شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-12-11
 

في ذكرى الانطلاقة: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تفتقد أمينها العام ومؤسسها

زياد ابو شاويش

قبل أربعاً وأربعين عاماً كان تأسيس الجبهة الشعبية على يد المناضل الكبير جورج حبش الذي يعتبره شعب فلسطين وكثرة من المناضلين العرب والأجانب قائداً قومياً وأممياً مميزاً أعطى للعروبة ولقضايا الأمة والفقراء والمحرومين جل حياته.

كانت الجبهة الشعبية حين انطلقت منارة الثوريين ومقصدهم وخصوصاً أنها حملت في ثنايا برنامجها السياسي معظم الإجابات على أسئلة المصير الفلسطيني والعربي وكيفية تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية واستعادة حقوقه المشروعة، كما رسمت بأوضح ما يكون صورة فلسطين الديمقراطية كجزء من مجتمع عربي وأمة عربية واحدة، وبهذا كانت الجبهة الفصيل الفلسطيني والعربي الأكثر ملائمة وتعبيراً لقوى اليسار والقوميين العرب على حد سواء.

إن تحديد البعد الطبقي للنضال الوطني وإن ظهر جلياً في برامج أحزاب وتنظيمات أخرى على الساحة الفلسطينية إلا أنه كان في الجبهة الشعبية يمثل الركن الأهم في تحديد مهمات المرحلة وتشخيص حالة الاشتباك مع العدو كما التعارضات الداخلية في الساحة الفلسطينية التي كانت تأخذ أحياناً شكل تناقضات حادة وصلت في بعضها حد الاشتباك بالسلاح والاقتتال.

الحكيم جورج حبش كما يسميه الفلسطينيون، وحكيم الثورة كما وصفه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حرص في مجمل حياته المرتبطة بالجبهة والمتماهية فيها على فتح أوسع نوافذ الديمقراطية وحرية الرأي داخل الجبهة على قاعدة فهم متقدم لأهمية الخضوع الطوعي أو القبول الواعي لتعليمات وتوجيهات تنظيم مقاتل يحمل السلاح في أماكن عديدة حول فلسطين وداخلها وفي بلدان أجنبية يجب أن يكون الانضباط والطوعية سمة المناضلين فيها.

تميزت الجبهة عن غيرها من الفصائل الفلسطينية بأمرين بارزين أحدهما في المجال السياسي ويتعلق بالعمل العربي المشترك، بمعنى ترابط النضال الوطني مع القومي وبالتالي لا غضاضة في إبداء الرأي بل والمشاركة والتعاون مع أحزاب ومنظمات عربية تحمل ذات الأهداف حتى لو أغضب هذا أنظمة عربية بعينها، وقد أوضحت تداعيات تلك الميزة نفسها وتجلت في العديد من الصعوبات والعقوبات التي تعرضت لها الجبهة بدءاً من الاعتقالات في صفوف أعضائها وكوادرها وانتهاءً بإبعادهم عن تلك البلدان والأماكن، ولعل تجربة الجبهة بجمهورية مصر العربية التي تكرر فيها مشهد الاعتقال والترحيل لأفواج كثيرة من المناضلين في صفوف الجبهة دليلاً على ما نقوله في هذا السياق.

أما الأمر الثاني الذي ميز الجبهة فكان في إطار الأساليب النضالية والكفاحية التي حددها برنامج الجبهة التنظيمي والعسكري الذي رفعت فيه شعار "وراء العدو في كل مكان".

وفي مجال التطبيق لهذا الشعار مارست الجبهة أشكالاً متعددة وأساليب متنوعة لا تبدأ بخطف الطائرات ولا تنتهي عند التعاون مع منظمات ثورية عالمية لضرب مصالح الكيان الصهيوني في عدة أماكن من العالم، وقد دفعت الجبهة الشعبية ثمناً غالياً من دماء أبنائها وشهدائها الأبرار لتطبيق خلاق ومبتكر وبتصميم كبير على إلحاق الهزيمة بالعدو لهذا الشعار رغم التغييرات التي جرت على خارطة الصراع الدولية وانتهاء المعسكر الاشتراكي وتبدل المفاهيم الأمر الذي قاد لتبهيت الشعار وإفراغه من مضمونه واضمحلال رافعته البشرية في أوساط الثورة الفلسطينية. ورغم ذلك فإن هذا الشعار وتطبيقه في ملاحقة العدو في كل مكان ما زال يعطي مفاعيله بأهمية متزايدة نظراً للوضع الذي أشرنا إليه بالذات وإن كان لابد من إعادة النظر في الطرق والأساليب لتطبيقه وتجهيز بنية تحتية له قادرة على تحمل تعقيدات الوضع الدولي.

الجبهة الشعبية التي تحتفل اليوم الحادي عشر من كانون أول (ديسمبر) بانطلاقتها الرابعة والأربعين تفتقد مؤسسها العظيم جورج حبش، تفتقد روحه الإنسانية المميزة وهمته العالية وحكمته الكبيرة، كما أنها تفتقد أمينها العام المناضل الفذ والقائد القدوة أحمد سعدات القابع خلف قضبان السجن الانفرادي يسجل مع أقرانه ملحمة صمود فلسطينية رائعة تستلهم أرواح الشهداء الكرام ممن رسموا طريق فلسطين وقدموا النموذج العظيم لشعبهم وأمتهم.

إنها ذكرى تعيد إلى الأذهان صورة فصيل قدم لشعبه وأمته أبطالاً يمثلون قدوة طيبة لجيل لم يعرفهم لكنه يحبهم ويرفع صورهم فوق رأسه، وشهداء لامعين كالشمس في فضاء أمة لازالت تبحث عن طريقة لكسر قيودها واستعادة مجدها الذي أضاعه تفرقنا وانقيادنا وراء زعامات لا تحترم تاريخ أوطانها ولا تضحيات شهدائها.

ذكرى تفرض على المحتفلين بها أن يبحثوا بشكل عميق وجدي عن أسباب تراجع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مجال النضال الوطني والتأثير الجماهيري الذي تميزت به، والتي كان أهم دلالاتها اعتبار الشعب الفلسطيني أن الجبهة الشعبية هي ضمانة التمسك بالقيم الكبرى وبالحق الفلسطيني كاملاً غير منقوص.

الذكرى التي تأتي في ظل حالة فلسطينية يتحكم فيها فصيلان من اليمين يتصارعان على الخيبة والكعكة المسممة، ولا يتركان الفرصة لغيرهما حتى للمشاركة، الأمر الذي يفرض أسئلة على الجبهة يجب أن تجيب عليها بشجاعة وحكمة.

في ذكرى الانطلاقة ينتظر الفلسطينيون أداءً مختلفاً، ينتظرون استلهام تاريخ الجبهة وأرواح شهدائها الأكرمين من أجل الخروج من مأزقنا الراهن وإحكام الطوق على عنق الكيان الصهيوني الذي يعيش حالة فريدة من الحصار قد لا تتكرر لاحقاً.

للجبهة الشعبية ولروح مؤسسها جورج حبش كل التحية والإكبار، ولشهدائها الأبرار محبة شعبهم الذي ما زال يقدم وسيبقى حتى تحرير كامل وطنه.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه