إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

"ربيع" العالم العربي يعرّي المحافظين الجدد.. ويهزّ عرشهم

جنان جمعاوي- السفير

نسخة للطباعة 2011-02-26

عقب الغزو الأميركي للعراق في 2003، اكتظت وسائل الإعلام الأميركية بوجوه محللين ومفوّهين عرفوا بـ«المحافظين الجدد». باحوا لنا، واستفاضوا، بـ«حبهم للديموقراطية»، فيما كانت آلة الحرب تسحق الآلاف.. باسم الحرية.

هؤلاء فتحوا باب جهنم على العراق، بحثاً عن دليل يبرر فعلتهم. لم يجدوا أسلحة دمار شامل، ولا صلة لنظام صدام حسين بالقاعدة. محبطون.. ابتدعوا نظرية تقول إن «الإطاحة بصدام ستجعل من العراق أول ديموقراطية في العالم العربي». الآن، وقد نزل الملايين من الشباب العرب إلى ميادين بلدانهم، احتجاجاً على أنظمتهم الاستبدادية، يبدو «شعراء الحرية» عراة أمام أكاذيبهم.

في تقرير في مجلة «فورين بوليسي ان فوكس» الأميركية، نزع جنيد ليفيسك علم القناع عن المحافظين الجدد. انتقد كيف ابتدع غلين بيك «عدو الطغيان الاشتراكي الأميركي» مهرّباً، حيث «رثى علناً سقوط الطغيان العربي». فالثورة ضد حسني مبارك، برأيه، ستؤسس «لخلافة إسلامية»، ستقوم بالتعاون مع «غوغل» والليبراليين، «بتدمير أميركا». أما إسرائيل «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» برأيه، تتخبط جراء «تحرير مصر».

زعيم المحافظين جون بولتون و«مهرّج» قناة «فوكس نيوز» شون هانيتي (حسب وصف علم) ذهبا أبعد، وسوّقا لفكرة أن «الإطاحة بمبارك يجب أن تُستخدم كحجة لمهاجمة إيران». هؤلاء جميعاً لطالما أشادوا بأميركا بوصفها «محبة للحرية»، لكن «ترّهاتهم» بسبب خلع مبارك تعطي صورة عن الوجه الحقيقي وراء القناع. فما الذي يستثير كراهية المحافظين حيال الحرية؟ ولماذا إراقة الدماء وإنفاق المليارات بحجة «تحرير العرب»، فيما هم يصرّون الآن على ألا يحرر العرب أنفسهم؟

الجواب طبعاً هو أن الحرية هي بالنسبة للمحافظين كالغمد بالنسبة للمبارز، بمعنى «وسيلة للحماية ولحجب أداة تقرير المصير».

بالنسبة للمحافظين، هذه الأداة هي «سيف تمّ سنّه بالتطرف الديني والتعصب القومي»، كما يقول علم، فـ«البروتستانت الأميركيون والمتطرفون اليهود يشيدون بالاستيطان الإسرائيلي بوصفه تنفيذاً للوعد الإلهي... ولتذهب حقوق الفلسطينيين إلى الجحيم». هؤلاء القوميون الأميركيون يؤمنون بأن الإرهاب هو نتيجة ثقافة عربية إسلامية عنيفة، وليس رداً على السياسة الأميركية العنيفة.

«منظّرو» المحافظين الجدد يؤكدون بأن الاستبداد والعنف متأصلان في العقل العربي المسلم. وعليه، فإن الحركات العربية السلمية المناهضة للاستبداد، وإن كانت بقيادة علمانيين وانضم إليها الإسلاميون، وإن كانت لا تهتم باسترضاء إسرائيل، لا بد من تشويهها ورفضها بوصفها تدجيلاً». هكذا، فإن الانحراف عن «وصايا» المحافظين أمر «محرم»، بصرف النظر عن الضرر الذي تحدثه هذه الوصايا لموقف الولايات المتحدة ومصالحها. ولعل الموقف الأميركي الأخير، حيث وقفت واشنطن وحيدة مناصرةً للاستيطان الإسرائيلي، هو «أفضل تجسيد لهوس» المحافظين. هؤلاء يجعجعون بتحذيراتهم من التطرف الإسلامي، فيما هم يشجعون التطرف المسيحي اليهودي.

«ربيع العالم العربي» لم يفضح فقط الهوة بين الشباب العربي وحكامهم، وإنما عرّى المحافظين الجدد، وفضح الهوة بين خطابهم.. وحقيقتهم.

بالنسبة للكاتب في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية جاكوب هايلبرن فإن «الثورات العربية تدكّ بيت المحافظين الجدد وتهز عرشهم»... ربما.

في تقريره في «فورين بوليسي»، استعاد مشهداً من آب 1997، حينها زار هايلبرن، جان كيركباتريك، في مكتبها في مؤسسة «اميركان انتربرايز» اليمينية الأميركية. كانت الدبلوماسية السابقة غاضبة. وسبب حنقها هو مقال نشره روبرت كاغان في مجلة «كومنتاري» المحافظة بعنوان «الديموقراطيات وازدواجية المعايير». في المقال دحض كاغان ما جاء في مقال نشرته المجلة ذاتها في العام 1979 بعنوان «الدكتاتوريات وازدواجية المعايير». كاتبة هذا المقال هي كيركباتريك نفسها. فيه، ندّدت الدبلوماسية السابقة بالرئيس الأميركي جيمي كارتر، لتركّز على خليفته رونالد ريغان.

