شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2013-07-02
 

الانتفاضة التركية تكشف ازدواجية اردوغان وحزبه!؟

زياد ابو شاويش

لم يكن الأمر يتعلق بقطع شجرة أو بناء مجمع حكومي في ميدان التقسيم باسطنبول حين اندفعت جماهير الشعب التركي لاحتلاله ومنع تنفيذ قرار البلدية الذي سرعان ما تراجعت عنه إثر تطور الأحداث المفاجيء والخطير وامتدادها لتشمل أكثر من تسعين مدينة في عموم تركيا، ولتزحف هذه الحشود لمقر رئيس الوزراء اردوغان وتحطم نوافذه وتحاصره، ولولا تعزيز الحراسات عليه بطريقة لافتة لاقتحمته جماهير الشعب الغاضبة ودمرته.

اذن الصورة التي رسمت معالمها سياسات حزب التنمية والعدالة الاسلامي في السنوات الأخيرة بدت اليوم واضحة ولا مجال فيها للتزييف أو الخداع وهي لا ترتبط كما يزعم اردوغان ومؤيدوه بالقوى العلمانية واليسارية أو التحريض، كما أن ملايين من خرجوا في الشوارع للتعبير عن رفضهم لحكومته ليسوا مجموعة من اللصوص كما صرح بذلك وهو يعلن بفوقية بأنه سيستأنف على قرار تراجع البلدية ويصر على البناء في ميدان التقسيم في تحد واضح لارادة الشعب.

من يتابع أخبار الحرية والديمقراطية في تركيا في ظل حكم الاخوان وحزب اردوغان يعرف أن مئات المفكرين والكتاب والصحفيين لا زالوا يقبعون في سجون تركيا بقرارات أمنية من حكومة الحزب الذي يتزعمه وهناك تقارير وشهادات من منظمات دولية ومحايدة أن تركيا تعتبر من أسوأ الدول التي تضطهد حرية الرأي والتعبير، ناهيك عن اعتقالات الضباط وكل من يرفض أسلمة الدولة وارتهانها للأصولية العقائدية التي تظهر بين الفينة والأخرى هناك.

وبالمعنى الشخصي لسلوكيات طيب رجب اردوغان فإن أي متابع لمواقفه وتصريحاته سيرى كم التناقض والشيزوفرينيا السياسية والفكرية التي تحكمها، بل إن الرجل وفي رده المتشنج على مظاهرات الأيام الماضية بدا كمن أخذته العزة بالاثم، وحين لفت مستشاروه إلى الخلل في هذه عاد الرجل ليلطف منها ويأمر بفتح تحقيق في أسباب ومسؤولية استخدام لعنف المفرط بمواجهة الجماهير الغاضبة.

لا ينكر أي عاقل أن الحزب الحاكم في تركيا حقق انجازات كبيرة خلال سنوات حكمه الأولى وحتى عامين سابقين في ظل سياسة تصفير المشاكل وفتح آفاق التعاون مع الدول العربية على وجه الخصوص بعد أن أغلقت أوروبا الباب في وجهه للانضمام إليها، وفي سابقة معبرة عن درجة التناقض في سلوك الرجل ومواقفه كمسلم أو مدعي فإنه من أجل تقريب يوم انضمامه لليورو قام بنفسه وعبر حزبه بإلغاء قانون تجريم الزنا.

السيد أردوغان لم يفهم على ما يبدو الآثار المترتبة على سياسة القطع مع سورية تحديداً ولم يفهم خطورة فتح بلاده للارهاب وتدفق "المجاهدين" منها إلى جارته الأقرب والتي كانت تربطه بها أوثق العلاقات وأكثرها ربحاً للشعب التركي، وحين سقطت أو بالأحرى فشلت سياسة تصفير المشاكل مع كافة دول الجوار لم يستوعب الرجل أن من يحفر لأخيه حفرة سيقع فيها، وأنه مهما حاول خداع الشعب بالقول أنه مع حرية الشعب السوري ويبني عليها تدخله الفظ لصالح اسرائيل وامريكا فان الاتراك أذكياء ويعرفون أن الوقوف المزعوم بجانب الحق والحرية له متطلبات تختلف عن سلوك التآمر والعمالة والتخريب الذي ينتهجه السيد أردوغان.

الوضع في تركيا يتفاقم وهو مرشح للازدياد رغم التهدئة التي تبدو في الافق ذلك أن أسباب هذه الاحتجاجات أو ما يمكن تسميته بالربيع تركي عميقة وكبيرة إلى الحد الذي لا يمكن تجاوزه عبر ما يتبعه أردوغان اليوم هو وحكومته. إن سقوط مئات الجرحى واستخدام كل اساليب القمع بما فيها الغازات المسيلة للدموع من طائرات الهليوكبير وهتاف الشباب في ميدان التقسيم "كتفاً بكتف ضد الفاشية" تشير إلى حجم المعضلة التي يواجهها النظام التركي في ظل قيادة الاخوان المسلمين وحزبهم الحاكم. ولأن عين أردوغان وحزبه تنظر اليوم لانتخابات العام القادم فإن المرجح أن تتخذ الحكومة والحزب اجراءات مرنة لاستعادة بعض الثقة التي فقدتها جراء سياستها العنيفة والفاشلة على غير صعيد بما في ذلك قمع المحتجين بشكل غير مسبوق.

قادة الاحزاب المعارضة وكل القوى المناهضة لحكم اردوغان ومعهم قسم كبير من المستقلين وغير المنتمين للاحزاب يرون في حزب اردوغان خطراً على بلادهم ليس فقط في الخارج بل في الداخل بالدرجة الأولى ويعتقدون أن هناك ميولاً فاشية للنظام يجب وقفها اليوم قبل أن تطيح بالبلاد والسلم الأهلي بها. نعلم أن الوضع ليس على درجة من الخطورة التي تؤذن بسقوط اردوغان وحزبه ورحيل حكومته لكن السياسة التركية وخاصة في شقها المتعلق بدول الجوار وفتح اراضيها للارهاب سيسرع بالوصول لهذه النتيجة وعلى الشعب التركي الذي انتفض اليوم في مواجهة الغطرسة الاردوغانية أن يكمل طريقه نحو دولة تعيش في سلام مع جيرانها وكذلك في سلام مع نفسها وتنتهي سياسة الازدواجية التي تحكم سلوك اردوغان وحزبه.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه