ليس فينا من يرفض أو يتردد إزاء دعم حق الشعب العربي في كل دولة من دولنا ليختار بحرية كاملة قيادته وممثليه، وليس منا من يقبل إراقة دم أي مواطن عربي يخرج للشارع من أجل المطالبة بحريته، كما أن كل الناس تشجع وتعاضد المطالبين بحفظ كرامة الأمة وأبنائها في مواجهة طغيان الحكام وتجاوزهم على القوانين والدساتير المقرة في بلدانهم بالذات.
المسألة فيما نتناوله منذ بدأت الصحوة الأمريكية لمواجهة الربيع العربي بعد ثورتي مصر وتونس تتعلق بالنتائج المحققة جراء الحراك الذي أخذ أبعاداً مدمرة ستكون إن استمر اتجاهها بذات السوية خريفاً قاسياً لا شجر فيه ولا ماء، والأهم أنه سيتحول إلى شتاء طويل وقاسي للغاية. إن نظرة متفحصة لما يجري في ليبيا وما وقع بالأمس القريب من أحداث يدل على أي منزلق تدخل فيه هذه الدولة المهمة على البحر المتوسط والتي تحد مصر والسودان وعديد الدول الأخرى في إفريقيا.
والأخطر ما يجري اليوم في اليمن على حدود البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بوابة "إسرائيل" وممرها الأهم تجارياً وعسكرياً حتى مينائي نويبع المصري والعقبة الأردني المقابلة لمدينة إيلات (أم الرشراش كما نسميها). اليمن يعيش مخاضاً عسيراً وأزماته المتعددة وخاصة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم بدرجة يصبح معها استنتاجنا بتعطيل قدرة اليمن على الفعل لسنوات طويلة صحيحاً ومؤلماً وهذا ما تخطط له أمريكا وما تتمناه دولة العدو الصهيوني.
المعضلة الأكبر في جبهة المقاومة للمشروع الأمريكي_الصهيوني بالمنطقة وما تخطط له الدولتان المعاديتان لأي تطلع عربي نحو الحرية واستعادة الحقوق هو ما يجري اليوم في سورية، والأمر هنا ليس ما يعتقده بعض الإخوة من الكتاب والمتابعين أو حتى الجمهور الذي يميل بحاسته السوية وميله الطبيعي للحرية وحفظ الكرامة والدم العربي فقط، بل ما يجري حقيقة على الأرض ومن خلف الكواليس، حيث الموضوع لا يتعلق بطلبات للناس وتحركهم للحصول على حقوقهم، وهي طلبات وحقوق مشروعة ويجب الاستجابة لها، بل بما يرتبط بعنوان الصراع العربي الإسرائيلي الذي يمثل الجانب الأهم في رؤية المستقبل والبناء في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً.
إن استمرار الصراع في سورية والحديث عن أجندات خارجية بمعنى طلبات الحماية الدولية وغيرها من أغلفة الجوانب الإنسانية والمبررات المقبولة لدى جماهيرنا التواقة للحرية وللتخلص من حكامها تتكاثر من جانب المعارضة الخارجية وبعض الداخلية مترافقة مع حملة إعلامية مسعورة، تساندها قوى مرتبطة بالعدو الأمريكي_الصهيوني تهرب السلاح لسورية وتسعر القتال هناك بما يجعل أمر تكرار التجربة الليبية أو العراقية ممكناً. إن أخطار كبيرة تواجه العمل العربي العقلاني والهادئ من أجل تسوية المعضلة السورية، هذه الأخطار تصنعها يد الولايات المتحدة الأمريكية بما في ذلك تعليماتها لعملائها في المنطقة من كل العيارات والمستويات. إن ما يجري اليوم في سورية ستكون له نتائج غاية في الأهمية لمستقبل المنطقة والصراع مع الكيان الصهيوني، وكل من يحلم بأن سورية ستتمكن من لعب دورها المأمول في المواجهة وفي دعم المقاومة إن نجحت مخططات تحويل الربيع إلى خريف، عليه أن يراجع وقائع ما جرى في ليبيا والنتائج الكارثية بالمعنى القومي لتدخل الناتو فيها حيث لا يمكن لأي عاقل الادعاء بأن ليبيا ما زالت قادرة على لعب الدور المفترض منها أو البقاء حرة مستقلة كما كانت قبل أن يسيطر عليها وعلى مجلسها الانتقالي الحلف العدو للأمة وحلمها في الحرية والعدالة والوحدة.
إن انتصار إرادة الشعوب ببلدانها لا يمكن أن يعني حرمانها من القدرة على الفعل في الشأن القومي ومواجهة تحديات العصر، والأهم تحديات من نوع الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية وبقاء فلسطين على نفس الشكل منذ النكبة.
وبالعودة لأزمة اليمن ومعها البحرين والأردن والمغرب سنجد الاختلاف في الأسلوب والتكتيكات الموصلة للنتيجة، وهي أساليب وتكتيكات تختلف نوعياً عما تمارسه أمريكا وحلفاؤها بسورية، لكن المؤكد أن هدف شل قدرة هذه الدول على الفعل والتطور وإدخالها ثلاجة التاريخ هو القاسم المشترك والناظم لحركة أمريكا ومن يواليها في المنطقة وأوروبا.
اللافت في المخطط الأمريكي لحماية الكيان الصهيوني ومصالح الولايات المتحدة وعملائها في المنطقة التغيير في طريقة تعاطيها مع قوى عربية وإسلامية كانت تضع عليها حظراً شديداً في فترة سابقة، بل الأنكي قدرتها على ربط بعض هذه القوى بفلول الأنظمة الديكتاتورية بمصر وتونس وغيرها، وكذلك قدرتها في ظل الشلل العربي على إنضاج الحالة في اليمن والبحرين والأردن والمغرب باتجاه هيمنة تحالفات ليست أفضل من الحكومات والأنظمة السابقة على التغيير، ولعل ما جرى بمصر وفي محطة انتخابات نقابة الصحفيين المصريين ما يدل أو يشرح ما نقول حيث اتضح أن جماعة الإخوان المسلمين قد تحالفوا مع الفلول وبقايا أجهزة القمع القديمة، وبمعنى أوضح مع نظام مبارك بنسخته الجديدة المحسنة.
الشعب العربي يستحق الحرية والكرامة والعدالة لكنه لا يمكن أن يقبل الخداع وحرف مسيرته إلى المجهول، ولا يمكن أن نضع هدف التقدم للأمام في عنوان الحرية في تعارض مع حقنا في لجم المخطط الأمريكي وحماية مستقبلنا كأمة، كما لا يمكن أن نتجاهل جملة المعضلات والتعارضات بين التحولات الاجتماعية وأنسنة القوانين والحكام وبين الكفاح بكل أشكاله لهزيمة المشروع الصهيوني في المنطقة، واستعادة حقوقنا في فلسطين والجولان وكل مكان.
نحن جميعاً معنيون بحل هذه التناقضات دون أن يكون الحل على حساب أياً من الهدفين، فهما جناحان لطائر يحمل أمل الأمة في الحصول على مكان لائق تحت الشمس وبين الأمم.
حل هذه التعارضات سيحرم العدو الإسرائيلي من طوق النجاة الذي تلقيه لها الفوضى الهدامة كما يخطط لها الأعداء والعملاء وعلى رأسهم أمريكا.
|