كيركباتريك اعتبرت أن كارتر خدع شاه إيران وزعيم نيكاراغوا، وكلاهما مستبدان مواليان لأميركا. طردا من منصبيهما. وكانت النتائج كارثية. المستبدان الودودان خُلعا. وحل مكانهما توتاليتاريان حقيقيان. فالأنظمة التوتاليتارية اليمينية، برأيها «قد تصبح مع مرور الزمن ديموقراطيات، في حين أن الأنظمة التوتاليتارية اليسارية لن تفعل».

تطلّب الأمر «عقوداً إن لم يكن قروناً» لكي يحصّل الناس القواعد والعادات الضرورية «لخلق ديموقراطية قابلة للحياة» كما قالت.

كاغان لم يقل أياً من هذا. بل روّج لعقيدة جديدة للمحافظين الجدد. فـ«لندع جانباً الواقعية الباردة لمدرسة كيركباتريك، ولنتبنَّ نظرية التدخل الليبرالي، من اجل ترويج الديموقراطية» بوصفها «جوهر القومية الأميركية» كما قال.

أشاد كاغان باستعداد الرئيس الأميركي بيل كلينتون لإرسال المارينز إلى هايتي، وأدان «مزاج اليأس» الذي ساد على خبراء عديدين في السياسة الخارجية. برأيه، على اميركا أن تدفع الأنظمة العربية نحو الديموقراطية، لا الارتكان إلى ترتيب مريح مع النخب الحاكمة، «حتى لو غامرنا ببعض زعزعة للاستقرار في بعض الأماكن».

هذا الجدال بين المنظرَين يبدو مألوفاً. فقد أطاحت الثورات بالفعل بالنظامين في كل من تونس ومصر. فمن التالي؟ هل هو «العقيد الليبي معمر القذافي؟ ملك الأردن؟ آل سعود؟ وهل سينتهج خلفاؤهم خطاً معادياً لأميركا وإسرائيل؟». الأجوبة على هذه الأسئلة لا تبدو واضحة بالنسبة للكاتب في «واشنطن بوست» الأميركية تشارلز كروثامر، وهو مفكر من المحافظين الجدد الميال إلى الواقعية. كروثامر اصطف في معسكر الكثيرين في إسرائيل، ممن يخشون زعزعة الاستقرار في المنطقة. واستعاد في مقال له في 4 شباط الحالي، سقوط الشاه «ليحلّ مكانه نظام لا يرحم ملتزم ايديولوجياً.. مكون من الراديكاليين الإسلاميين».

راعي المحافظين الجدد ديك تشيني وصف مبارك بـ«الرجل الجيد»، في حين أن محافظين جدداً آخرين، امثال ويليام كريستول واليوت ابرامز وبول وولفويتز رأوا أن الاضطراب في الشرق الأوسط سيؤدي إلى فجر جديد، يبرر عقيدة ريغان وجورج بوش الابن بشأن نشر الحرية أينما كان وفي أي زمان.

في مقال في مجلة «ويكلي ستاندرد» الأميركية المحافظة، انتقد كريستول ما يروج له متشائمو المحافظين الجدد بشأن انبثاق حتمي للتطرف الإسلامي في المنطقة، خالصاً إلى أن خلع مبارك ليس تكراراً لتجربة خلع الشاه. ثم في مقال آخر في «واشنطن بوست»، انتقد كريستول «سلبية» الرئيس باراك اوباما، تاركاً لوولفويتز أمر دعوة الإدارة إلى «الاصطفاف إلى جانب الشعب الليبي، نصرةً لمبادئنا وقيمنا»، محذراً في مقاله في «وول ستريت جورنال» اليمينية الأميركية من أنه «كلما طالت إراقة الدماء، كانت النتائج كارثية».

وبالعودة إلى تقرير «فورين بوليسي»، يقول هايلبرن انه «لطالما نظر الجيل الأقدم من المحافظين الجدد إلى الحرية وحقوق الإنسان بعين الريبة». فأبو المحافظين الجدد، ايرفينغ كريستول كتب في العام 1987 في مجلة «ناشيونال انترست» مقالاً بعنوان «قناعة المحافظين الجدد»، دحض فيه فكرة حقوق الإنسان، مجادلاً بأن هذا المفهوم «يخبئ برنامجاً سرياً لإقامة توازن اخلاقي بين اميركا والاتحاد السوفياتي».

ايرفينغ كريستول وكيركباتريك وغيرهم ينظرون بازدراء إلى فكرة إقامة الديموقراطيات في الخارج. الأهم، بالنسبة إليهم، هو إقامة علاقات وثيقة مع أنظمة مستقرة او تبدو مستقرة، شرط أن تكون هذه الأنظمة «ودودة» مع اميركا.

سقوط الاتحاد السوفياتي لاحقاً بدا وكأنه يؤكد صحة نظرية التبشير بالديموقراطية. ولهذا تبنت الأجيال الفتية من المحافظين الجدد النظرية التي تعتبر السياسة الخارجية الأميركية حملة صليبية ممتدة.

الانقسام بين معسكري الواقعيين والإيديولوجيين، يبدو حاداً، فهل «يتداعى بيت المحافظين الجدد»؟ وهل «سيطال هذا الانقسام وحدتهم بشأن ما هو أفضل بالنسبة لإسرائيل وأميركا؟ ليس واضحاً. ولكن إسرائيل قلقة بالفعل.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026