إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

ديمقراطيات المشرق: حصاد عنب ام حصرم

راجي سعد

نسخة للطباعة 2013-03-06

الارشيف

لا شك ان كلمة "ديمقراطية" اصبحت من اكثر الكلمات المستعملة في القاموس السياسي العالمي اليوم فتتسابق على نشر اخبارها الفضائيات والأرضيات وتتداول مزاياها صفحات التواصل الاجتماعي، فيستعملها المثقفون في سعيهم المستمر لبناء المجتمع الفاضل وتستعملها الدول ذات التاريخ الاستعماري لهداية الشعوب الاخرى الى طريق "الخلاص" وتستعملها ايضا الانظمة الدكتاتورية تارة لتخويف الشعب من نتائجها وطورا لاعطاء هالة عصرية على بعض الاصلاحات التي تقوم بها. أمام هذا الهجوم "الديمقراطي" المتنوع الجهات والمصادر، اصبحت كلمة "الديمقراطية" مرادفة في عقلنا الباطني للحرية والعدالة والمساواة، فقلة في هذا المشرق المستعمر سابقا والمُدَكْتَرْ لوقت طويل والشبه مُدَمَقْرِطْ حديثا تعيد البحث الى الجذور وتدرس ما اذا كانت هذه الديمقراطية وسيلة لتحقيق هذه الغايات السامية ام انها اصبحت غاية بحد ذاتها ومدى ملائمة هذه الغاية او الوسيلة لمجتماعاتنا المشرقية.

الديمقراطية لغويا تعني حكم الشعب وربما ظهرت براعمها في صور الفينيقية التي انتخب شعبها ملكها ومن ثم نضجت في قرطاجة الفينيقية وأثينا اليونانية وتجسدت في العصور الوسطي اللاحقة في انكلترا وفرنسا ومن ثم الولايات المتحدة الاميركية. رغم ان المعني اللغوي للديمقراطية (حكم الشعب) من المستحيل تطبيقه كما يؤكد عالم الإجتماع الفرنسي جان جاك روسو حين يقول "وإذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم ولن توجد أبداً فيما يخالف النظم الطبيعية أن يحكم العدد الأكبر وأن يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعاً على الدوام للنظر في الشؤون العامة"، الا ان الاصلاحات الديمقراطية طورت نظم الحكم في هذه الدول بوضعها حد لانتشار الحكم الفردي وسيطرة الكنيسة وباعتبارها ان الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات والشرعية فانبثقت السلطات بواسطة الانتخابات وأُقر للأغلبية بأن تحكم وللأقلية بأن تعارض وتعددت الأحزاب وتداولت السلطة سلميا وفصلت السلطات وضمنت حرية المعتقد والتعبير الى حد كبير وحفظت مصالح الأقليات واحترمت حقوق الإنسان ضمن المجتمع.

في العالم العربي هناك تجربتان للديمقراطية واحدة عريقة نسبيا اسسها الفرنسي في لبنان وأخرى حديثة العهد اوحي بدستورها الاميركي في العراق. في الحالتين يطلق عليهما الباحثون اسم "الديمقراطية التوافقية" التي طُبقت سابقا في دول متعددة الاعراق او الطوائف كبلجيكا وقبرص، ويطْبع نظام الحكم فيهما عادة عدم الاستقرار السياسي والنزاعات العميقة التي تستقطب التدخلات الاجنبية والتي قد تؤدي الي الحروب الاهلية. في لبنان جرت حربين اهليتين كبيرتين في 1958 و1975 وعدة حروب ونزاعات صغيرة وفي كل مرة كان "الثوار" يعتبرون ان تغيير نظام الامتيازات غير العادل والغير-مساوي بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات احدى اهم اهدافهم التي تشعبت فيها المذهبية والمصالح والحسابات الخارجية. في العراق بدأت تظهر براعم ثورة "سنية" فعلية على النظام "ذو الوجه الشيعي"، وقد تندلع الحرب في أي لحظة بين الجيش المركزي وميلشيا البشمركة الكردية في كركوك والشمال العراقي في صراع على النفط والغاز. كذلك يهدد الامن الهش والانقسام السياسي والفساد النظام في الصميم.

