تثور نتيجة واحدة بوضوح من النقاش الاعلامي لتصريحات رئيس الموساد السابق مئير دغان المعلنة: إن محللين كثيرين يحقدون على بنيامين نتنياهو وايهود باراك حقدا شديدا. ولا يُشك في حقهم الكامل في ان يسلكوا هذا السلوك، ومع كل ذلك يجوز أن نناقش عددا من أعراض هذه الظاهرة من اجل نقاء الخطاب العام.
على سبيل المثال اتهم دغان رئيس الحكومة ووزير الدفاع بسلوك أهوج وحظي بهتاف وإطراء شديدين الى درجة ان كلامه عُرض بصفته 'حقيقة محضا'، لا أقل من ذلك. من لم يوافق على هذا التقدير التصنيفي يحق له ان يراه تشهيرا وان يشير الى عيوبه بل ان يثير علامات سؤال عن بواعث دغان.
لكن من العجب ان كل محاولة للرد على مزاعم دغان بهذه الروح تلقى ردودا حماسية من أشياعه (الجدد في أكثرهم). 'يُشهرون بالرجل'، و'يحاولون اغلاق فمه'، يصرخ اولئك الاشياع متجاهلين تماما حق المواطنين الآخرين الأساسي في عدم قبول رأيه وآرائهم كاملة. ومتجاهلين كذلك تجاهلا تاما انه لم يحدث حتى الآن أي اغلاق أفواه في هذا السياق.
سواء كان دغان محقا في اتهاماته الحالية أو مبالغا فيها لاسباب محفوظة عنده، يجدر ان نتذكر انه أنهى ثماني سني ولاية لرئاسة الموساد لا يستطيع الحكم على ماهيتها سوى العالمين بالأسرار. لكن كل إطالة لأمد ولايته أثار انتقادا لاذعا من الجهة المسماة 'يسارا'. في جميع هذه الفرص عُرضت تساؤلات تتعلق بتصور الرجل وتقديره للامور، ولم يغب عن مقام المتسائلين بعض الساجدين له اليوم.
والى ذلك فان مجرد حقيقة انه وافق على قبول إطالة المدة هذه (وربما عمل على احرازها ايضا)، حتى عندما كانت تصحبها قرارات نتنياهو وباراك، يشير الى امكانية انه لم يخش خشية خاصة تقدير المستوى السياسي المسؤول عنه. وهناك ايضا أساس ما لفرض انه ادرك ان رئيس الحكومة ووزير الدفاع الحاليين يعلمان أن النشاط الذري في ايران في الألفية الثالثة يختلف تمام الاختلاف عما كان عليه في العراق في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي وأن الحديث عن توزيع وتحصين للمنشآت الايرانية بمستوى يقلل جدا احتمال نجاح هجوم اسرائيلي جوي ويزيد الأخطار التي يشتمل عليها تنفيذ هذا الهجوم. اذا اعتقد اعتقادا مختلفا واذا كان اكتفى بفرض انه ورئيس الاركان ورئيس 'الشاباك' التاركين عملهم سيستطيعون سد الخرق ووقف مغامرة الحكومة التي عينتهم فهناك أساس للتفكير في مبلغ مسؤوليته المدنية آنذاك بل اليوم ايضا.
في مقابل هذا، يعيب مئير دغان، بايمائه الواضح الى انه هو وغابي اشكنازي ويوفال ديسكين أنقذونا من هوج فظيع، الثلاثة الذين حلوا محلهم: رئيس الموساد ورئيس هيئة الاركان ورئيس 'الشاباك' الذين تولوا عملهم في المدة الاخيرة، لأنه يُفهم من كلامه ضمنا أننا لن نستطيع الاعتماد عليهم. يحسن اذا ان نزيحهم هم ايضا لا نتنياهو وباراك فقط.
ومن غير ان نتناول التناقضات غير القليلة التي تشتمل عليها نظريات دغان السياسية، يصعب ان نتأثر ايضا بـ 'اختبار دان' الذي تمدح به. كان يجب عليه باعتباره رئيس الموساد ان يرسل مرؤوسين في مهام يصحبها تغرير بالنفس. وكان يفترض ان يلغي اختبار التغرير بابنه هذه المهام الغاء باتا، لكننا نشك في ان يكون حدث ذلك. وهذا ايضا من علامات السؤال التي يثيرها مئير دغان.
|