إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

تحديات التغيير الديموغرافي في ظل الأزمة الشامية

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2014-03-18

الارشيف

شهد الكيان اللبناني، في تاريخه المعاصر، ثلاث موجات من التغيير الديموغرافي أدت كل واحدة منها إلى تطورات عاصفة ليس أقلها نشوب حروب أهلية طاحنة. ولن تختلف موجة النزوح الشامي الراهنة عن سابقتيها في السير بالمنطقة إلى مستقبل مجهول ــ معلوم!

الموجة الأولى حدثت بعد مجازر "طوشة النصارى" في دمشق سنة 1860. يومها استغل الوالي العثماني في سورية الصراع الدرزي ــ الماروني في جبل لبنان ليطلق يد الرعاع في شن مذابح ممنهجة استهدفت السوريين المسيحيين الذين كانوا يشكلون نسبة لا بأس بها من عدد سكان دمشق. وعلى رغم تدخل قيادات وشخصيات دمشقية لمنع المجازر، إلا أن موجة من الهجرة الواسعة حملت ألوف العائلات المسيحية من مناطق سورية مختلفة للإقامة "المؤقتة" في بيروت تحديداً، وإلى حد ما في بعض مناطق الجبل.

هذه "الإقامة المؤقتة" تحولت إلى إقامة دائمة بالنسبة إلى الغالبية العظمى من النازحين السوريين. ومع أنها لم تؤدِ إلى مزيد من الصراعات الأهلية آنذاك بسبب تدخل القوى الأجنبية في شؤون الجبل، غير أنها أسست لتعزيز فكرة قيام "الكيان اللبناني" كوطن خاص بالمسيحيين في المنطقة ما مهد الطريق لاحقاً لسلسلة من المواجهات الطائفية بعد إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير.

موجة النزوح الثانية جاءت بعد نشوء الدولة العبرية، ولجوء عشرات الألوف من السوريين الجنوبيين (الفلسطينيين) إلى لبنان بين 1948 و1949. في تلك الفترة المبكرة تم التوافق المحلي والإقليمي والدولي على استيعاب تلك الأزمة في إطارها الإنساني البحت. لكن عندما وقعت كارثة حرب حزيران سنة 1967، وما نجم عنها من موجات نزوح جديدة وصل جزء كبير منها إلى لبنان بطريقة أو بأخرى، تبدلت قواعد اللعبة بعد إنطلاق العمل الفدائي المسلح. وتضافرت عوامل عدة في تحول هذا التغيير الديموغرافي إلى عامل خلخل التوازن السكاني الهش في الكيان اللبناني، وسرعان ما لاحت مؤشرات الإنفجار الأهلي منذ العام 1969 وصولاً إلى الفتنة الأهلية في ما بات يُعرف بحرب السنتين 1975 ــ 1976.

والآن نحن أمام موجة نزوح جديدة جراء الكارثة الإنسانية التي تعيشها الشام منذ ثلاث سنوات، من دون أن تلوح في الأفق بوادر حلول سياسية أو عسكرية عاجلة. وتشير الأرقام المتوافرة إلى أن حوالي المليون مواطن شامي لجأوا إلى الأراضي اللبنانية، بعضهم أقام في مناطق سكنية محددة لكن الغالبية العظمى وجدت مأوى لها في مخيمات الإغاثة أو في مراكز إيواء مؤقتة مثل المدارس والنوادي والمباني الخالية وغيرها. وأعداد النازحين مرشحة للزيادة مع مواصلة الجيش الحكومي عملياته العسكرية لاستعادة الأماكن التي ما زال المسلحون يسيطرون عليها.

لا تكمن خطورة هذه الموجة الجديدة في نتائجها الاقتصادية والاجتماعية على الوضع اللبناني المنهار أساساً. إنما الخطورة في الطبيعة المذهبية للنازحين، وفي توزعهم المناطقي حسب تلك الإنتماءات. ولأن الكيان اللبناني يشهد منذ سنوات استقطاباً طائفياً حاداً ودموياً، فلن يمر وقت طويل قبل أن تصبح أزمة النازحين كمن يصب الزيت على نار الفتنة المذهبية المستشرية على مستوى الأمة السورية كلها.

هنا التحدي المصيري أمام القوميين الاجتماعيين. وقد سبق لنا أن حددنا قبل أكثر من سنتين مظاهر هذا الخطر المستجد في وثيقة "سورية مسؤوليتنا" التي خاض قسم كبير من القوميين الإنتخابات الحزبية على أساسها. ولكن للأسف لم يكتب لهؤلاء الرفقاء النجاح في الإنتخابات، ولم تتحول الوثيقة إلى برنامج عمل مرحلي كما كان من المفترض.

الواقع المرير الآن يستدعي ضرورة العمل السريع والممنهج لمواجهة ما يخبئه المستقبل لأمتنا ولشعبنا. إن وحدة القوميين الإجتماعيين هي الخطوة الأولى اللازمة لأي جهد قومي اجتماعي على مستوى الأمة كلها، وليس فقط في هذا الكيان أو ذاك. فلا نخادعن أنفسنا بالقول إننا نملك العقيدة القومية المحيية، وكفى الله المؤمنين القتال! ولا نخادعن أنفسنا بالزعم أن هذه الفئة أو تلك هي وحدها التي تقبض على زمام الحقيقة الحزبية الأصيلة! فإذا وقعت الواقعة، ستسيطر الغرائز العصبية على الجماعات المختلفة وتضيع لغة المنطق والعقل في خضم هيجان الغرائز المنفلتة في كل الإتجاهات!

أللهم قد بلغت...


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017