذين حاولوا الاختراق الى الداخل اللغم وقُتل أحد أفرادهم.
يُجري بحث كيترون ايضا مقارنة بين مخابئ اسلحة البلدة اليهودية ومخابئ اسلحة البلدة العربية. ويزعم ان الاختلاف كامن في أن 'السلاح في البلدة اليهودية كان ملك الجميع وأن المسؤولين عنه قاموا بعملهم مع شعور بالرسالة. بُذلت جهود تنظيمية وشخصية في مخابئ الاسلحة على اختلاف أنواعها وفي حراستها'. وفي البلدة العربية في مقابلة ذلك، 'التي كانت منشقة مقسمة في طوائف وعائلات ومناطق، كان الوضع مختلفا. حتى عندما انشئت أطر عسكرية كانت ضيقة على نحو عام وحتى عندما تمت مشتريات مركزة، في حالات نادرة، خزن السلاح فترة قصيرة فقط'.
يذكر كيترون مع ذلك انه 'لا ينبغي الاستخفاف بقدرة العرب على تخبئة السلاح'. يصف تقرير عن الهاغاناه في تشرين الاول (اكتوبر) 1947مخبأ سلاح عطا دويك، قرب باب الأسباط في القدس.
بعد نشوء الدولة ايضا استمرت عناصر من المنظمات المختلفة على تخبئة السلاح من السلطات في المخابئ الأصلية. خطط المحامي يعقوب حروتي، الذي حوكم لعضويته في منظمة سرية، خطط في الخمسينيات لاستعمال قنابل من مخبأ سلاح ليحي في منطقة القدس للمس بمحاور حلف المجالس في تل ابيب. وجاءت القنبلة التي رمى بها عاموس كينين شرفة شقة وزير النقل العام تسفي بنكاس في 1952 من مخبأ السلاح هذا. بعد سنين من نشوء الدولة استمرت مبام في امتلاك مخابيء اسلحة كيبوتسات 'هشومير هتسعير' باعتبارها جزءا من خطة 'لفيتان': وهي الاستعداد لامكانية تولي الحكم وثورة اشتراكية في اسرائيل. تُكشف حتى اليوم مخابئ اسلحة في كيبوتسات أخذ المسؤولون عنها سرهم الى القبر.
|