إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

معارك شبعا على ضوء التطورات الداخلية في مصر والكيان الصهيوني و(العراق)‏

محمد باقر شري ‏ - الديار

نسخة للطباعة 2005-11-24

الاقدار «الاميركية» انتدبت القاهرة كمحور لاحتواء الازمات الشرق اوسطية..‏



اذا كان اقتحام الاليات الاسرائيلية لخطوط التماس مع المقاومة في جنوب لبنان، وفي منطقة ‏مزارع شبعا بالذات، هو الذي دفع المقاومة ان تصب جام صواريخها المتواضعة على محيط المكان ‏الذي تم فيه الاقتحام الاسرائيلي واسفر ذلك عن استشهاد اربعة ابطال لبنانيين وتدمير عدة ‏آليات للعدو والحاق اصابات بالجنود الاسرائيليين، اعترف الاسرائيليون انفسهم بـ20 اصابة ‏منها، دون الافصاح عن القتلى الذيي سقطوا كعادة اسرائيل في التقليل من عدد قتلاها، فان ‏ذلك بحد ذاته كان كافياً رغم «رمزيته»، لان ينعش الآمال العربية من المحيط الى الخليج ويذكّر ‏العالم كله بأنه لا يزال لدى العرب من يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها الاحتلال نفسه وظن ‏انها اصبحت «خطوطاً مرصودة» يستعصي تجاوزها على الأنس والجن!‏


اما اذا كانت المقاومة قد بادرت هي الى قصف المواقع الاسرائيلية لكي «تسخن» «الجبهة ‏الشمالية» بالنسبة لاسرائيل والجنوبية بالنسبة للبنان، في حين تدعو واشنطن الى «ضبط ‏النفس» فان هذا يكون من اولى «بشائر» الايجابيات الخارجية لما وقع على حدودنا في الارض ‏المحتلة. اما الايجابيات الداخلية فتتمثل بصدور اول تصريح واضح من رئيس الحكومة، وتكتل ‏المستقبل يجاري اتجاهات الصمود في وجه الضغوط العسكرية الاسرائيلية، بانتظار اظهار ‏الصمود السياسي في وجه الضغوط السياسية الاجنبية المساندة لاسرائيل، والتي تهدف الى حمل ‏لبنان على الارتداد على ثوابته الوطنية.‏


وقد تزامنت تطورات الحدود مع احداث متلاحقة على الساحة العربية بدءا من عقد المؤتمر ‏التحضيري للمصالحة الوطنية العراقية في القاهرة، مع المرحلة الثانية من الانتخابات ‏العامة المصرية. وكان من المفارقات التي اختلط فيها السلبي بالايجابي، ان تتواصل المحادثات ‏بين العراقيين باشراف من الجامعة العربية، وعلى اصداء خطاب الرئيس حسني مبارك الذي ‏القاه في المؤتمرين، حيث بدا الرئيس مبارك وكأنه يكمل ما بدأه وما تعودت عليه القاهرة ‏في السنوات الاخيرة من بذل دور الوسيط في النزاعات العربية ـ العربية والعربية ـ ‏الاسرائيلية والعربية ـ الدولية. ولا يستطيع المراقب للدور الذي قامت به القاهرة ‏بالتنسيق مع الجامعة العربية في المسألة العراقية، ان يفصل هذا الدور عن الادوار التي ‏سبق للقاهرة ان قامت بها من حيث جمع الفصائل الفلسطينية المسلحة والتوصل معها الى ‏‏«هدنة» مع اسرائيل، وهو امر كان يبدو في نظر المراقبين منذ «الهدنة الاولى» بين الفلسطينيين ‏والاسرائيليين، وكأنه ضرب من المستحيل. ولكن «الحاوي» المصري احتوى هذه الخلافات وجعلها ‏تبدو وكأنها خدمة لجميع الاطراف، حيث يأخذ الفلسطينيون «فترة سماح وتنفس» ويتحقق حلم ‏الاسرائيليين بما يشبه وقف اطلاق نار دائم من جانب الفلسطينيين في حين تحتفظ اسرائيل بما يصح ‏تسميته في تعبير ساخر «دينامية الارهاب الرسمي» حيث يتواصل اغتيال الناشطين من القيادات ‏الفلسطينية في حين يستمر توقف العمليات وردود الفعل الفلسطينية على التصفيات ‏والاعتقالات ضد الفلسطينيين، على نحو ساعد على محاولة ترتيب الوضع السياسي الداخلي في ‏اسرائيل، وجرت التغييرات القيادية من حيث فوز من لم يكن يتوقع احد فوزه في قيادة حزب ‏العمل الاسرائيلي، وحصول ما يبدو انه كان متفقاً عليه بين مختلف الفرقاء المتنازعين على ‏السلطة، والقاضي بحل الكنيست وتحديد موعد للانتخابات خلال ثلاثة اشهر، واستقالة شارون من ‏تكتل الليكود رغم انه يقف هو على رأسه، بحيث يبدو وهو يفصِل نفسه عن هذا التكتل وكأنه ‏يفصِل هذا الحزب عن نفسه! اي انه هو «المحور» وليس تكتل الليكود هو المحور.. ولكي يتجنب ‏مصيراً مثل مصير شيمون بيريز في حزب العمل حيث انتصر عليه قيادي لم يكن انتصاره في الحسبان، ‏فيجمعهما خط التهميش كل داخل الحزب او التكتل الذي ينتمي اليه، والسير قدماً نحو تأليف ‏حزب جديد، يتحول فيه زعيم حزب العمل السابق شيمون بيريز مؤتلف شخصياً مع زعيم الليكود ‏الهارب من التكتل الذي يتزعمه، نحو تأليف حزب كان قد اعد العدة لتأليفه بحيث يستطيع ان ‏يدّعي امام الرأي العام الاسرائيلي بأنه واثق كل الثقة من العودة الى رئاسة الوزراء ‏بعد الانتخابات على «حصان ابيض»، وليثبت أن «شخصيته الدموية» تستطيع ان تتلاعب ‏بالوضع السياسي في اسرائيل وتطوعه لارادتها وتخرج من عملية خلط الاوراق بفوز ساحق.. وان ‏كانت المفاجآت غير مستبعدة، بحيث ينقلب السحر على الساحر، وتكون نهاية شارون السياسية، ‏قد تمت «بطريقة سلمية ديموقراطية»! وان كانت حصيلة هذه «اللعبة» التي تهدف في محصلتها الى ‏تأجيل الاستحقاقات المتعلقة «بخارطة الطريق»، واعادة رسم صورة اسرائيل الداخلية ‏والاقليمية والدولية على النحو الذي يخطط له ويرتئيه «حكماء صهيون»! على موازاة ذلك، ‏فان الوضع الداخلي في مصر الكنانة، يتبلور انتخابياً عبر تصاعد نجم الاخوان المسلمين ‏انتخابياً على نحو لم يكن مسبوقاً من قبل: ليس لأن الاخوان المسلمين قد استجدّت عندهم هذه ‏القوة فجأة. فلقد كانت هذه القوة متوفرة لديهم من قبل، ولكن عزوفهم عن خوض المعركة ‏الانتخابية بشكل مباشر وعلى نحو واسع، كانوا يستعيضون عنه بتقديم مرشحين متعاطفين معهم ‏او «حلفاء» لهم.. ولكنهم على الارجح قد لمسوا في المدة الأخيرة تشجيعاً على خوض معركة ‏انتخابية سافرة ومباشرة «ومبارزة» الحزب الوطني الحاكم مبارزة سافرة، متجاهلين كونهم ‏حزباً غير معترف به من «الناحية الشرعية» الرسمية، مستفيدين من جنوح النظام الى نوع من ‏المرونة السياسية فرضتها عليه الظروف الداخلية والاقليمية والدولية، دون ان يجد اقطاب ‏‏«لعبة الامم» ضرراً من تقدم الاخوان المسلمين سياسياً وانتخابياً، وخاصة ان اتصالات سرية ‏ومعلنة قد جرت بين «قيادات اخوانية» وقطب «لعبة الامم» الاول: الولايات المتحدة الاميركية، ‏تمت خلالها طمأنة واشنطن الى ان الاخوان المسلمين وان كانوا يرفعون شعار «الاسلام هو الحل» الا ‏انهم قد «اعتبروا بالتجارب» وانضجتهم المحن التي مروا بها، وقدموا انفسهم على أنهم «اكثر ‏واقعية» مما كانوا عليه من من قبل، ان وجود كتلة اسلامية من النواب في مجلس الشعب المصري ‏سوف يشكل عنصراً ضاغطاً على ما تبقى من النظام بشخص رئيسه حسني مبارك، وليس بالحزب ‏الوطني الذي ذاق مرّ الهزيمة في دوائر اساسية. كان من ابرز الامثلة عليها ان «الزعيم ‏التاريخي» لحزب التجمع المصري احد ضباط مجلس قيادة ثورة 23 يوليو الذي بقي على قيد ‏الحياة السيد خالد محي الدين قد هزم شر هزيمة على يد مرشح للاخوان، وهو امر يقابله ‏الرأي العام المصري بفرح متحفظ، واما الفرح فسببه ان الناخب المصري يسترد بذلك بعض ‏الثقة بنفسه من حيث قدرته على التغيير، وهزيمة شخصيات بارزة امام مرشح لم يكن معروفاً ‏من قبل. واما التحفظ فمرده الى ان سقوط آخر «حبات العنقود» من رموز ثورة 23 يوليو ‏يحدث نوعاً من الصدمة النفسية لدى من لا يزالون يتعلقون بامجاد ثورة 23 يوليو، التي نفخت ‏في الشعب المصري روح الاعتزاز والشعور بالكرامة الوطنية، حتى لدى الذين اضيروا من هذه ‏الثورة، ورغم ان محناً كثيرة تعرضت لها الثورة في عمليات المد والجزر في سياق الثورة ‏المصرية، والانتصارات والهزائم التي مرت بها!‏


