عندما يتم اغراقنا بالحديث عن الديمقراطية ، لا يتساءل احد عن عبثية وغرابة كون هذا الحديث المتامرك المغرب لا يقترن بالحديث عن الاحزاب السياسية في العالم العربي .
فهل عرف هؤلاء الغربيون ديمقراطيتهم بسلة انزلت عليهم من الفضاء ؟
وهل جاء التطور الديمقراطي الا عبر صيرورة طويلة تبلورت فيها شخصية الفرد وانتماؤه المجتمعي ، بدلا من انتمائه الفئوي، وذلك عبر احزاب سياسية واضحة تنظم عملية الصراع الفكري في المجتمع ؟
واذا كان واقع الاحزاب العربية غير ذلك ، فهل يجوز رمي الطفل مع ماء الحمام ( كما يقول المثل الفرنسي ) ؟ ام ان الموقف الصحيح هو اعادة قراءة التجارب الحزبية ، خاصة تلك التي لم تصل الى الحكم . قراءة ربما قادتنا الى جملة من عناصر التشابه ، خاصة بين تلك الاحزاب التقدمية .
قراءة تشكلت من مجموعة تاملات ، عندما دعاني القوميون الاجتماعيون في باريس الى احتفال بمناسبة ذكرى تاسيس حزبهم : تاملات بدات بملاحظة تاريخية فمن الفكر الى الماسسة ، ومن 16 تشرين 1932 الى 16 تشرين 2005 . كم قاوم هذا الحلم وكم قصر عنه الواقع !
من ايمان رجل باجيال لم تولد بعد ، الى اجيال ولدت وكل ما يضمن اجواء الايمان يتهدم من حولها .
من يد رجل اراد ان يرتق جراح امته ، يعالج امراضها ويبلور ذاتها ومن ثم ينظم قواها الفاعلة الى مشارط توسع الجرح وتفعل الامراض تمحو الذات وتبعثر القوى .
فهل ارتحلنا حوالي قرن بين حواف هذه الجراح ليبرز اكثر عظمنا في قاعه ابيض كالموت مكشوفا كالحقيقة؟
هل يمكن لنا الا نقف بصمت كلي في لحظة الذكرى لنسال انفسنا والاخرين : لماذا لم يكن من الممكن وقف العواصف والمعاول ؟
لماذا لم تؤت التضحيات الهائلة التي قدمها المناضلون العرب ، على اختلاف احزابهم وايديولوجياتهم ثمارها كما يجب ، وبتعبير اخر : لماذا كان المردود اقل بكثير من الثمن ؟
لنصل الى اسئلة اخرى : هل كان تاسيس الاحزاب في بلادنا وماسسة فكر يعني الانغلاق والاقصاء ؟
هل كان ذلك مدخلا للجمع ام للتفريق ؟ جسرا للانتشار الاوسع ام للاقتصار الفئوي ؟
الاسئلة ككهوف الساحرات ، واحدها يؤدي الى الاخر ولذا فلنتوقف هنا كانت الطاقة التدميرية للعاصفة اكبر من الطاقة الدفاعية لاي حزب وللامة ، ولكن عدم انكار المؤامرة الخارجية لا يجوز ان يسمح لنا اطلاقا بالاتكاء عليها ورمي كل شيء على ظهرها . كما ان احدا لا يستطيع ان ينكر دور اجيال المناضلين في مقاومة الدمار .
غير اننا لا نستطيع ان ننكر ايضا ان قدرا كبيرا من الطاقات قد تبعثر نتيجة ظروف وعقليات منها ما يتعلق بالداخل ومنها ما يتعلق بالخارج .
واذا كانت ماسست الفكر في حزب سياسي واضح التنظيم دقيقه امرا ضروريا ، فذلك لايمان ووعي بامرين اساسيين : الاول ان ما من شيء يمكن ان يطلق طاقات الامة الكامنة الا اطلاق الصراع الفكري المنظم والحر . والثاني ان الماسسة هي قاعدة الانطلاق لكل مشروع تحديث وبناء يعبر بامة خارجة من قيد الاستعمار والتفتت الى ساحة الامم الحرة المتقدمة . يضاف الى ذلك مسالة خاصة بنا هي المواجهة المفروضة مع المشروع الصهيوني ، حيث لا يمكن مواجهة حركة منظمة كالحركة الصهيونية الا بحركة منظمة مماثلة( وذاك ما كتبه انطون سعاده من الثلاثينات ) .