في مقارنة بين الديمقراطية التوافقية في المشرق والديمقراطية الاكثرية المطبقة في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وكندا، نجد اهم الفوارق الاساسية التالية:

1. وجود طبقة وسطى هي الاكثرية في الغرب وتدلي باصواتها وفقا لمصالحها الاقتصادية التي هي نسبيا في تجانس وتكامل مع مصالح الدولة العليا. ان غياب الطبقة الوسطي وخاصة في العراق ووجود طبقة فقيرة معدمة تسسير انتخابيا حسب الميليشيا المسيطرة او حسب ما يملي عليهم امام الجامع او اب الكنيسة او مصلحة الطائفة جعل الصوت الشعبي لا يعبر بالضروري عن مصلحة الامة والشعب.

2. وجود دساتير للدولة في الغرب حسمت الامور الاساسية في بناء الدولة واهمها فصل الدين عن الدولة كاساس للمساواة والعدل بين الشعب وسمحت فقط بالاختلاف والتنوع والتنافس على الامور الحياتية كالضرائب والشيخوخة والتعليم والطبابة والاجهاض وغيرها. في المقابل ربط النظامين اللبناني والعراقي الطائفية والعرقية بالدولة بالاعتماد عليهما لتوزيع المناصب والحصص فرئيس الجمهورية من طائفة او عرق ورئيس الوزراء من طائفة أخرى وحتى اصغر موظف في الدولة يخضع لميثاق او تفاهم على اصله وفصله. هذا النظام جعل من السهل جدا ان تدعي اي فئة حقا او باطلا بانها مهمشة ومظلومة وان يلاقي هذا الادعاء صدا واسعا عند جمهورها وعند الدول الاقليمية والدولية لزيادة نفوذها وسيطرتها.

3. الاحزاب المتنافسة ضمن الديمقراطيات الغربية لا تختلف على المسائل الاساسية في دستور الدولة كعلاقة الدين بالدولة والحريات الشخصية والنظام الاقتصادي العام، وتضم شرائح من كل التجمعات العرقية والطائفية في صفوفها، فالحزب الليبرالي او حزب المحافظين مثلا في كندا يجمع كل التجمعات الدينية والعرقية في صفوفه ولا يمثل اي منهما مباشرة او غير مباشرة واذا وجد اي حزب يمثل طائفته او عرقه كحزب الكيبيكوا الفرنسي الذي يدعو الى انفصال محافظة كيبيك عن كندا فهو اقلية (4-5% من مجلس النواب) ولا يؤثر جديا على المسار العام. في مقارنة مع الاحزاب السياسية في المشرق نرى ان معظم الاحزاب فيه تمثل مذاهبها واعراقها شعبيا وحتى لو ادعت ظاهريا غير ذلك، وهي لا تلتقي على المسائل الاساسية في بناء الدولة فقسم يريدها دولة دينية وآخر يريدها علمانية وبعض يريد نظامها راسماليا وآخر شيوعيا ومجموعة تريدها كونفدرالية ومجموعة أخرى تسعي الى جعلها مركزية. اذا اردنا تطبيق هذا الواقع على كندا مثلا فهو شبيه بوجود رديف عرقي للكيبيكوا في كل محافظة بالاضافة الى حزب للكاثوليك وآخر للبروتستانت وغيرهم من المجموعات الطائفية التي يتكون منها المجتمع الكندي، وليس المرء بحاجة لخيال واسع ليتوقع نتيجة هذه الخريطة السياسية اذا حصلت.

4. في المفهوم الغربي، الحاكمية هي للشعب اي ان الشعب هو مصدر السلطات والتشريع المدني الواحد الذي هو ملزم قانونيا لكل المواطنين، وحسب الدستور يستطيع أي مواطن ان يولَّى على كل الشعب اذا انتخبه هذا الشعب بغض النظر عن اصله وفصله ودينه. هذا المفهوم لا يتوافق مع مفهوم الاسلام السياسي في المشرق الذي يعتبر الحاكمية لله وليست للشعب اي أن الله وحده هو مصدر التشريع والحاكم منفذ لاحكام الله التي يستطيع الاجتهاد فيها ضمن المبادئ الاساسية وطاعته واجبة اذا لم يخالف نصا صريحا. هذا المفهوم يؤدي الى الاستنتاج ان الولي او الحاكم يجب ان يكون مسلما "فلا يمكن ان يولَّى غير المسلم على المسلم" والشريعة الاسلامية "الصالحة لكل زمان ومكان" هي مصدر التشريع الذي يُحرَّم الاجتهاد خارج مبادئها.

أمام هذه الفوارق الاساسية بين هذين المفهومين للديمقراطية، يمكن الاستنتاج ان المفهوم التوافقي تمر فيه الحرية والعدالة والمساواة بين ابناء الشعب الواحد عبر الطائفة او العرق فيكرس انتماء المواطن الى طائفته او عرقه اولا ومن ثم الى وطنه الذي قد يمزقه ويكبّله تضارب المصالح بين هذه الفئات المتنازعة، بينما المفهوم الأكثري يمنح المواطن حريته وحقوقه بعلاقة مباشرة مع دولته بدون وكلاء. في ندوة نظمها المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في الدوحة في كانون الثاني 2012 بعنوان "الثورة العربية والديمقراطية"، حاضر الدكتور عزمي بشارة عن الطائفية والديمقراطية فقال: "ومن جملة المغالطات التي تقوم عليها الطائفية والنظام الطائفي، القول: إن التعددية الطائفية هي التعددية الديمقراطية ومحاولة مُطابقة هذه بتلك"، وتابع بِشارة أن "اعتبار التعددِية الطائفية تعددِية ديمقراطِية، أمر لا أساسَ له؛ لأن التعدُدِيّة الديمقراطِية، ماهي إلا تنافس أفكار سياسية وبرامج متعلقة بأفضل سُبل تمثيل مصالح الأمَّة، أما الطائفية، فهي أبعد ما تكون عن تحديد مصالحِ الأُمة، بل تسعى لضمان مصالحَ ضيقة للطائفة وأفرادها، وتُؤدي إلى تهميش المصالحِ والقضايا الوطنيةِ والقوميةِ".

بعد الحروب الأهلية المتكررة في لبنان والأزمات الحادة التي يشهدها العراق، من الواضح ان رياح الديمقراطية التوافقية الطائفية لا تسير بشعبي هذين البلدين الى بر الحرية والمساواة والعدالة بل تقذفه الى عواصف "الفوضي الخلاقة" والانقسام الطائفي والعرقي. ان قول كيسنجر في لقاء نظمته صحيفة وول ستريت جورنال قبل نهاية العام الفائت ان الهدف في سوريا هو «وضع ترتيب لتقاسم السلطة بين المجموعات السكانية المختلفة على غرار المؤسسات التعددية في لبنان المجاور» ما هو الا سعي لنقل فوضة لبنان والعراق الى سورية والتي قد تؤدي لاحقا الي تقسيمها والعراق ولبنان عرقيا وطائفيا حسب خريطة الشرق الأوسط الجديد او سايكس بيكو(2) كما خطط لها مع رمسفيلد وبرنارد لويس وبرنارد ليفي وغيرهم من الصهاينة. رغم خطورة هذا المشروع "التوافقي" الذي يتبناه "الإئتلاف الوطني" المعارض، فهذا لا يعني ان الحل في سوريا هو بابقاء النظام الحالي على حاله. الامل الوحيد لإنقاذ سوريا وربما كل المشرق معها هو بتبني الديمقراطية المتجانسة مع مصلحة وسيادة الوطن والتعبيرية عن ارادة شعبه بالحرية والمساواة وذلك عبر اقامة نظام عصري يستمد دستوره وتشريعه المدني من تراثه الثقافي التاريخي والديني ولكن لا يتردد في تبني افكار منطقية نجحت في المجتمعات الاخرى.

مهما ثارت امم وتغيرت نظم وتفصَّح مدعي المعرفة والعلم، لا يمكن لاي ديمقراطية ان تُحقق الحرية والمساواة والعدالة في مجتمع متعدد الاعراق والطوائف الا اذا فُصل الدين عن الدولة والسياسة ولم يُفرق فيه بين العربي والاعجمي الا بالتقوى الوطنية. لتطبيق ذلك عمليا، يجب ان تُؤسَس ديمقراطية متجانسة تسمح بتعدد الاحزاب الوطنية الغير طانفية المتكاملة في الامور الاساسية والمتنافسة على المسائل الحياتية والاقتصادية والسياسية، وتوسع الحريات الاجتماعية التي ترسخ الدين كعلاقة بين المواطن وخالقه والتي تعتبر تعدد الامة العرقي مصدر غنى حضاري بكل لغاته وثقافته من دون تمييز او تهميش. أي حل خارج هذه الاطر العامة سيجعل شعبنا التواق الى الحرية والعدالة والمساواة يحصد الحصرم من الثورات العربية ولن تكون الديمقراطية الا وسيلة استعمارية جديدة لتفتيت المشرق ونهب ثرواته وشرعنة اسرائيل اليهودية في فلسطينه.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017