إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الثورة المصرية في مأزق حرج...هناك من يقول أنها في خبر كان ؟

زياد ابوشاويش

نسخة للطباعة 2013-04-22

إقرأ ايضاً


أرادها الرئيس محمد مرسي وجماعة الاخوان المسلمين صاخبة ومدوية في كشف جرائم نظام مبارك لإبعاد الأنظار عن فشلهم في الانتقال لمرحلة جديدة من أجل تحقيق أهداف الثورة المصرية، وللتخفيف من الضغوط التي يتعرضون لها جراء الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، كما شجعوا وسمحوا للقضاء بإعادتها تحت عنوان العثور او اكتشاف أدلة جديدة تؤدي إلى إدانات غير مشكوك بها، والذي وقع أن إعادة محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك ارتدت وبالاً على النظام الحالي ووضعت كل مسار الثورة المصرية في مأزق حرج وخطير للغاية.

الحالة النفسية والابتسامات والتلويح للمؤيدين من جانب الرئيس المخلوع ليست نهاية المطاف في تظهير الصورة الحالية للواقع المصري الذي يمكن إطلاق صفة الكآبة والركود والمراوحة عليه دون تردد، كما أن قرار إخلاء سبيل الرجل من جانب محكمة الاستئناف في اليوم التالي لتنحي القاضي الرئيسي في المحكمة التي نظرت في إعادة المحاكمة لم تكن سوى أول الغيث في سلسلة من التداعيات المتوقعة لسير المحاكمة ومآلاتها النهائية بعد أن أمر القاضي بعدم إخلاء سبيل مبارك وإبقائه قيد الاعتقال على جرائم أخرى بخلاف قتل المتظاهرين أو بصورة أدق بخلاف تهمة التغاضي عن قتل المتظاهرين والمشاركة غير المباشرة في الجريمة.

سبق أن أشرنا في كتابات سابقة لحجم الاحباط والقلق الذي يشعر به المواطن المصري تجاه ما وصلت إليه أحوال مصر بعد الثورة التي يفترض أنها بداية لعصر من الانفتاح والحرية والعدالة يؤسس لحياة مختلفة عما عاشته جماهير مصر من حرمان وعوز ورؤية بلدهم تتضاءل على الساحة العربية والدولية ويجري رهن مقدراتها وإمكاناتها لخدمة المشروع الامريكي في المنطقة. كان حلم المصريين بالحرية والكرامة قد طال أمده حتى تفجرت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 فاستبشر الشعب خيراً بها وإذ صبر الناس لعامين على كافة صنوف الحرمان وانعدام الأمن وازدياد تكاليف المعيشة وقسوة الواقع فإنهم فعلوا ذلك على خلفية الوعود التي قدمتها قوى الثورة وخاصة حركة الاخوان المسلمين وحلفائها الذين وعدوا الناس بتغيير حياتهم للأحسن وإطلاق العنان للطاقات والمهارات والامكانات المختزنة لتساهم في إعادة إعمار مصر ونقلها لمرحلة حضارية أفضل تعويضاً وتأسيساً لمستقبل زاهر تتوفر فيه بالاضافة للحرية والديمقراطية وسائل العيش الكريم.

إن كلمات الناس التي نسمعها هنا في القاهرة تشير لدرجة السخط التي يشعر بها المواطن المصري بسبب العجز الذي يلف كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية في البلد وقد جاءت محاكمة مبارك أو إعادة محاكمته لتفجر كافة التناقضات والارباكات التي يعانيها الشعب ومعه قواه السياسية وفي مقدمتها الدولة والنظام.

لا يمكن أن ننعت الناس في مجموعهم بالفاشلين كما لا يمكن ان نلقي اللوم على الشعب المصري الذي لم يحسن اختيار قادته الجدد كما لا يمكن أن نحيل المأزق الراهن (وهو محرج وخطير جداً) لسلبية الجماهير المصرية تجاه المشاركة الميدانية في الثورة وما تبعها من ارهاصات كان يجب ان توصل مصر الى بر الامان. إن كل ما سبق يمكن التحدث فيه بشكل تفصيلي وبلا حرج لكن الأمر في جوهره لابد أن يلقى على عاتق القوى التي تتحكم في الشارع أو في جزء منه وهي هنا مؤسسة الرئاسة والحكومة ومؤيدوها بالاضافة لقوى المعارضة بكل تلاوينها. ربما يقول أحدكم أن حجم الصلاحيات يحدد حجم المسؤولية وهذا صحيح بمعنى أن الدولة ونظامها والرئاسة وأحزابها المؤيدة تتحمل القسم الاكبر لكن الواقع يشير كذلك إلى أخطاء جسيمة وقعت فيها المعارضة المحسوبة في أغلبيتها على قوى الثورة.

إن وصول شعبية مبارك ونظامه لمستوى يقترب من نصف المجتمع المصري وخروج المؤيدين له في الشوارع للاحتفال بتنحي القاضي وأيضاً للابتهاج بقرار اخلاء السبيل وإن لم ينفذ، كل ذلك يشير بشكل غير مسبوق لحجم التذمر والرفض الذي يهيمن على الشارع المصري تجاه ما وصلت له الأمور في البلاد. المشكلة اليوم وبرغم سيطرة النظام ومكوناته الرئيسية على مقاليد السلطة ورغم استحالة عودة مبارك للحكم من الناحية العملية فإن سير المحاكمات وتوجه القضاء المصري نحو التعامل الحرفي مع المعطيات المقدمة له وعدم فرض التغيير الثوري بالقوة من البداية سيكون مخيفاً لكل من حلموا باستكمال الثورة. ماذا لو جرى تبرئة مبارك نهائياً من تهمة القتل العند للمتظاهرين أو المشاركة فيه؟ ماذا لو تم تبرئته من باقي التهم الخفيفة ومن ثم صدر القرار بإخلاء سبيله وعودته لبيته وصار من حقه المنافسة مرة أخرى على الرئاسة التي من المرجح ان يكسبها في ظل الحالة الراهنة؟

لقد تحدث عقلاء مصر ومن يحبوها من الأشقاء عن ضرورة تضافر الجهود من أجل حماية الثورة ودفعها للأمام قدماً لكنس كل مخلفات مبارك وعهده العفن ومن أجل الانتقال الهاديء للديمقراطية التعددية وتخليص مصر من كافة الارتباطات المشبوهة التي ترهن البلد وقدراته للأجنبي ولكن لم يحدث هذا واستأثر الإخوان المسلمون بالسلطة وبدأوا في بسط نفوذهم على كل مفاصل الدولة مما أقلق القوى الأخرى ودفعها للنضال ضد النظام الجديد ورئيسه المنتخب شرعاً وقانوناً، وبدل أن تنتبه الرئاسة لحجم الاخطار التي تواجه الثورة ولحجم التعقيدات والمشاكل التي تواجه مصر وتعيق تقدمها وبالتالي اللجوء لقوى الثورة الرئيسية وخاصة أؤلئك الذين فجروها وساهموا بقسط وافر من الجهد والعرق والدم في إنجاحها وكذلك لقوى المعارضة الثورية، بدلاً عن كل هذا قام الرئيس ومعه جماعته ومن يؤيدهم بالدفع نحو المزيد من الشرذمة والتناحر من خلال قرارات وسياسات جعلت إمكانية انتصار الرجعية الداخلية وفلولها والفاسدين إمكانية واقعية أقرب للتحقق لو بقي الحال على ما هو عليه.

إن حديث الإعلام الصهيوني عن محاكمة مبارك باعتبارها مأساة أو دراما مصرية وما رأيناه من مظاهر وردات فعل تجاه قرارات القضاء بالخصوص يجب أن ينبه قوى الثورة بكل فئاتها لخطورة الوضع القائم وللخطوات التي يجب اتخاذها لحماية الثورة وخاصة من جانب القوى الاسلامية التي ستكون الخاسر الأكبر إن استمر الوضع على حاله، لأنه في هذه الحالة لن يكون أمام الناس الذين ارهقهم الفقر وغياب الأمن سوى التعلق بقشة مبارك الذي بات يفضله الكثيرون على مرسي ونظامه.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026