| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2012-09-17 |
الذكرى الأليمة..أوسلو وحزن لا ينتهي |
|
حين تتراءى لي اليوم وبعد هذه السنوات العجاف يد المرحوم ياسر عرفات وهو يمدها لمصافحة الإرهابي اسحق رابين في البيت الأبيض بواشنطن أشعر بغصة في حلقي وبحزن عميق يلف روحي ويتلون يومي بسواد حالك لا أخرج منه إلا بصعوبة. اليوم الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) تمر ذكرى توقيع اتفاق أوسلو الذي شرع لليهود وطناً في فلسطين على حساب شعبنا وحقوقه وتاريخه يقف المرء حائراً أمام تلك الواقعة الخارجة عن مألوف حياتنا وتقاليدنا وبرنامجنا الوطني، بل والخارجة عن تراث عظيم لشعب فلسطين الذي قدم أكبر التضحيات وأجلها من دماء بنيه وأرواحهم من أجل استرداد الكرامة قبل الوطن. يمد الراحل عرفات يده بشكل مهين فيتردد ذلك العنصري الذي اشتهر بتكسير عظام الشباب الفلسطيني وأذرعهم وسيقانهم في الانتفاضة الأولى قبل أن يصافح اليد التي تعطيه القسم الأكبر من أرضنا، مع ضرورة التنويه هنا أن أحداً لم يفوض أي قائد أو زعيم فلسطيني بالتخلي عن شبر من بلدنا ناهيك عن 80 بالمئة منها. اليوم وفي ظل الذكرى الأليمة كبر الصغار الذين ولدوا في ذلك العام المشؤوم ليصبحوا رجالاً يواجهون واقعاً مريراً هو نتاج ذلك الاتفاق الخياني والمهين، والمتنكر لدماء الشهداء والأسرى. اليوم يتساءل هؤلاء ومعهم كل الناس من مختلف الأجيال عن ماهية ذلك الاتفاق ولماذا قبل قادة فلسطين وثوارها بتلك القسمة الظالمة، والأهم هو السؤال: لماذا جرى إهمال القضايا الرئيسية كالقدس وحق العودة وتقرير المصير والسيادة والهوية الوطنية وإحالتها لوقت لاحق رغم أنها تمثل جوهر القضية وأساسها؟ الإجابة عن هذه التساؤلات يكتبها للأسف كل يوم أصحاب الأقلام المعروفة بتعدد ألوانها وباستفادة أصحابها من ذلك الاتفاق السيئ والدامي. إجابات لا ترقى لمستوى اصغر تضحيات شعبنا وأمتنا العربية من أجل فلسطين والقضية، وأنا هنا أقصد بالأمة الشعب العربي وليس أنظمة الردة التي باعت فلسطين وتخدع جماهيرها صباح مساء. لقد كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في نهايتها حين استشعر عرفات التحول في مسارها تجاه الانكسار بسبب بات يعرفه الجميع اليوم وهو أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في وقتها عبثت بطريقة مريعة بهذه الانتفاضة وحولتها إلى أداة تفاوض سياسي رخيص مع العدو بدل أن تعتبرها جوهر المشروع الوطني وأهدافه في الحرية والاستقلال وبدل أن تعزز الدعم للعمل الجماهيري وانخراط الجميع في العملية الكفاحية لعبت على تناقضات الواقع واكتفت بالتعامل الانتقائي مع قادة ميدانيين لم يحسنوا إمساك الوضع أو تجديد أدوات العمل والتكتيك الذي يبقي الشعلة متقدة، وفي ظل هكذا حالة وإدراك القيادة أن الأمور قد تفلت من يدها سارعت بعمل ممر آخر غير المسار المرتبط بمؤتمر مدريد واتفقت من وراء ظهر الشعب على الاعتراف بالكيان الصهيوني مقابل اعتراف شكلي من العدو بأن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الشعب الفلسطيني، وهكذا ولد اتفاق العار في أوسلو الذي نرى نتائجه الكارثية على الأرض، ولا نجد من تلك الأقلام ذات الألوان المتعددة أي كلمة تتناول تلك المرحلة وذلك الاتفاق بشكل صحيح ومنصف لتاريخنا وشرعية نضالنا من أجل حقوقنا في وطننا وحقوق أمتنا في مقدساتها وما ألحقه العدوان بها من تقسيم وزرع الفتنة. إن اتفاق أوسلو مهد الطريق للدولة العبرية لتصل إلى حالة الانفراج الذي تعيشه اليوم بدل الحصار والتعرض لمقاتلين أشداء مصممين على هزيمتها واسترداد كرامة شعبهم وحقوقه وفي طليعتهم أؤلئك الاستشهاديون الأبرار الذين قدموا للعالم أروع الأمثلة للفداء والتضحية والشجاعة. لقد استفادت "إسرائيل" من الاتفاق بطريقة هائلة ليس أكبرها الاستيطان والمستوطنات، حيث القدس وسرقة الأرض والمياه واعتقال المناضلين وتحويل الضفة الغربية لمستنقع آسن للعمل الوطني مع ظهور المطبعين الذين وجدوا ضالتهم في تهاون القيادة الفلسطينية مع نشاطهم التخريبي وفي ضعف تصديها للعدوان على القدس كما للتطبيع. ولا ننسى هنا الطامة الكبرى المتمثلة في ارتهان معظم شعبنا في الداخل للمساعدات التي تقدمها دول الغرب الرأسمالي الامبريالي وانصياع السياسة الفلسطينية الرسمية لما يمليه عليها هؤلاء الداعمون للكيان الصهيوني منذ نشوئه عام 1948. الذكرى مؤلمة بكل المقاييس والاتفاق ظالم لشعبنا وامتنا بكل المقاييس فما العمل؟ أمام شعبنا ومعه كل مواطن عربي شريف طريقان فإما أن يرفض الاتفاق ويمارس هذا الرفض عملياً بما يعنيه ذلك من عودة لأصول البرنامج الوطني الذي يجمع القواسم المشتركة لبرامج الفصائل المقاتلة والذي تلخصه بنود الميثاق الوطني الفلسطيني بما في ذلك رفض الوجود من الأساس لدولة الاحتلال واعتبار الكفاح المسلح الأسلوب الرئيسي لاستعادة الحقوق أو القبول العلني والصريح لاتفاق أوسلو وما يترتب عليه من تساوق مع كل ما تمليه علينا الولايات المتحدة الأمريكية. لقد جربت القيادة الفلسطينية الحالية والسابقة أن تلعب بين الحارات والتفاصيل وأن تتذاكى وتغلف خيبتها بالكلام الفارغ عن سلام الشجعان والمرونة التاريخية فما نفعها التحذلق ولا المساكنات غير المشروعة مع تجار أمريكا ومروجي سياستها في المنطقة، وقد حان الوقت للتراجع وإنهاء حزن دفين في أرواحنا طال أمده وأعتقد أن شعبنا وشهداءنا يستحقون منا أن نراجع ونتراجع ونبدأ من جديد.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |