إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أرياحُ الهمجية الأميركية تتلاشى أمام نورانية الحضارة السورية

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2012-10-10

الارشيف

لا أخفي الاستغراب أوالحيرة التي كانت تنتابني كلما كنت أقرأ مقالة " ســقـوط الـولايات المتحـدة من عالـم الانسانية الأدبي " للعالـم الفيلسوف أنطـون سـعاده التي نشـرتها مجلـة المجلـة في سنـتها العاشرة عدد مايـو عام 1924 التي كانت تصدر في سان باولـو-البرازيـل ، والتي جاءت رداً على موقـف الأميركيين من مصادقتهم على انتداب فرنسا لسوريا حيث قال : " نعتقد أن الشيء الوحيد الذي كان ينقص الأميركيين هـو ايجاد أمور تـنـفـِّر السوريين منهم،وتحملهم على كرههـم.فكـل ما قـام في الماضي من الأمور المقصودة وغـيـر المقصودة لتحـويل السوريين عـن محبتهـم للأميـركيـين كانـت نـتيـجتـه الفشـل التـام ، أمـا الآن فالأميـركيـون أنفسهم نجحـوا وكان نجاحهم باهراً جداً.

انهم أرادوا أن يكـونـوا مكروهين من السوريين، واننا نـقـِّر بأنهـم نالـوا ما يـبتـغـون." الى أن يقـول :"وغـداً اذا لاقى الأميركيون من الوطنيين السوريين اعراضاً ونفوراً جزاء اقدامهم على امتهانهم كـرامة سوريا فـقـد لا يمنعهـم شيء عـن أن يتهمـوا السوريـين بالتـوحش والهمجـية وان ينسبوا اليهم كل فرية هم براء منها . من يمنعهم ؟ أضمائرهم وقـد ماتت ؟ أقلوبهم وقد تحجرت ؟ أعواطفهم وقد اضمحلت ؟ أأدمغـتهم وقد نضبت ؟ أانسانيتهم وقد أمحلت ؟ أنوابغهم المصلحون والأرض خلاء منهم الآن ؟ لا. لا شيء ،ولا أحد يمنعهم.وغداً يسجل التاريخ أن الولايات المتحدة العظمى قـد سقطـت من عالـم الانسانية الأدبي كما سقطـت فـرنسا العظمى . ولتكن الولايات المتحدة على ثقة من أن الدولارات مهما كثرت وفاضت فهي لا يمكنها أن تعمي بصيرة التاريخ ".

وينهي سعاده مقالته برؤية مستقبلية لن يستطيع أحدٌ مهماعظمت سطـوته ونفـوذه وجـيـوشـه حجبها عـن أبصار وبصائـر الأحـرار المستنيرين قائلاً : " في الساعة التي أمضـت الـولايات المتحـدة صك المصادقــة على استعـمار فـرنسـا لســوريا مـع ما تعـلمه بما يحـل بسـوريا من ويـلات ذلك الاستعـمار أمضى التـاريـخ حكمـه ، وسقطت الولايات المتحدة سقوطاً أدبياً مخجلاً ، وستظل الـولايات المتحـدة ساقطة الى يـوم يغـيّـر فيه الأميـركيـون ما بأنفسهم . ومهما يكن من الأمـر فان حادثة هـذه المصادقة لطخة سوداء في تاريخ الـولايات المتحدة لا يـزيلها منه شيء حتى يـزول التاريخُ نفسه ".

نعـم ، كنت في كـل مرة أقرأ المقال المذكور المتقـدم تختلط الأسئلة والأفكـار والشكـوك والتحليلات والتبـريـرات في رأسي فأتساءل في نفسي : أيعقل أن يصل عالم مثل أنطون سعاده الى كتابة هذا المقال وهـو الـذي اتصف بأبعـد ما يكـون من نـزاهـة العالـم في التحقـيـق والـدراسة والاختبار والاستقصاء والاستنتاج والتـرفــُّع والتقـريـر، وبأخلص ما يتمتع به الانسان الحكيم من صدق النيّة والقول والفعل والسلوك؟أيعقل أن يصدر مثل هذا الحكم عن فيلسوف انساني رائد في فكره المتقـدم كسعاده وهو الذي تميّـز وامتاز بأصدق ما اكتشفه عالـم فـيلسوف من حقائـق النشـوء والاجتماع ، وبأرقى ما رسمتـه مخيلـة عبقـري لحياة انسانية راقية ، وبأجمـل ما رمت الى تحقيقـه نفسيـة فيـلسوف انسـاني من قـيـَم ومطامـح ومُـثــُل عـليا لأمتـه ولجميع الأمم ؟ وهـل يتـوافـق موقـف سعاده مع روح القانـون الانساني الذي يعتبر الانسان المتهم بريئا حتى تثبت ادانته ؟ أومع المناقبية الأخلاقية التي تـُركـّز على العناية بالمخطيء وإصلاحه وليس ادانته ؟ أو مع الـروحية الدينية الالهية التي تقـول بأن الله وحـده هـو الذي يفصل بين الناس يوم الدينونة والحساب ؟

ولهـذا وجـدت نفسي ملزما بتقصي سلوك وتصرفات وأعمال دولة الـولايات المتحدة الاميركية منـذ نشوئها وحتى يـومنا هـذا مراجعاً تاريخها ، باحثاُ مستطلعاً مستقصيا حقيقة ممارساتها تجـاه نفسها وتجاه الشعوب التي احتكت بها وتعاملت معها حتى هذه الأيام لأقف على حـقـيقـة ما الـذي جعـل سـعاده يُجـرّد دولـة الـولايات المتحـدة والأميـركيـين من جـميـع المـزايا الانسانيـة الـراقـيـة بحيـث وصف سياسيـيهـا القائمين على ادارتهـا وتـوجيههـا ومنفـذي سياساتـهـا باصحاب ضمائـر ميتة ، وقلـوب متحجـرة ، وعـواطف مضمحلة ، وأدمغة ناضبة ، وانسانية ممحلة ، حتى خلت الأرض من نوابغها الصالحين المصلحين .

والحـقيقـة أن من كانـت صفاتـه صفـات تلك الضمائـروالقـلـوب والعواطف والأدمغة والمُحل الانساني لا يمكننا أن نستغرب اتهامه لأمة حضارية كالأمة السورية بالتوحش والهمجية، وأن ينسب لها كل فرية وكل مثلبة. خصوصاً عندما نعرف أن صاحب تلك الصفات الرديئة هو وريث همجيات الشعوب البدائية المتوحشة التي ما استطيبت في حياتها الا اللصوصية والسرقة والسلب والنهب ، ولا اعتادت في تاريخها الا الغزو والعدوان والاجرام . فالإناء ينضح بما فيه. فاذا كان مليئاً بالعطور نضح عطراً . واذا كان مليئاً بالقذارات نضح قذارة.ومن المستحيل أن تفرز الهمجية حضارة أو تعطي الحضارة توحشاً . فالخنجر والقنبلة والرشاش أدوات يمكن أن تكون بيد مجنون متوحش كما يمكن أن يحملها عاقل خلوق ، ولكن استعمال هذه الأدوات ووجهة استعمالها بيد المتوحش هو مناقض تماماٍ بشكل مطلق لاستعمالها بيد متحضـِّر فاضل . ومخطيءٌ من يعتقد أن من يتعلـّم علوم وفنون وتكنولوجيات تخريب وتدمير العمران ، وقتل الناس ، و احراق الممتلكات الخاصة والعامة ، وغزو الشعوب الآمنة ونهب مواردها يمكن أن يكون متحضراً ومتمدنا لأن العلم بدون أخلاق يقود الى الجنون ، والفنون بدون أهداف نافعة مضيعة للوقت والجهد ، والمال الذي لا يُستخدم من أجل تحسين مستوى الحياة وتسهيل وتقوية علاقات التعارف والتحابب والود بين الناس أفراداً وجماعات وشعوباً هو مال تافه لا قيمة له ولا نفع .