ولكن العنصر الايجابي الابرز في المرحلة الثانية من الانتخابات المصرية، هو ان امين عام ‏الحزب الوطني الحاكم يوسف والي قد سقط سقوطاً مدوياً وكان الفارق في الاصوات بينه وبين ‏منافسه الاخواني ـ ولا نقول «الاخوانجي» وهو تعبير يستخدمه الذين يكرهون طروحات الاخوان ‏المسلمين ـ كان فارقاً اسطورياً: فلقد نال مرشح الاخوان ما يزيد عن الـ70 الف صوت بينما ‏نال يوسف والي امين عام الحزب الوطني الحاكم حوالى 10 الاف صوت فقط اي ان اصوات مرشح ‏الاخوان تساوى سبعة اضعاف ما ناله يوسف والي. اما السر في ذلك هو ان يوسف والي من ‏الشخصيات القليلة التي «ظهرت» على الساحة السياسية المصرية منذ اطلالة عهد الرئيس ‏السادات والتي تجاهر بالتعامل والتطبيع مع اسرائيل.. واغلب الظن ان قواعد الحزب الوطني ‏الحاكم الشعبية بالذات، كانت قد اسهمت في اسقاطه، لأن الشعب المصري «بسجيته» الوطنية ‏المعروفة عنه تاريخياً، رغم طبع المصريين السهل وغير الميّال الى العنف الا انه لا يطيق الانحراف ‏عن الثوابت الوطنية، وهو مستعد لاتخاذ مواقف متشددة ضد الانحراف، اذا ما طفح الكيل.. ‏واذا كان الرأي العام المصري قد تحمل بقاء الرئيس حسني مبارك على رأس السلطة في مصر، الا ‏انه ليس ميالاً بالضرورة الى ابقاء شخص يجاهر بما يتنافى مع ثوابته الوطنية في منصب الامين ‏العام للحزب الحاكم الذي يصف نفسه بالحزب الوطني!‏


وعلى ايقاع هذه التطورات الانتخابية والسياسية الداخلية المتلاحقة في كل من مصر والكيان ‏الصهيوني، استمرت اعمال ومناقشات المؤتمر الذي عقد حول مصير العملية السياسية في العراق ‏في كنف الجامعة العربية وبرعاية خاصة من القيادة السياسية المصرية التي جسدها خطاب ‏الرئيس مبارك في افتتاح «المؤتمر التحضيري» العراقي للمصالحة الوطنية الذي سيعقد في اواخر ‏شهر فبراير شباط في بغداد، اي بعد ان تجري الانتخابات العامة ويقوم مجلس وطني عراقي جديد ‏تنبثق عنه حكومة جديدة.‏


ولكن ماذا ينفع رئيس الولايات المتحدة ان يزور اليابان والصين وكوريا الجنوبية ‏ومونغوليا، و«يلف ويدور» في اصقاع الدنيا التي يعتبرها «ملعبا اميركيا» اذا كان ‏الكونغرس الاميركي يطالبه باخراج بلده من ورطتها العراقية والشرق اوسطية؟! وبعبارة ‏اخرى: ماذا ينفعه حتى لو «سيطر» على العالم لم يستطع ان يسيطر على الكونغرس!‏



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026