لم تغب مدينة القصير بمحافظة حمص قرب الحدود اللبنانية عن المشهد العسكري والسياسي للصراع الدائر في سورية منذ بدء الأزمة قبل عامين وثلاثة أشهر. تحصن بها في بدء الأحداث عشرات الشباب من المنطقة المحيطة ومن حمص وشكلوا بها تنسيقيات سرعان ما اختلفت آراؤها حول طريقة التعامل مع الدولة ومع الممتلكات العامة واتجه كل فريق إلى حيث يجد مصلحته، وكانت بعض تلك التنسيقيات الأكثر تطرفاً في سلوكها العنفي وفي رؤيتها لطريقة الحل ونهاياته. المحصلة أن المدينة الصغيرة أصبحت وكراً للدبابير من متطرفي النصرة وغيرهم رغم أنف أغلبية شباب المنطقة الذين كانوا يرغبون في استمرار تحركاتهم دون فتح معارك تعود بالدمار والويلات على أهلهم وذويهم في المنطقة، وقد استمعت بالمعنى الشخصي لبعض هؤلاء يتحدثون عن تجاوزات للمسلحين في منطقة القصير لا يتمكن العقلاء من ضبطها.
القصير وبموقعها الاستراتيجي على الحدود اللبنانية وفي وسط المنطقة التي تربط شمال سورية عن جنوبها وكذلك قدرة المسلحين فيها على الحركة وتعزيز قدرات المجموعات التابعة لقيادات معينة تتلقى أوامرها من بعض الدول والشخصيات باتت تشكل ثغرة أمنية قاتلة للدولة ولتحركات الجيش العربي السوري، ليس هذا فحسب بل باتت تمثل بؤرة الالتقاء لكل من هب ودب قادماً للتخريب من الأراضي اللبنانية. تجربة القصير مع التحصينات وتأمين الحماية للمقاتلين والمرتزقة كانت كبيرة بحكم الوقت الطويل الذي حظيت به مجموعات القتل بالمدينة والقرى المحيطة بها خارج سيطرة الدولة، كما أن انشغال الجيش بتأمين العاصمة ومعارك حلب الدامية ترك الفرصة لمدينة القصير لتصبح خزان العمليات الارهابية في كل سورية حيث تسيطر جبهة النصرة التابعة للقاعدة على معظم نقاط الارتكاز بالمدينة. كان واضحاً لكل من تابع تطور المعارك بين الدولة والمعارضة أن مدينة القصير سيأتيها الدور ولن يستطيع النظام والجيش أن يتأخرا كثيراً عن حسم القصة برمتها في المدينة، وساهم في وضع المدينة على لائحة أولويات السلطة والحكومة السورية أن عمليات خطف وقتل وتخريب جرت في عدة مناطق بالقطر العربي السوري وجاء مرتكبوها من القصير وريفها أو تدربوا فيها، كما أن خزان المسلحين من السلاح والقدرة على مواجهة الجيش يرتبط بتأمين طرق المواصلات والاتصالات بين هؤلاء وقدرتهم على التواصل مع حمص أو على الاقل الأحياء المتمردة فيها وتقاتل الدولة حتى اليوم.
إن حسم معركة القصير كان قراراً سياسياً بامتياز توقيتاً ومشاركة من حزب الله أما قرار الحسم العسكري فقد اتخذ منذ زمن طويل وحالت ظروف معارك دمشق والغوطة الشرقية وحلب دون بدئها في التو. إن السيطرة الرسمية على القصير وقراها وقطع الامدادات عن المجموعات في حمص ومن لبنان، خاصة شحنات السلاح وغيرها من وسائل دعم الارهاب والمرتزقة سيوجه ضربة كبيرة واستراتيجية لكل الجهود التي بذلتها المعارضة طوال الحرب الدائرة وسيضعف قدرتها على التواصل مع بعضها البعض.
القصير بؤرة للارهاب وهذا أمر معروف منذ زمن طويل، وهي بؤرة لتجميع المقاتلين من كل صنف للقتال ضد وحدة سورية وعروبتها بأجر أو بجهل ووهم الجنة والقتال في سبيل الله رغم وجود القدس قريبة جداً من هؤلاء. المعركة في القصير تجيء في سياق معروف لاستئصال شأفة الارهاب والدمار ووقف التفجيرات الدموية في العاصمة وغيرها وبالتأكيد فإن انخفاض منسوب العمليات الارهابية سيساعد على بدء التفكير بحل سلمي للمعضلة سواء عبر جنيف 2 او غيره من المؤتمرات التي يجري اعدادها لحل المشكلة. القصير معركة كبرى رغم صغر حجم المدينة وهي معركة قاسية وطويلة نسبياً لكن النهاية عرفت منذ بدأ القتال بمشاركة مجاهدي حزب الله والمقاومين الذين رأوا فيما تمثله القصير وسلوكيات العصابات التي تسيطر عليها خطراً على المقاومة وحزب الله. إن انكشاف ظهر المقاومة سيكون محتماً لو بقيت القصير بذات الوضع السابق مع تعزيزات تصل من دول العدوان على سورية العربية خاصة اذا ما علمنا أنه يوجد بالقصير أسلحة ومعدات حديثة للغاية وأيضاً استحكامات كبيرة ومهمة وتجعل الاستيلاء على المدينة أمراً معقداً ويحتاج لتكتيك عسكري دقيق ومدروس وقوة نيران هائلة. إن اتهام الجيش السوري وحزب الله بقتل الناس لم يعد مقنعاً لأن الذي يتخفى تحت بيوت الناس وفي حجرات نومهم ويطلق النار على الحكومة يعرف مسبقاً أن الرد سيأتي ويطول المدنيين. المدنيين ليسوا دروعاً بشرية ولو كان هؤلاء ثوار حقيقيين لما استخدموا الناس وممتلكاتهم بهذه الطريقة المروعة ومن ثم التباكي على أرواح الشعب. إن قتل الناس أمر مرفوض ويجب وقفه بأي طريقة لهذا فإن معركة القصير حين تنتهي بانتصار الدولة والجيش النظامي وهذا أمر مؤكد سيساهم هذا الانتصار في تحجيم عدد القتلى في المعارك اللاحقة كما سيتيح الفرصة لتفكير أكثر عقلانية للمعارضة الخارجية والمسلحين التابعين لها. اللافت في موضوع الجيش الحر أنه وعلى ضوء نتائج اجتماع المجلس بقيادة جورج صبرا بتركيا طالب بحصة عددية تصل الى خمسين بالمئة من المجلس ورغم زيادة عدده باربعين عضواً إلا أن هذا الجيش رفض القسمة واعتبرها ظالمة له كونه يتحمل العبء الاكبر من المواجهة مع الدولة. إن اشارتنا لهذا الأمر في سياق الحديث عن معركة القصير ترتبط بموضوع الانقسام والارباك السائد في صفوف المعارضة وحلفائها من الدول الاستعمارية والرجعية العربية الأمر الذي يعرقل عملية البحث عن حل سلمي يوقف عجلة التخريب.
القصير سيطويها التاريخ قريباً ولن تعود موضع اهتمام الاعلام العربي الرجعي وفضائياته أو الغربي وبانتهاء معركتها سينخفض بالتأكيد مستوى العنف في كل سورية وهذا ما يتمناه كل من يحب سورية وشعبها الشقيق.
|