الشريط الذي عرضته محطات التلفزة أول من أمس للمخطوفين اللبنانيين في سورية ما زال موضع متابعة من الجهات المعنية لا سيما الأهالي الذين يتحرقون لمعرفة نهاية هذه المأساة، بالرغم من عامل الإطمئنان على صحة مفقوديهم التي ظهرت في التسجيل المصور.
كثير من المعنيين غاص في محاولة معرفة المقصود من بث الشريط وارساله مع ما تضمنه الى وسائل الإعلام. لكن الانطباع السائد ما زال في منزلة بين اثنتين: بين التفاؤل والتشاؤم، التفاؤل برؤية هؤلاء أحياء يرزقون وبصحة جيدة، والتشاؤم حول موعد إطلاقهم، إذ يبدو ذلك بعيدا نسبياً ومرتبطاً بعوامل أمنية وسياسية، وهما العاملان اللذان خُطفوا على اساسهما ليصبح الحل من خلالهما، ولكن كيف؟ خاصة على ضوء ما تردد حول إصابة الموفد العربي الذي افادت المعلومات انه انتقل الى الحدود التركية – السورية لمفاوضة الخاطفين ما استدعى «تأجيل إطلاق المختطفين أياماً»، ودائماً بحسب ما أفيد. وهنا لا بد من التساؤل حول هذه الإصابة المفاجئة للموفد العربي الذي من المفترض أن انتقاله الى المنطقة يقتضي ترتيباً قد يصل الى حدود تجميد كل الأمور بما فيها العمليات العسكرية الى حين انتهاء مهمته بالحد الأدنى وذلك على اقل تقدير.
ما قاله المخطوفون الواحد تلو الآخر بدا عادياً الى حين ما قاله المخطوف عباس شعيب الذي استرسل في شرح وضعهم، معلناً موقفاً سياسياً يتصل مباشرة بالأزمة الناشبة في سورية. وهذا يعني ان النقاش الأساسي الذي يخوضه الخاطفون يدور حول انتماء هؤلاء السياسي وموقفهم من الحوادث الجارية في سورية، إضافة الى رأيهم بالجماعات المسلحة التي تخوض الحرب في الداخل نيابة عن دول التحالف العربي – الغربي الذي صعد من وتيرة هجومه عبر المجازر، ليجد مبرراً كافياً لإكمال حملته السياسية الدولية وصولا الى قرارات يلمح بها لا تحمد عقباها على المدنيين.
الإعلان الذي قدمه المخطوف شعيب يعبر بما لا يدع مجالاً للشك بأنه تعرض لضغوط كافية لكي يقول ما قاله، وأن نفيه لتلك الضغوط يأتي على قاعدة النفي في معرض التأكيد، إضافة الى أن التهديدات التي قد يكون تلقاها من الممكن أنها تتجاوزه على المستوى الشخصي، وأن الهدف من ذلك هو الحفاظ على أرواح من معه، إذ انه يعتبر نفسه مسؤولا عنهم لاعتبارات عدة، أو قد يكون هدفه تجنيبهم التعذيب الذي يمكن أن يتعرضوا له في حال لم يدل بما أدلى به. إلا أن عرض الشريط وما تضمنه وما أطلقه فيه شعيب من كلام يمكن تفسير كل ذلك على الشكل التالي:
أولاً: إن ظهور المخطوفين بالحالة التي ظهروا فيها وإيراد أحدهم في حديثه تاريخ التسجيل وهو حسبما قال إنه جرى في 5 – 6 حزيران، يفيد أن الـ 11 مخطوفاً بخير وعافية، وهذا ما يُلزم الخاطفين الحفاظ على حياتهم ويحملهم المسؤولية، بما في ذلك إبعادهم عن أماكن التوتر التي من الممكن أن تعرضهم للخطر نتيجة الحوادث الجارية في غير منطقة من البلاد. ولكن في هذا السياق، لا بد من ملاحظة أن المخطوفين يجلسون في مكان يبدو بعيدا نسبياً عن أماكن التوتر وهو كما قيل في قرية تركمانية عند الحدود التركية – السورية تدخلها المخابرات التركية بكل سهولة وتنسق مع الجماعات المسلحة فيها وتؤمن احتياجاتها من السلاح والذخيرة والمواد الغذائية وغيرها. فيما تناقلت وسائل الإعلام أن المنطقة التي هم موجودون فيها تتعرض لقصف واشتباكات عنيفة ما يظهر تناقضاً بين الصورة والحديث عن طبيعة الأجواء السائدة هناك.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة الى أن السلطات التركية التي تقول إنها تتابع القضية عن قرب من أجل حلّها هي قادرة على ذلك ساعة تشاء، فتلك الجماعات لا تخرج عن طوعها باعتبارها الراعي المباشر لها لا سيما ان اصولهم تركمانية. لكن بعض المصادر الأمنية أشارت الى أن المخطوفين موجودون في الجانب السوري من الحدود بطلب تركي منعاً للإحراج السياسي ولمنح القضية المهلة الكافية لتحقيق الأهداف التي حدثت من أجلها والتي غيرتها وقائع التسريب الإعلامي والمتابعة الإعلامية والأمنية وردود الفعل التي رافقتها وخاصة الطريقة التي قوبلت بها سياسياً وتحديداً من قبل حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله.
ثانياً: ما قاله المخطوف شعيب حول دعم الشعب السوري لا يختلف عليه اثنان، إلا أن الجزئية التي تناول شعيب فيها «الثورة» في سورية ودعوته اللبنانيين لاعتماد نهجها، يلقي عن كاهل الجهة السياسية التي يحملها الخاطفون مسؤولية عملية الاختطاف في لبنان، لا سيما منهم السيد نصرالله نفسه الذي طُلِب منه الاعتذار بحسب البيان رقم (1) وغمز هؤلاء من قناته في البيان رقم (2) الذي اذيع عقب عرض الشريط المسجل.
الأسئلة التي تطرح بعد هذا العرض هي ماذا يريد هؤلاء من المخطوفين بعد حصولهم على تأييدهم، ولماذا الاستمرار باحتجازهم، وما ضرورة أن يعتذر الأمين العام لحزب الله إذا اسقطت عنه المسؤولية السياسية بإعلان دعمهم لـ»ثورة» الخاطفين؟ ناهيك عن أن السيد لن يعتذر وهذا ما يريده هؤلاء الشرفاء الذين يحاولون تقديم كل ما من شأنه لإبعاد كأس الذل عن المعلم الذي لقنهم على مدى سنوات شعار «هيهات منا الذلة».
إذا لم تكن نهاية هذه المأساة قريبة، فإن الشريط المذاع قد سجّل فشلاً جديداً لأهداف الخاطفين في وقت لن يمنحهم فيه إلا المزيد من تحمّل المسؤولية حيال مجموعة الحجاج الذين يقولون ربنا الله وما يزيدهم إلا إيماناً.
|