من هنا فان اهم ما علينا ان نفعله هو محاسبة النفس على كل من هذه الاسس. ومن ثم العبور الى محاسبة اخرى على مسالتين الاولى تتعلق بسؤال الجمع والتفريق ، والثانية تتعلق بسؤال الانتشار .
ان اهم نظريات الاستراتيجية الصهيونية بالنسبة لنا هي استراتيجية التدمير الذاتي : حيث تقوم الطائفية ، والعرقية الاثنية ، والفئويات على اختلافها بتامين تدمير يفوق ما يستطيعه العدو ، ولا يكلفه شيئا . ولنعترف اننا نحن في كل الاحزاب العربية - ونحن نحارب بكل قوانا هذه الامراض المدمرة ذاتيا - مارسنا من جهة اخرى سياسات تدمير ذاتي بحق انفسنا . وعلينا ان نراجعها اما الانتشار ، فالحزب الذي يعتبر نفسه حركة هو حزب الامة ، ومن هنا فهو مطالب بأمرين معا : الحفاظ على الماسسة والنظام ، لكن مع الانفتاح الكامل على جميع الحركات الاخرى والمواطنين الاخرين .
فكم منا كان كذلك ام اننا تخندقنا ورحنا نطلق النيران حتى غطى الغبار وجوهنا وحجب واحدها عن الاخر ، بل ووقعنا في خطا المذهبية ؟ ويبقى جانب قد يكون الاهم لانه الجانب المتعلق بمعنى النهضة ، وهو ان الماسسة لم توضع لذاتها ، وانما لتكون مدخلا لدفع وتفعيل الابداع وضمانا لضبط التقدم، ولتنظيم الساحة الوطنية على اساس حرية الصراع الفكري المنظمة .
فدفع وتفعيل الابداع يؤمنان التقدم والنظام يؤمن ضبطه لتحقيق الارتقاء الحضاري . دون ان يكون المقصود من الضبط تقييد الطاقات او الحريات الخلاقة . وهنا لا بد لنا ايضا من ان نتساءل حول كفاية الحصة التي منحتها الاحزاب لعملية الابداع الثقافي والعلمي : من الاداب على اختلافها الى الفنون على اختلافها الى البحث العلمي في جميع المجالات ، خاصة تلك التي يقصر عنها الاخرون عن قصد او عن غير وعي . الى التطوير اللغوي ، واللغة روح الامة الناطقة ، وحاضنة حضارتها وثقافتها.
اما خوض ساحات الصراع الفكري فهو السبيل الوحيد لبلورة بداية المشروع الديمقراطي ، الذي يبدأ من بلورة فكر وشخصية الفرد في اطار انتمائه الى الجماعة - الامة ، بدلا عن شل فكره وتذويب كيانه في كيان الطائفة او القبيلة او الجماعة الاثنية .
انها لمعركتنا الكبرى المستمرة الى مدى غير منظور ، لانها معركة البناء مع الهدم وما يتم هدمه اهم من المادة واهم من الافكار ، ان هو الا منظومة قيم تشكل خصوصية الخط الفكري لكل امة من امم العالم . معركة جوهرها الحقيقي هو الحفاظ على الذات من الاندثار الكلي في طوفان تهويدي وهلامية عولمية. توضع في خدمة تنفيذ مخططهما كل الامراض التي يتوجب على الفكر الحزبي ان يحاربها ، وعلى راسها الطائفية والعنصرية الاثنية ، والتخلف والتبعية للثقافيين ، والفساد بمختلف اشكاله ، وكله في حضن تجزئة ندين بها لوزيرين اوروبيين ، وثقافة سوق ندين بها للامبراطورية الجديدة.
|