ورب قائل يقول:وهل يجوز اطلاق هذا الحكم على الولايات المتحدة وهي صاحبة الثورة الأميركية الذائعة الصيت التي رفعت شعارات مباديء: الحرية ، والاخاء ، والمساواة ، والتي كتب عنها ومدحها الكثيرون من الكتاب والادباء والصحفيون والفلاسفة في العديد من الشعوب ؟ وهل يحق أن نتناول الاميركيين بهذا الشكل وهم الذين اوحوا لرجال الثورة الفرنسية المشهورة بمباديء ثورتهم التي تغنى وتباهى بها كتاب وفلاسفة فرنسا الذين سُحر بهم الكثيرون من أبناء أمتنا كما كتب عن تلك الثورة ومدحها العديد من الكتاب والشعراء والصحفيون والسياسيون في العديد من الشعوب ؟ الحقيقة أننا عندما نعود الى التاريخ ، ونحاول دراسة مسيرات الشعوب التاريخية بشكل علمي وتحليلي واستقرائي وأخلاقي بعيداً عن الأهواء والغرضيات والخصومات والعداوات ، وبهدف اكتشاف الحقائق والوقائع سعياً الى بناء علاقات سليمة مع الشعوب التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب الذي نعيش عليه ، نستطيع بما لدينا من وعيٍٍّ وادراك وبصيرة أن نتوصل الى معرفة نفسيات تلك الشعوب معرفة صحيحة بحيث نستطيع على أساسها أن نعرف ما اذا كانت شعوباً بدائية أو حضارية ، متمدنة أو متخلفة ، ونستطيع أيضا أن نحدد علاقاتنا بها على أكمل وجه ممكن ، وبالطريقة التي تعود علينا وعليها بالفائدة والخير والوئام .

فليس كل من نادى بمباديء الاخاء والحرية والمساواة والحق والعدل والمحبة هو بالفعل أخٌ وحرٌ ومنصفٌ وصالح ٌ وعادلٌ ومحب ٌ ويمارس فعلاً مناقب تلك القيَم . كما أنه ليس كل من قال :" يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات " كما ورد على لسان السيد المسيح رائد الثورة الروحية المناقبية في تاريخ البشرية ، ومطلق تلك المباديء الراقية صدقاً وقولاً وسلوكاً،والتي تأبطها أولئك الذين تاجروا بها، واستخدموها لاشباع نزواتهم وشهواتهم ، واثارة الجماهير، وتهييج البسطاء ، وارتكبوا باسمها أهول الفظائع وأرعب الجرائم.

وليس كل من نادى برسالة الاسلام المحمدي وهدفها العظيم الذي هو :" بعث مكارم الاخلاق . والرحمة للعالمين " هو بالفعل خلوق ورحيم ويستحق التقدير والتكريم ، بل ان الكثيرين من الناس كما ورد في القرآن الحكيم هم منافقون لا يؤمنون ، وفاسدون مفتنون ، وكذبة ٌ متبجحون .

ولذلك فان العودة الى التاريخ ومراجعته بنزاهة وعدل يمكن أن تؤدي بنا الى معرفة نفسية الأميركيين معرفة سليمة . ومعرفة من وضع تلك المبادي- التعاليم ومارسها ايماناً وعملاً وترقية ً ، وكل ذلك لايتم لنا الا بالعودة الى جذورالأميركيين الأوروبية وبخاصة الفرنسية والانكليزية (الأنغلوسكسونية ) .

والعودة أيضا الى جذور أمتنا السورية واضعة الأسس الحضارية الاشعاعية الأولى في التاريخ . إن أهم ما تميّز به التاريخ الأوروبي الذي يعود تاريخ الأميركيين اليه ويستمدون منه روحية نفسيتهم هو تاريخ التعدي والعدوان والاجرام والقتل الذي تميّزت به أوروبا وحتى تاريخ الذين اعتنقوا رسالة المسيحية السورية ويسمون أنفسهم متنورين تشهد عليهم همجية التعامل فيما بينهم ، ووحشية محاكم التفتيش ، وفظاعات مجازر الحروب الصليبية . وما يسمى بالثورة الفرنسية التي يتفاخر بها الفرنسيون ويمتدحها المشوهون في عقولهم وقلوبهم وضمائرهم من أبناء أمتنا لم تكن في الحقيقة الا مذبحة حقيقية قـُطعت فيها الرؤوس ، وبُترت اعضاء الاجسام البشرية ،وتكدست في الساحات جثث النساء والرجال ، والمسنين والاطفال ،ودُمِّرت المباني ، وحُرقَت المزوعات ، وعمت الخرائب تماماً كما يحصل اليوم في بلاد الشام والرافدين بعد أن اعتدى عليها وعلى أبنائها وعلى تارخها وحضارتها أحفاد البربرية الأوروبية وبذروا الفتن فيها ، ومزّقوها أرضاً وشعباً باسم المدنية الأوروبية ومباديء حقوق الانسان . وهم اليوم يطلقون على ما يجري في بلادنا من ويلات ومآسي وفظائع اسم" الربيع العربي" الذي يصدِّرونه الينا دماراً وخراباً وقتلاً عرفاناً بالجميل على ما قدمناه للبشرية من معارف وعلوم وفنون ومباديء انسانية وفضائل روحية . انها النفسية الأوروبية المريضة التي صدّرت الى الولايات المتحدة الأميركية بعضا من مجرميها ، ولصوصها ، ورجال عصاباتها ، وهمجييها ، ليصنعوا لها ولهم تاريخا حديثاً هناك بقتل الملايين من أبناء تلك البلاد وابادة كل ما وقع نظرهم عليه حفاظاً على تقاليدهم العدوانية ، ونفسيتهم المصابة بداء التعدي المزمن الذي قال عنه العالم الفيلسوف أنطون سعاده ما يلي :" لداء التعـدي في أوروبا تاريخ قديم يرجع الى العصور المتطاولة في القدم . وهو تاريخ مملوء بالفظائع التي تقشعر لمجرد ذكرها الأبدان ، وتهلع لمجرد سرد حوادثها القلوب . فقد عرفت أوروبا داء التعدي وهي طفلة في المهد ونمت ونما معها هذا الداء الذي لازمها في كل أدوار حياتها دون أن تحاول التخلص منه ولا مرة واحدة في أيامها الماضية ، بل يمكن القول أن كل ما فعلته أوروبا في الماضي كان عملاً على تقويته لا إضعافه ، وكانت كلما قويت أوروبا واشتدت قويَ هذا الداء واشتد حتى استفحل أمره ، واستطال شرّه وهدد أوروبا بالخراب مرات عديدة ".

نعم لتلك الجذور السرطانية المريضة المصابة بداء التعدي المزمن يعود تاريخ الولايات المتحدة ، ومنه تتكون نفسيتها العدوانية التي تخطت بعدوانيتها أرعب ما وصلت اليه النفسية الاوروبية من اجرام وتفوقت بشكل باهر حين أبادت الملايين من سكان أميركا الأصليين ، وعندما قصفت بالسلاح النووي مدينتي : هيروشيما ونكازاكا ، وحين غزت فيتنام وأزهقت الأرواح الكثيرة ،ولما أتت الى العراق ودمّرت بناه العسكرية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ونهبت آثاره ومؤلفات علمائه ومفكريه وعباقرته في العلوم والفكر والفلسفة فتمت لها السيادة والريادة بالعدوان والقتل والتدمير على أمها الأوروبية ، واحتلت المكان الأبرز والمرتبة الأولي بين جميع مجتمعات التوحش والهمجية ومعاداة الحضارة والمناقب الانسانية . لقد ورثت الولايات المتحدة عن أوروبا وخاصة عن انكلترا وفرنسا داء الاعتداء الاستعماري الخبيث على حقوق الشعوب ، وتأصل في نفسيتها وعقليتها الى الحد الذي أصبح ملازماً لها ملازمة الروح للجسد والجسد للروح ويتعذ ر عليها ان تعيش بدون اعتداء وعدوان وقتل وسلب ونهب كما يستحيل عليها أن تبتعد عن تسويق كل تجارة مؤذية ، والمتاجرة بدماء الأبرياء، والاتجار بأعضاء البشر طمعاً بأموال ملطخة بالدماء والمظالم والجرائم وسفالات النفوس الرديئة .

لقد أصاب جان جاك روسو في كتابه ( العقد الاجتماعي ) عن الانكليز عندما قال : " يعتقد الانكليز في أنفسهم أنهم أحرار . انهم يخدعون أنفسهم . انهم أحرار في الوقت الذي ينتخبون فيه أعضاء البرلمان فقط . أما بعد انتخاب هؤلاء ، فانهم يكونون عبيداً . هم لاشيء " . لكن روسو كان جباناً ومتغابياً ولم يقل شيئاً صواباً عن الفرنسيين الذين كانوا يخدعون الناس دائماً بأنهم صانعو الثورة التي حملت مباديء الحرية ، والاخاء ، والمساواة وهذه المباديء لم تكن من انتاج نفسيتهم المتخلفة ، بل هي في الحقيقة والواقع مباديء يسوع الناصري السورية . لقد كانت " الثورة الفرنسية" في الحقيقة مجزرة في داخل فرنسا على الفرنسيين ، وويلاً ودماراً على الشعوب التي استعمروها كما كان الويل والدمار الذي خلـّفه الانكليز على الشعوب الضعيفة المغلوبة ،ولم تقدم للانسانية الا الويلات والمصائب والمصاعب والمجازر التي تجاوزت مئات الآلاف بل ملايين الانفس من البشر التي استعمرتهم واستبدت بهم دون ان نجد بين فكري وكتاب وفلاسفة فرنسا من استنكر وندد بتلك الممارسات الشنيعة المرعبة .

هؤلاء هم الاجداد الحقيقيون الذين استوحى منهم الأميركيون نهج همجيتهم الذي ضلل شعوبهم واستعبدها في داخل بلادهم ، وغزا الشعوب الضعيفة وتسلط عليها ونهبها خارج بلادهم بعد أن شوهوا نظام الحياة السوري الذي قصّرالاغريق في فهم مضامينه، وحرَّفوه عن غايته ، وتبناه الاوروبيون مشوهاً ممسوخاً محرّفاً ويعملون بكل طاقاتهم على حقن المفكرين والادباء والشعراء والاعلاميين الدعائيين وجماهير الشعوب الغوغائية به وتسويقه كأفضل نظام حكم توصلت الى اكتشافه عقليتهم الهمجية المريضة بينما نجد أن نظام الحياة السوري الحضاري هو النظام القائم على الحق والعدل ومباديء " الدكتاتورية العادلة، والارستقراطية الفاضلة ، والديمقراطية العاقلة " الذي تحوَّل بعـد التشويه الكبير الذي نشهده اليوم في النظام العالمي الحالي الى نهج همجي توحشي قائم على مباديء : " دكتاتورية جائرة ، وارستقراطية غادرة ، وديمقراطية فاجرة " . وهذه هي المباديء التي يقوم عليها حاليا دستور ما يسمى " منظمة أمم متحدة " وما يسمى " مجلس أمن دولي " . ولا يخفى على أصحاب البصيرة النافذة الفرق العظيم بين الخير العام الناتج عن تحقيق مباديء العدالة، وممارسة الفضيلة ، والاحتكام الى العقل من جهة ، والمنفعة الأنانية العابرة الحقيرة المتأتية عن الجور والبغيّ ، والحاصلة بالغدر، والمدمِّرة بالفجور من جهة ثانية .

لقد أصبح المشهد واضحاً لكل من له عقلٌ يدرك ، وعيونٌ ترى ، وضميرٌ يميّز ، ونفسٌ راقية أن الصدام الحقيقي في بلاد الرافدين والشام هو صدام بين الوحشية والمدنية.بين الهمجية والحضارة. بين الانسانية الطامحة الى أبعد آفاق الطموح والجنونية المتدهورة الى أقصى دركات الجنون . انها حرب مصيرية بين همجية الولايات المتحدة وحضارة بلاد الشام والرافدين . واذا كان الأغبياء الضالون المضللون لا يعون ذلك فليس بمستهجن ولا غرابة في ذلك لأنهم يعيشون في الظلمة ويقتاتون من عفن دهاليز المقابر المنتنة ويخافون الخروج الى النور ومعرفة حقائق الأشياء والأحداث .ومن كانت هذه حاله فمن الغباء أن يُؤمَنَ جانبه ويُرجى خيره لأنه انفصل عن الحالة الانسانية والصفة الانسانية انسلخت عنه وصار أحط من البهائم الشاردة في غابات العصور الحجرية البائدة .

ان ما يحدث اليوم في بلادنا هو صدام مصيري بين الهمجية المتوحشة التي تتبناها الولايات المتحدة الأميركية التي تقود قطعان همجيات الأمم ابتداءً من دول همجية استعمارية كبيرة كبريطانية وفرنسا وتركيا العثمانية وحتى مصر المتغابية عن التاريخ العريق الى عصابات السعوديين والقطريين والأعراب الجاهليين والمذهبيين التكفيريين والمرتزقة والمجرمين وبين الحضارة السورية الانسانية مبدعة الرسالات التمدنية الكبرى في التاريخ من الحمورابية التشريعية الى الأوغاريتية الابداعية والبيتاغورية الفكرية والرواقية الاخلاقية الى الموسوية المستوحاة من الكنعانية الثقافية الى المسيحية والمحمدية الروحانيتين الى فلسفة الانسان - المجتمع المدرحية . انها حرب الحياة والموت بين الوحشية والانسانية تجري على أرضنا من فلسطين الى لبنان الى الشام الى العراق .

أفبعد كل هذا الذي ذكرناه هل يجوز ويحق أن نستغرب ماورد في مقالة العالم الفيلسوف أنطون سعاده عن ضمائر الأميركيين الميتة وقلوبهم المتحجرة ، وعواطفهم المضمحلة ، وأدمغتهم الناضبة ، وخلو الأرض من نوابغهم المصلحين ؟ أفبعد كل ما ورد آنفاً عن الثورتين المجزرتين : الأميركية والفرنسية اللتين رفعتا شعارات ومباديء الحرية والديمقراطية والاخاء والمساوة ولم تحققا منهما شيئاً لا في داخل بلادهما ولا في معاملة الشعوب الأخرى يحق أن نباهي بمثل تلك الثورات - المجازر ؟

أفبعـد الخراب النفسي الذي تسبب عن رعونة وهمجية تلك الدول يمكن تسميتها بدول متمدنة حضارية ؟ أفبعـد ما عرفناه وما شاهدناه ونشاهده بأم العين من مآسي ومصائب وويلات وحروب تنتجها ادارات شركات تلك الدول المتخلفة انسانياً دون أن نسمع صوت مفكر أو فيلسوف أو أديب أو شاعر من تلك المجتمعات يثور على حكومته ، يحق لنا أن نطلق عليها مجتمعات متمدنة راقية ؟ أنها مهزلة المهازل أن نسمع ونرى أبناء أمتنا الذين تعلموا في مدارس وجامعات أوروبا وأميركا يفاخرون ويتباهون بأنهم أسرى أفكار ونظريات ومفاهيم أولئك المفكرين الذين لم يرفعوا يوماً صوتهم في وجه حكوماتهم الاستعمارية واعتداءتها الوحشية على الشعوب الضعيفة .

لقد حـُقـنـت نفوس أبناء أمتنا المسحورين المخدرين بمكروبات العبودية للغرب المستعمر الذي" ينظـِّم سيئاته فتبدو لهم كأنها حسنات ، وينظـِّم بعض حسناته فتبدو معجزات " على حد تعبير أديبنا النهضوي جبران خليل جبران الذي ترك وصيته لجيلنا وللأجيال قائلاً :" أنا من القائلين بالمحافظة على وحدة سوريا الجغرافية ... إذا كنا لا نريد أن نمضغ ونهضم ونبلع ، فعلينا أن نحافظ على صبغـتـنا السورية حتى وإن وُضعت سورية تحت رعاية الملائكة ". كما تنبه الى حقيقة تلك الهمجية أيضا الصحفي البرازيلي المعاصر الدكتور "جوزي جيل دي ألميدا"رئيس تحرير صحيفة ( جورنال أغوا فيردي ) البرازيلية معلقاً على مؤلف " نشوء الأمم " لأنطون سعاده : " إن البلدان الغربية جميعها مصابة وملـوثة بعـدوى بكتيـريا ضارة ومـدمـرة يمكن تسميتها : ( نـمط الحياة في أميـركا الشمالية) اي الولايات المتحدة الأميركية. وعـدوى هذا المكروب أصابت جميع شرائح المجتمع ...وقد زُرعت هذه البكتيرية الجرثومية في صدرالمجتمع الاميركي الشمالي من قبل الصهيـونية والعنصرية اليهـودية . وعن طريق ادارة دولة الـولايات المتحـدة الاميـركانية،بما تملكه من قـوة اقتصادية وانـتـشار كبير في المجال الثقافي تسربت عـدواه الى اغلبية الامم الغربـية . وعدوى هذا المكروب حولت الشعـوب الى مجرد عبـيـد لفكـر سطحي وخادع ولصوصي مفترس ... إن النظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه الصهيونية هـو أعظم مصيبة تـحـل بالشعـوب والأمم . وضمن هـذا النظام الفاسد والتعسفي ينبثـق ضوء تـفكيـر ابتكاري وإنساني جـديـد في مـؤلف العالم الاجتماعي السوري أنطـون سعاده " نشوء الأمم " محللا بروح نـقـدية جميع مـراحل تـطـورالإنسان . و لا يقصِّر عن مواكبة أحدث ما توصلنا اليه في أيامنا الحاضرة ، و يمكن أن ينقل الى الأجيال الجديدة والآتية هذا التراث الثقافي ، السياسي ، والفلسفي لإحداث تغيير أفضل للعالم الذي نعيش فيه ."

لقد نطق سعاده صواباً وأعلن الحقيقة كلها ولم يخش في قول الحق لومة لائم،ومارس حريته الواعية بأرقى ما تكون الممارسة، ودفع دمه في وقفة عز عزَّ نظيرها في التاريخ ، وختم رسالته بدمه من أجل أن تبقى راية حرية مجتمعه وكل مجتمعات العالم عالية،ومن أجل أن تبقى مشاعل الحضارة السورية متوهجة على مدى العصور. فالهمجية تبقى همجية ،والحضارة تستمر حضارة. واللقاء بينهما لقاء النور بالظلام . نورٌ مُطارد وظلامٌ مطرود .

فضيلة ٌ تتألق ورذيلة ٌ تتلاشى . معرفة ٌ تشع وجهالة ٌ تخبو . انها حرب مصير تقوم فيها الولايات المتحدة الأميركية بدور اللص الخبيث الماكر الغادر المحتال ، وتجنـِّد كل عبيدها من كل زرائب الجهالات والجبانات ، ومن كل مزابل التارخ : من أوروبيين مجرمين قتلة ومن أعراب حقيرين ، ويهود صهاينة متخلفين هجروا وصايا موسى النبيّ ، ومتاجرين بالمسيحية تنكروا لتعاليم المحبة ويصلبون السيد المسيح كل يوم ، ومنافقين يدعون الايمان بالاسلام المحمدي وهم الذين نحروا رسالة النبي محمد بغيِّهم وبغائهم وباعوا قرآنه وسنته بالتذلل لأهل الفساد والافساد وأحفاد الطغاة والظالمين .وفي مقابل جحافل عبيد وعبيد عبيد الولايات المتحدة حاملة راية الهمجية في العالم تستنفر أمتنا الحضارية تاريخها المشع بقيم الحق والخيروالجمال ،ومباديء الانسانية المحيية ، وتستنفر أيضاً نفسيتها الجميلة الخيِّرة الراقية، وعقلها السليم المبدع الخلاق ، وارادتها الحرة القوية الفاعلة ، ومزاياها البطولية الفريدة المتفوقة في مواجهة ويلات التوحش والتصدي لقوى الشر والعدوان واثقة من عدالة حربها لأنها حرب دفاع عن حق . وحرب استرجاع لحقوق. وحرب سحق ٍ لباطل. وحرب صيانة ٍ لحضارة .

وحرب تكريس لتطوير وتقدم ومزيد من الرقي الانساني الذي لا يحمل غلاً ولا كراهية لأحد من البشر . وهذا ما جعل أرياح الهمجية الأميركية ـ الأوروبية تتكسر وتتلاشى في كل بلاد الهلال الخصيب من فلسطين الى لبنان، ومن العراق الى الشام . وأول الانتصارات التي حققتها أمتنا وأكبرها أن جميع بني البشر الأحرار الشرفاء صاروا يدركون أن أعداءنا مجرمون ارهابيون معتدون تكفيريون خونة مرتزقة عبيد أوغاد مخربون متوحشون همجيون قراصنة وقطـّاع طرق تقودهم الولايات المتحدة قيادة لص ٍوليس قيادة بطل بعد الكارثة الحقيقية التي أصابت جيوشها وهيبتها في العراق فتحولت الى القيام بأعمال التفجير والارهاب في العراق والشام ، واستهداف الاطفال والنساء وتخريب المؤسسات المدنية ،وتدمير المصالح الخاصة والعامة ، وكل هذه الاعمال التخريبية الارهابية لا يقوم بها الا اللصوص والمحتالون وخفافيش الليالي . انها الهمجية الأميركية بأبشع مايمكن أن تتوصل اليه الهمجية في مواجهة الحضارية السورية بأرقى ما يمكن أن تبلغه الحضارة .

فالولايات المتحدة ليست الا نوع مستحدث من أنواع دول القرصنة التي يقودها قراصنة على رأس عصابات شركات تستخدم وتستعبد الناس في داخل رعويتها وخارجها لاشباع شهوات ونزوات لا تمت الى الانسانية بصلة .

أما ما يقال عنه حالياً شعب الولايات المتحدة فليس الا جماهير و جماعات من أعداد وأرقام المستخدمين المساكين لتحقيق أكبر المنافع المادية للأسياد القراصنة، وليس لبناء تاريخ شعب حضاري تمدني انساني يجعل له مكاناً مشعاً بالقيم الانسانية النبيلة الراقية . ولهذا لا فرق عند تلك الدولة أن تستخدم لتحقيق تلك المنافع عصابات أميركية أو أوربية . أسيوية أو أفريقية . عثمانية أو عربية . من يهود صهاينة أو مسيحيين مرائين أو مسلمين منافقين أو مرتزقة مجرمين أو عملاء عاقين بآباهم وأمهاتهم . ان توعية اولئك المساكين المستخدمين وتحريرهم من قيود قراصنة العصابات هي الثورة الحقيقية التي تساعد على استقامة مسيرة التاريخ الانساني .

و هذا لن يحصل الا بمقاومتنا وتصدينا ومهاجمتنا لكل عدوان وباعتمادنا على بطولتنا التي تقوم على العقل المجتمعي الانساني السليم .

فيا أبناء الهلال السوري النوراني الخصيب من الكويت الى العراق، ومن الأردن الى فلسطين،ومن لبنان الى الشام بلادكم مهد الحضارة ومجتمعكم مجتمع المعرفة . جداتكم وأجدادكم افتتحوا فجر المدنية وأمهاتكم وآباؤكم أوصلوا لكم مآثر تاريخ أمتكم المجيد فاياكم اياكم أن تبخلوا على أولادكم وأحفادكم بمآثر وبطولات تكون زادأ لهم في صناعة تاريخ أزهى وأبهى وأرقى وأسمى . إن قانون الحياة الطبيعي هو أن النور هو المنتصر وأن الظلام هو المهزوم . وأن الحضارة هي القاهرة وأن الهمجية هي المقهورة . وسورية هي منبع النور والحضارة .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017