شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2013-08-19
 

مصر في وجه العاصفة وإرهاصات سياسية جديدة في الداخل والخارج

زياد ابوشاويش

يستطيع طرفا الصراع الدامي في مصر إنكار معرفتهما بالنتائج التي أوصلت إليها حالة التشنج والرفض لكل الحلول المطروحة التي عرضت عليهما من جهات أجنبية مثل أمريكا وأوروبا للخروج من المأزق الأخطر الذي تمر به جمهورية مصر العربية منذ عقود.

اليوم تشتبك الدولة مع مجموعات مسلحة جرى تجهيزها تدريباً وتسليحاً قبل وقت طويل من الآن، وأكاد أجزم أن الجيش المصري وحلفائه من القوى السياسية كانوا على بينة من حجم التعقيد الذي دخلته الأزمة عشية فض الاعتصامين بالقوة، كما أن تقديرات الجهات الأمنية كالمخابرات العامة والأمن الوطني وأيضاً الاستخبارات العسكرية كانت تشير لردات فعل انتقامية ستأخذ شكل حرب العصابات داخل البلد غداة فض الاعتصامات والعدد الكبير من القتلى والجرحى الذين سقطوا في المواجهة الدامية يوم الاربعاء الماضي.

لقد ذهب الطرفان وهما بكامل الوعي والادراك لمآلات الحرب المفتوحة بين الطرفين سياسياً وأنها ستتحول لمواجهة مسلحة مع بدء سريان الاجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية بما تعنيه من تغييب لدور الجماعة وملاحقة قادتها لاعتقالهم وتقديمهم للقضاء بتهم عديدة وأن النتيجة سوف تحسم لصالح مؤسسة الدولة أو ما يسميه بعضهم "الدولة العميقة".

يعتقد الاخوان المسلمون ومعهم بعض القوى الحليفة أن تصعيد المواجهة وإرغام الجيش المصري على التدخل واستخدام العنف للدفاع عن مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية سيثير الرأي العام الدولي وسيرغم الدول الغربية على اتخاذ اجراءات عقابية صارمة بحق السلطة القائمة في مصر، ليس هذا وحسب بل هم يعتقدون أن تكرار المجازر وابراز الوجه البشع للمواجهة بما فيها جثامين القتلى والحرائق والاعتداء على الكنائس واضطرار الشرطة لقمع جماعات فيها بعض المسلحين ممن يطلقون النار خلسة على قوات الأمن، يعتقدون أن هذا قد يستدرج تدخلاً عربياً وأجنبياً يسمح لحركة الاخوان بالتقاط انفاسها وخوض المعركة السياسية في ظروف مريحة. إن استعطاف الرأي العام الدولي على حساب أمن مصر ووحدة أراضيها ومستقبل شعبها لن يكون أمراً مقبولاً من المصرين الذين أبدى الكثير منهم ومن رموزهم الوطنية امتعاضهم من الأسلوب الذي تتناول فيه وسائل الاعلام الغربية وقناة "الجزيرة" تفاصيل المواجهة وإصدار تصريحات من جانب قادة غربيين يرفضها الشعب المصري ذو الحساسية العالية تجاه التدخل الخارجي.

المتتبع لمجريات الحدث المصري يلحظ بوضوح عمليات التحرك والانزياح الذي تبديه بعض القوى السياسية من أجل التموضع في المنطقة التي تتيح لهؤلاء الانتقال لمربع آخر في رقعة الشطرنج التي تمثل بشكل مدهش عمليات المواجهة الجارية الآن. إن القوى السياسية ممن حسمت أمرها مع خارطة الطريق يعلنون بدون لبس أن حركة الاخوان هي حركة ارهابية يجب أن تحظر على هذه الخلفية. القوى الوسطية ممن يضعون قدماً في البور وأخرى في الفلاحة يعلنون شجبهم لاستخدام القوة المفرطة لفض الاعتصامين رغم أن تلاحق الاحداث من ذلك اليوم تجاوز هذا الأمر ولم يعد مفيداً البكاء على الاطلال، لكنهم رغم ادانتهم لعملية فض الاعتصام بالقوة لا زالوا يعلنون موافقتهم على خارطة الطريق وأن عودة مرسي مستحيلة وأن الاخوان المسلمين يرتكبون خطأً قاتلاً إن دخلوا في مواجهة مع الدولة واستخدموا ما لديهم من أسلحة.

في ظل الحالة الراهنة وحالة الاستقطاب الحادة في المجتمع المصري نتوقع كغيرنا تصاعد العنف وازدياد العمليات التخريبية والارهابية في مختلف المحافظات المصرية وخاصة محافظات الاطراف كالصعيد وسيناء والاسكندرية بوجه بحري.

المشكلة التي سيواجهها كل من يتدخل لايجاد حل او اجراء مصالحة سيصطدم بتعنت من جانب الاخوان في مقابل توصيف عنيف من جانب جبهة الانقاذ وحركة تمرد لما يطلقون عليه عصابات الاخوان المسلمين.

إذن هي معركة كسر عظم سيجتهد كل طرف في كسب الراي العام الداخلي والخارجي. إن الرأي العام المصري بأغلبيته الكبيرة لا يحبذ وجود الاخوان في العمل السياسي من الأساس وما يقوله بعض السياسيين حول أن الحركة تعتبر أكبر كتلة منظمة في مصر ويجب اشراكهم في الحياة السياسية يواجهه رأي مضاد يتهم الاخوان بالخيانة الوطنية والتآمر على وحدة مصر وبيع قسم منها للأمريكيين الذين يسعون لحل المعضلة الفلسطينية على حساب الأرض المصرية في سيناء. المعركة ستتواصل وقد اعلنت الحكومة المصرية عبر وزير الداخلية عن تغيير قواعد الاشتباك والأرجح أن هذه القواعد سيجري تفحصها بعد فترة لتغييرها من جديد باتجاه ضبط الوضع الأمني بصورة أفضل في جمهورية مصر العربية.

التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ووصفه ما قامت به الحكومة المصرية بالخطأ والتجاوز لقي ردود فعل رافضة له تماماً كرفض المصريين لتصريحات الدول الغربية كافة، أما تجاه تركيا التي أبدى المصريون غضبهم وامتعاضهم من تصريحات رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان الاستفزازية فقد استدعت الخارجية المصرية سفيرها من أنقرة للتشاور وألغت مناوراتها البحرية مع تركيا، وحول العقوبات ووقف المعونات من الدول الرأسمالية فإن الحكومة والشعب المصري لم يكترثا بالأمر مثلما فعلوا تجاه مناورات النجم الساطع التي ألغاها الأمريكيون مع مصر وبالتالي فتحوا الباب وشرعوه لاتجاه مصر نحو روسيا في موضوع التسلح والدعم اللوجستي للدولة المصرية سياسياً وعسكرياً. في مصر يعتبر بوتين رئيس روسيا الاتحادية بطلاً ويتمنى غالبية المصريين أن تتجه بلادهم نحو إعادة العلاقات الاستراتيجية معها. الموقف الروسي والصيني في مجلس الأمن تجاه مصر هو ذات الموقف تجاه الأزمة السورية، ويبدو أن تجليات الصراع في مصر وفي سورية سيكونان عاملاً حاسماً في تغييرات عميقة تطال الإقليم ولصالح الأمة العربية وبالتأكيد لصالح مصر العروبة...مصر غبد الناصر التي نأمل أن تستعيد مكانتها في قيادة العرب. لقد اثبتت الأحداث أن هناك سياقاً رسمته الولايات المتحدة الأمريكية لا يتعلق فقط برسم خارطة جديدة للمنطقة بل الأخطر أن هذا السياق ومن خلال التدخل وتحريك البيادق يستهدف تدمير قدرات الجيوش العربية خاصة دول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني.

سوف تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لاطالة أمد المواجهات الدموية في مصر لتطمئن إلى النتيجة المتوخاة وربما يمكن فهم هذا الأمر من خلال التدقيق في تحركات وسلوك أمريكا وحلفائها، لكن السؤال يظل مشرعاً: هل ستنجح أمريكا في هذا المخطط الشيطاني؟



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه