شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-08-22
 

انتهت المعارك..ليبيا في عهدة الناتو

زياد ابوشاويش

ليلة الأحد الحادي والعشرون من آب (أغسطس) انتهت المعارك الكبيرة في ليبيا وانتصرت المعارضة على الديكتاتور بفضل المساعدة الضخمة من حلف الناتو الذي أوقع في الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط ألف وثلاثمائة قتيل وخمسة آلاف جريح ليبي لتمهيد الطريق لدخول هؤلاء المعارضين العاصمة الليبية.

إن القصف الوحشي الذي سبق دخول المسلحين طرابلس لم يترك الفرصة لأي قوة على الأرض لتدافع عن المعقل الأخير للقذافي ومن يؤمن بحكمه وبحكمته الضائعة.

اليوم بات الجميع يعلم أن قوى عالمية كثيرة وأخرى عربية عميلة عملت على تسويغ اللجوء للعدو الاستعماري من أجل تدمير بلد عربي وإلحاقه بالغرب ووضعه تحت وصايته بوهم الحرية والديمقراطية وكأنه كتب علينا أن نكون مطية لكل تغيير تسوقه لنا وسائل إعلام معادية لتطلعات أمتنا في الحرية الحقيقية بعيداً عن الوصاية الأمريكية والغربية، حرية تضمن قدرتنا على التحكم في مواردنا وخاصة البترول الذي يشكل اليوم عصب الحضارة في كل العالم.

هل يستطيع أحد أن يجادل الآن في أن بترول ليبيا أصبح بين مخالب الوحش الغربي الاستعماري وخاصة فرنسا؟ وهل منا من لم يسمع الناطقين باسم المعارضة الليبية التي استعانت بالناتو لتدمير وطنها وهي تقول بملء الفم أن الأفضلية ستكون للدول التي دمرت ليبيا وقتلت أبناءها لاستغلال آبار النفط وفي استيراده تحت ذريعة أن هؤلاء ساعدوا في تحرير الشعب الليبي من الطاغية..هكذا؟

إن التزييف لوعي الناس بالطريقة التي تديرها قنوات الفتنة العميلة لا تترك أمام المرء سوى طريق التصدي لثقافة التبعية وأوهام التقدم والحضارة على الطريقة الغربية التي تدعمها قذائف الناتو وصواريخ الموت. الحديث المسموم عن البهجة التي تجتاح المدن الليبية ليست في الحقيقة سوى انعكاس لحالة التجهيل والخداع التي تمارسها هذه القنوات والكتاب الضالعين في هذا التزوير والانحراف، فليس ممكناً فهم الفرحة التي تظهرها شاشات التلفزة في بنغازي أو طرابلس أو أي مدينة ليبية وحتى عربية بسبب سقوط عاصمة عربية بين براثن الناتو إلا من خلال رؤية فكرية تشير إلى عقلية القطيع، كما تظهر كم نحن جاهزون لابتلاع أي طعم يقدم لنا بسبب قلة التجربة والخبرة وعمليات التجهيل التي قام بها زعماء الدول العربية لشعوبهم على امتداد العقود الخمسة الماضية.

إن أي مواطن عربي يهمه أن يتحرر الشعب الليبي من الحكم الاستبدادي وأن يستعيد قدرته على اختيار من يريد لقيادته، كما أننا جميعاً نحمل العقيد الليبي مسؤولية النهاية الحزينة لثورة الفاتح من سبتمبر التي مثلت ذات يوم حلم الأمة في استعادة عافيتها وقدرتها على صنع الوحدة العربية وتحرير فلسطين، والتي قدمت الدعم لفترة طويلة لكل حركات التحرر في العالم، لتتحول بعد سنوات إلى كابح لحرية الليبيين ومنع تقدمهم باتجاه الحضارة وكرامة الإنسان.

إننا نتمنى أن تصبح ليبيا سنداً حقيقياً لقضايا الحرية والعدالة في الوطن العربي وفي العالم وليس كما أرادها الناتو دولة تلبي حاجات أوروبا النفطية ومخلب قط لحصار الثورة المصرية.

اليوم سقط نظام العقيد القذافي غير مأسوف عليه (بسبب سياسة الخنوع التي انتهجها العقيد تجاه المطالب الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحفاظ على عرشه المتهاوي في السنوات العشر الأخيرة من عهده) وبدا وكأن الليبيين ملكوا زمام أمرهم، لكن وبسبب معرفتنا بليبيا وبشعبها الشقيق نعرف أيضاً أن من يخرج اليوم ليحتفل برحيل القذافي كان يخرج بطريقة أكثر حماسة لاستقباله في المدن ذاتها وكانت الحشود أكبر، ولو عملت كل القنوات التي ساهمت في سقوط النظام والكتاب ووسائل الإعلام والثقافة المماثلة على عودة العقيد وهذه فرضية نظرية للتوضيح، قلنا لو عمل هؤلاء على عودة العقيد بعد فترة تحت شعار التحرر من النفوذ الغربي فإن من نراهم يحتفلون بزوال حكمه يخرجون لاستقباله استقبال الأبطال، وهذا بالطبع أمر مؤسف لكنه مؤكد وتاريخنا العربي مليء بالشواهد على ما نقول.

على كل حال سنراقب ما يجري في ليبيا في الأيام والأسابيع المقبلة ونتمنى أن تكون المعارك والأحقاد والثارات قد هدأت وباتت من الماضي وأن يجلس الليبيون كلهم للتفكير بمستقبل بلدهم، ومن أجل مداواة الجراح الكثيرة التي يحملها الجسد الليبي المرهق والممزق والحزين.

اليوم تحتاج ليبيا لإعادة إعمار من المرجح أن يتولاها ذات الذين دمروها بكل أسف، وكما حدث في العراق يحدث اليوم في ليبيا وبعد انتهاء ضجيج الاحتفالات بنصر لا نعرف على من ومن الذي انتصر سنجد الكثير من القضايا التي تحتاج للحل ولمعضلات تنوء من حملها الجبال ذلك أن ليبيا دولة قبلية من قمة رأسها حتى أخمص قدميها وهذا يلقي بأعباء ثقيلة على من سيتولى زمام الحكم فيها حتى بمساعدة الاستعمار الغربي وتحت رعايته.

المصالحة ضرورية في ليبيا والتسامح والعفو أكثر أهمية من تحقيق العدالة بملاحقة الخصوم الذين اعتبرهم المنتصرون (برعاية الناتو) ظالمين ومجرمين.

المسألة الأخيرة هنا تتعلق بالبلدان العربية والجماهير العربية وبعد فهم حقيقي لما جرى في ليبيا وأسباب دخول دول الخليج العربية التي تتواجد فيها قواعد العدو الأمريكي وغيره وصاحبة العلاقات المميزة مع الكيان الصهيوني، الدخول الذي ساهم في زيادة حجم الخسائر الليبية وأتاح فرصة التدخل الأجنبي في ليبيا العربية، قلنا بعد هذا الفهم الدقيق لما جرى ودور هذه الدول لابد أن يعمل الجميع من أجل المساعدة في لملمة الوضع الليبي وإجراء المصالحات الضرورية بما يمكن الحكومة القادمة والديمقراطية القادمة من التخلص من التبعية لدول الناتو والعودة للعب الدور العروبي الذي يتمناه كل المواطنين العرب ولمصلحة الشعب الليبي وقضية الوحدة العربية، الحرية للشعب الليبي الشقيق والمجد لشهدائه الأبرار.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه