شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-11-15
 

الانتخابات المصرية وأحلام الانتهازيين

زياد ابوشاويش

السباق الداخلي بين الأحزاب والقوى المصرية على الفوز بمقاعد أكبر في الانتخابات القادمة يجري على قدم وساق، وتتخلله الكثير من التعرجات والمفاجآت كما تختلط به الاتهامات من كل صنف، يوجهها البعض لمنافسيه وخصومه فيلبسها أحياناً ثوب الموضوعية والنقد، وأخرى شكلاً واضحاً وحاداً.

لا نعرف بالضبط من أين أتت القسمة التي سمعناها على مدار الفترة الماضية لمقاعد الشعب والشورى بين ثلاث جهات أو قوى تقول أن المجلس العسكري قرر تقسيم البرلمان المصري على هذه القوى بنسبة 40% للإخوان المسلمين وقوى الإسلام السياسي كالسلفيين والجماعة الإسلامية، و 40% للفلول، أي بقايا النظام السابق الذين ينتمي إليهم هؤلاء العسكر، و20% لباقي القوى من اليساريين والعلمانيين والليبراليين والقوميين والتقدميين...الخ.

لاشك أن كل إشاعة قوية ويجمع عليها الناس وخاصة العاملين في الشأن العام لها ظل من الحقيقة، وفي تقديري أن نسبة الفلول على الأقل صحيحة طالما لم يصدر قانون العزل السياسي الذي اقترحه العديد من الأحزاب ويستهدف رجالات العهد البائد وأزلام حسني مبارك وحاشيته وحزبه المنحل.

ربما يسأل البعض لماذا سيحصل هؤلاء على هذه النسبة الكبيرة طالما أن مبارك وفريقه في السجن ولا مجال لعودته للحكم، كما أن الشعب المصري يعرف حجم الجرائم والفساد الذي يتحمل مسؤوليته هؤلاء المرشحون من الفلول؟ والجواب يتعلق بأمرين: الأول لأن هناك دعماً خفياً من المجلس العسكري لهؤلاء بقصد إلهاء الناس عن المطالبة برحيل العسكر وفتح معارك جانبية ترغم كل الأطراف على التقرب من المجلس العسكري بهدف الكسب وحسم الصراع لصالحها، وفي هذا الإطار أتت وثيقة السلمي نائب رئيس الوزراء بما تضمنته من امتياز لهؤلاء العسكر تبقيهم في السلطة أو يتحكمون فيها للأبد. ومنطقي أن يفعلوا ذلك حيث ندرك أنهم جزء أصيل في نظام مبارك وأن الفساد كان قد أصاب بعضهم إن لم نقل كلهم وبالتالي فإن احتمال جرهم للمحاكمات والسجن هو أمر وارد إن تحول الحكم ليد المدنيين وترسخت الديمقراطية كما ثار المصريون من اجلها.

الأمر الثاني في ترجيح حصول الفلول على هذه النسبة يرتبط بالخبرة والإمكانيات المالية والدعائية، وفي هذا الإطار يمكننا القول أن الفلول هم الأقدر على الوصول للكتل الانتخابية الأهم في مراكز المدن والقرى المصرية بكل محافظات مصر. وفي أمر المال حدث ولا حرج، فهم يملكون النسبة الأكبر من ثروة البلد ويعرفون بشكل ممتاز كيف يسخرون ذلك لخدمة أهدافهم سواء بالتخريب والتحريض أو النجاح في الانتخابات بتقديم الرشا للفقراء وهم الأغلبية.

التقسيم الذي ذكرناه كإشاعة يتداولها الناس ليست قدراً يمكن الركون إليه، بل هناك في اللوحة الكثير من التفاصيل الجانبية المهمة ويمكن البناء عليها في رسم لوحة أقرب للدقة في مجال التنبؤ بالنتائج (لكن ذلك ليس هدف المقال)، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن انفراط عقد التحالف الديمقراطي ولجوء الإخوان المسلمون لملأ الفراغ في القائمة الرئيسية لحزبهم واستبعاد الأحزاب الصغيرة والقوى الهامشية المتحالفة معهم أضر بسمعتهم وربما سيلعب دوراً في إنقاص حصتهم من كعكة الانتخابات ومقاعد البرلمان. كما أن تحالفاً قد يضم الوفد والإخوان مع قوى يسارية وناصرية ربما يعزز رصيدهم ورصيد حلفائهم...وهكذا فإن الفترة القريبة القادمة ستكون مليئة بالتكتيكات والألاعيب الانتخابية التي يجيدها البعض.

إن نزول مرشح حزب الكرامة الناصري المسيحي أمين اسكندر (وهو نائب رئيس الحزب حمدين صباحي) على قائمة الإخوان المسلمين وفي المركز الثالث بالقائمة يشير إلى المدى الذي قد تصله هذه الأحزاب لضمان فوزها في هذه الانتخابات ولأسباب عديدة على رأسها حساسية المرحلة وأهميتها البالغة في تحديد مستقبل مصر بل وربما كل المنطقة.

لاشك أن هناك من يسعى للنجاح بهدف الكسب والوصول للسلطة لمصالح شخصية وحزبية وليس قلبه أو ضميره مهتم بما ستؤول إليه الأوضاع بعد ذلك، ويعتبر أن الفرصة الآن وفي ظل انعدام الرؤية الواضحة وغياب الأمن مواتية لعقد صفقات انتهازية في كل اتجاه للوصول لهذا الهدف، وحين تسمع من كثيرين أن الإخوان المسلمين على سبيل المثال يمدون خيوطهم من تحت الطاولة ومن فوقها للعسكر وأنهم عقدوا صفقات معهم ومع الأمريكان من أجل المشاركة في كعكة السلطة لابد أن تفتح عينيك وأذنيك جيداً لترى وتسمع كافة الأطراف وهي تسعى للكسب وكيف تفعل ذلك وبأي اتجاه وعلى أية أسس.

إن الانتهازية عادة ما تترافق مع فترة الانتخابات سواء كانت للبرلمان أو لغيره من الهيئات والنقابات ...الخ، وفي اعتقادي أن المرحلة التي تمر بها الثورة المصرية حافلة بأشكال الانتهازية والكثير من الانتهازيين، وهم في الواقع يمثلون الخطر رقم ثلاثة على مستقبل البلد بعد فقدان الأمن والفتنة الطائفية. إن مرض الانتهازية وخاصة في العمل السياسي سنراه كأوضح ما يكون في هذه الانتخابات، وحتى تخرج النتيجة النهائية للانتخابات إن جرت فعلاً سنرى الكثير ونسمع الأكثر. كان يمكن تخفيف العقابيل السلبية لهذا المرض لو اتفقت كافة الأطراف على ميثاق شرف لهذه الانتخابات على وجه التحديد، ولكن باتحاد كل الخيرين والشرفاء الحريصين على مستقبل مصر ودورها القومي ورفاهية شعبها يمكن لجم هذه العقابيل وتخفيف آثارها..حمى الله مصر وشعبها.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه