إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سعادة ينتصب على شرفته شامخَا ويبتسم... كل تمّوُز

الرفيق يوسف عبد الحق

نسخة للطباعة 2013-07-09

سبق هذا الكون دون استعجال، ومشى واثقًا، لا يحسب لمقاييس الزمن حساب، لأنه ولد من رحم طاهر، وزرع من لدنه نوىً لأجيالٍ تحتضر لتولد فيما بعد، فغدا طفلا ووالداً في آن، لم يُكتب عنه شيئا وهو طفل، لأنه لم يكن طفلاً، وبرزت رجولته وهو يافع عندما رفض أن يرفع علم المستعمر فوق مدرسة الوطن، وتعجّب مَن حوله، كيف يستطيع أن يفكر طفلٌ بالحرية والاستقلال وغيره راضخ للأمر ألمفروض، الطفل اسقط العلم ورفض الخنوع لسلطة الطغات والجمع في حيرة كيف يهلل للمستعمر ويسترضيه ويطبّل له عندما يصل!

طفلاً كان عندما امتطى صهوة الرجولة وشد بكفه العنان، مشمرًا عن جبينه لتستطع على وجهه شمس النبوغ ويعلن أن عصر الذل قد أفل وفجر النهضة قد شق كلح الظلمة وبعثر كل غيم مخيم على عيون شعبه المقهور.

أنطون سعادة لم يكن اسطورة خلقت للتغنى بأمجاد خيالية، كما الزير والمهلهل، بل هو الحقيقة الملموسة في لحمها ودمها، وفجر النبوغ المحسوس المنبثق من رحم ألأمة بعد أن عقّرها طاغيان: جهل الهوية والولاء لشريعة القبائل وشيوخها.

فاجئ الكون بثورة فكرية قوضت كل ما بناه لأمتنا أعداؤها، وأعلن الثورة على الجهل بالتنوير وعلى الفوضى باليقين وعلى البلبلة الفكرية بالإرشاد إلى أرومة ولادتنا، فعلّمنا من نحن، وراح يشخص العاهات التي بها أبتلينا، وبيّن عوارض الأمراض المستشرية في خلايا دمائنا، المسلطة على ضوابط أفكارنا، وبسط نتائج أبحاثه وتحاليله معلناّ إن ما جلب على امتنا هذه الويلات هو داء الفردية، المقارن بمرض السّكري في حياتنا هذه، لان من السّكري تُولد كل ألأمراض، وهو الداء الخبيث المتربص بالجسد، سريع الإنقضاض، تماماً كما الفردية التي منها تولد الطائفية والعنصرية والقبلية، وكلها مرض عضال لا تشفيه ادوية، بل تسكّنه أموال تدفع وتأججه خطابات تحرض!

إذذاك، تفرد الحكيم الشويري عن كل باحث ولج عالم الجينات القومية قبله، باحثّا عن جذور الأوبئة الفاتكة في مجتمع الهلال الخصيب، تفرد لأنه لم يستعِّر أدوات صُنعت في معامل المسبب لتراجع صحتنا الفكرية بل اعتمد على ما دخّرته مزوبوتاميا وحضارة ما بين النهرين من موسوعات علمية حضارية وعلى ما صنعته بيروت ودمشق والقدس وعمان من مجاهر العلم والثقافة، وأدوات التحليل المحلية، فاستعملها لأنها تقرأ أبجدية جبيل وتتبصر بعين ابن النفيس، فأخلصت لسعادة أدوات التمحيص واستخلص منها تشخيصًا واضحَا أن ويلاتنا مصدرها جهلنا لهويتنا وتشبثنا بالولاء لجاهلية جديدة: "الطائفية" وما يليها من كفر بكل دين، واستعدادنا لخوض المعارك التي يخططها لنا أرباب الطوائف كلما تُهدد المعرفة معاقل سطوتهم، فنهدر نحن دماءنا بأيادينا وبما يهبنا "لات وعزى الطائفة" من سكاكين التحريض واسلحة القتل!

تلك كانت الحالة الصحية لأمتنا آنذاك، لا بل الحالة المرضية هي التعبير ألأصح، مجتمع رجعي التفكير، متشتت ألولاءات، خاضعًا بسبب الفقر لزعيم الطائفة وأبنائه وأحفاده، مستجديًا بالتبعية لرضى والي المذهب!

وعند عودته للوطن، عانق سعادة العز القومي المتجسد بألوف المستقبلين، الذين هرعوا من الجبال والسهول والمدن المترامية في كل أنحاء سوريا، مشكلين تضامنًا عز نظيره، وكلٌ من تلقاء نفسه سعى للوصول إلى ارض مطار بيروت، وحلت الفرحة في كل قرية وعلى رؤوس القمم، وحل الذعر يفككك أوصال الطغمة المستبدة، من رأس الوطن حتى أخمص القدم، فاختباء منهم عدد خلف الستار على مقربة من شرفة الفارس العائد لربوعه بعد انتصار، حيث وقف يتنشق نسيمات الفرح المنبعثة من هتافات المستقبلين، معلنًا أن عصر الذل قد ولّى وأن سوريا على موعد جديد مع نهضة ثائرة على مخلفات الخنوع وأرباب السلطة، وتتعالى الهتافات "تحيا سوريا ويحيا سعادة" فترتجف قلوب الحكام كما ترتج الأرض تحت وطأة القائد المظفّر وجيشه جمع من الجيل الجديد الذي قرر أن يكون حراَ ومن أمة حرة.

ما أشبه اليوم بذلك اليوم! يوم عودة سعادة ليرى شعبَا إجترح من نحر المستحيل أمال النصر الذي ما لا مفر منه، وجسد الوحدة القومية بكل خصائصها وصفاتها، وتنتقم من هذا النصر زمرة باعت نفسها بتسعة من فضة الولاء لأجنبي صاغ لها نظام حكم على قياسها ونصبها لتحرس مصالحه ومصالحها، تماماً كما نحن اليوم: مقاومة إجترحت نصراً مبينًا، وحفرت في صخر الجنوب ملاحم بطولات أعادت لشعبنا نشوة اعتزازه، وزمرة تقبل لنفسها حياة الذل المحروسة من قبل الأعداء، تصافح الأيدي التي هدّمت كرامتنا وتقَّبل وجوه الذين استباحوا أرضناً وخسئوا أن ينالوا من عرضنا، وتستعين بهم في محاولة عابثة لتحقق للأعداء بالعهر المفضوح ما فشل أن يحققها بغزوٍ بربري، عسكري وسياسي واقتصادي.

وتخلق الاسير تلو الأسير وتسلحه وتطعمه وتسقيه وتزجه لكي يبداء حربًا مع المقاومة وتتجسد الذريعة لشن حرب ضروس ضد الأبطال الميامين، من الجيش والشعب والمقاومة، وتعود نيو جرزي لتقف أمام بيروت والجنوب والجبل وتسلط حممها على لبنان. هكذا كان المخطط لكنه انكسر في القصير وفي عبرا واخيراً في القاهرة! وها هم يلملمون فلولهم ويبحرون في بحر من الفوضى والخوف والانكسار، وليس من مرسىً لهم ولا من مرسي!

أما سعادة، في تموز من هذا العام، يقف منتصبًا على شرفة العز نفسها، كما شمخت قامته صبيحة ذلك اليوم، عندما أرتجت الارض في بيروت، وخاطب الجمع المستقبل، والأجيال التي تولد كل عام، منذ ذلك العام، وستبقى الولادات غزيرة وتجتاز مراحل الطفولة كما أجتازها سعاده عندما ولد، فإلى الرجولة فورًا،صفوفًا صفوف، على رؤوسها زوابع العز، وتسير بديعة النظام لتنتزع من المتصهينين والصهاينة، أعظم نصر في تاريخنا الحديث، فيبتسم سعاده، ومبتسماً سيبقى لأن قوة المقاومة التي أستشرف عزها آنّذاك، قد فعلت وغيرت وجه التاريخ!

وتموز الذي ضنه الأغبياء أنه مقبرة النهضة القومية الاجتماعية في رمال بيروت، يفاجئ العالم كل سنة بأن كل حبة رمل من شاطئ الملحمة البطولية، قد ارتوت من دماء سعادة الطاهرة وتحولت إلى رحم مقدس لن ينكفئ عن الإنجاب، يولّد كل عام جيلاً جديداً من أبناء الحياة، ولن ينال منه الفطام إلا بعد أن يتحقق النصر الكامل المحتوم وتستعيد سوريا قيمتها وقيمها وعزها القومي!

وحتما ستحيا سوريا ويحيا سعاده



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017