إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

التوحيد التصاعدي والتفتيت التنازلي

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2014-03-26

الارشيف

يُخيل لنا، ونحن ننظر إلى الخريطة السياسية العالمية، أن هناك ظاهرة تكاد تشمل غالبية الدول تتمثل في سعي الأقليات الدينية والعرقية إلى الإنفصال أو الاستقلال الذاتي عن الواقع الجغرافي القومي الذي تنتمي إليه. ويستوي في ذلك الدول المتخلفة أو الدول المتقدمة، من أفريقيا إلى آسيا، ومن أوروبا إلى أميركا الشمالية.

وقد شهدنا خلال الثلث الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي نجاح محاولات عدة في هذا الاتجاه منها على سبيل المثال تيمور الشرقية (إنفصلت عن أندونيسيا)، وبنغلادش (إستقلت عن باكستان بعد حرب)، وقبرص الشمالية (بعد غزو الجيش التركي)، وإقليم كوسوفو (بتدخل عسكري أطلسي). كما كانت هناك محاولات فاشلة مثل بيافرا في نيجيريا (بعد حرب دامية)، وفييتنام الجنوبية (على رغم التدخل الأميركي)، وكردستان العراق (قبل الغزو الأميركي)، والبوسنة ــ الهرسك الخاضعة حتى اليوم لـ "رعاية" أوروبية أطلسية.

غالبية تلك المحاولات، الناجح منها والفاشل، حدثت في ظل القطبية الثنائية زمن الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي. لكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي واضمحلال حلف وارسو الشيوعي، هيمنت الأحادية الأميركية على السياسة العالمية، ما وفر فرصة تاريخية لأوروبا الغربية كي تعيد ترسيخ مركزيتها على الساحة الدولية، بعد أن كانت حركات التحرر الوطني قد أنهت قروناً عدة من الممارسات الاستعمارية الإستعبادية الأوروبية.

أوروبا لم تنسَ هزيمة مرحلتها الاستعمارية المباشرة، فلجأت إلى وسائل جديدة من الاستعمار الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي. غير أن هذا الجانب ليس موضوع بحثنا اليوم، وإنما نريد تحليل كيفية تعاطي المركزية الأوروبية مع النزعات الدينية والعرقية، ليس فقط في دول العالم غير الأوروبي بل داخل أوروبا نفسها. علماً بأنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سارع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي إلى احتواء دول أوروبا الشرقية المنسلخة عن المحور السوفياتي، وصولاً إلى حدود روسيا نفسها في وقت كانت هذه الأخيرة تتلمس طريقها الخاص في أعقاب فشل المنظومة السياسية الشيوعية.

نبدأ أولاً في أوروبا. غياب الاتحاد السوفياتي كان يعني فك قبضة روسيا ليس فقط عن الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفياتي بل أيضاً عن الدول الأخرى الدائرة في فلك موسكو. الوحدة القومية لعدد من تلك الدول، مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، باتت على المحك. وسرعان ما وقع الطلاق: تشيكوسلوفاكيا إنقسمت حبياً، في حين تشظت يوغوسلافيا إلى مكونات عدة بعد حروب كارثية. وبينما كانت هذه الأمور تجري في الشرق الأوروبي، أخذت دول الغرب تواجه زخماً متجدداً لتحركات عرقية ودينية باتت تهدد وحداتها القومية "الراسخة"، أبرز نماذجها أيرلندا الشمالية وإقليم الباسك بين فرنسا وإسبانيا وكاتالونيا الإسبانية والشمال الإيطالي، وغيرها. علماً بأن هذه النزعات الإنفصالية كانت سابقة على انهيار المعسكر الاشتراكي، ولكنها استفادت من "نجاح" نزعات مماثلة في أوروبا الشرقية.

كان من الصعب على المسؤولين الغربيين التغاضي عن النزعات الإنفصالية في عقر ديارهم بينما هم يشجعون النزعات المماثلة في شرق أوروبا، وفي مناطق أخرى من العالم. ويبدو أن المخرج النظري من هذه المعضلة كان في ما يمكن تسميته "التوحيد التصاعدي". والمقصود بذلك إيجاد "هوية أعلى" تتجاوز الهويات الدينية والعرقية من دون أن تلغيها. الجماعات الدينية والعرقية يمكن أن تستقل (كوسوفو) أو تتمتع بحكم ذاتي (أيرلندا الشمالية) أو تطمح بالإستقلال عن طريق الاستفتاء الشعبي (أسكتلندا)... لكن تحت سقف أعلى أسمه الهوية الأوروبية من خلال الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. بهذه الطريقة تم استيعاب طموحات الجماعات العرقية والدينية من دون الوصول إلى الطلاق المؤلم!

غير أن هذه السياسة لا تنطبق على دول العالم الثالث الذي سبق أن تعرض لتقسيمات مجحفة قامت بها الدول الأوروبية الاستعمارية في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. لا ضرورة لاستعادة ذكريات الإرث الاستعماري في تقسيم المناطق التي خضعت لفرنسا وبريطانيا في الربع الأول من القرن الماضي، فهي معروفة وموثقة. لكن الجديد في هذه المرحلة بروز منهج جديد في التعامل مع الدول يمكن تسميته بـ "التفتيت التنازلي"، أي تقسيم المقسّم وصولاً إلى المكون الاجتماعي الأول لأية أمة من الأمم.

السودان تعرض للتقسيم بين شمال مسلم وجنوب مسيحي، بعد حرب أهلية دامت عقوداً. وما أن أظهرت نتائج الاستفتاء الشعبي رغبة الجنوبيين بالاستقلال، وقامت دولة جنوب السودان، حتى نشب صراع جديد غير ديني هذه المرة، بين القبائل المكونة للمجتمع الجنوبي. إنها منطقة غنية بالنفط، وسوق مهمة للبضائع والأسلحة. ولن يمانع الغربيون في تقسيم المقسّم طالما أن مصالحهم مضمونة ومحمية!

والأمة السورية نفسها، التي عانت من أحد أفظع مخططات التجزئة في التاريخ الحديث، معرضة لمشروع تقسيمي خطير ليست الأحداث في الشام إلا أحد مظاهره. إن نظرة هادئة ومتمعنة تكشف لن أبعاد المخطط: ما تبقى من فلسطين موزع بين الضفة وغزة. العراق يشهد بين حين وآخر دعوات إلى تقسيم ثلاثي، وما يجري هناك يدخل في هذا السياق. الشام، بعد ثلاث سنوات من القتل الممنهج، باتت أجزاء مهمة من أراضيها خارج سيطرة الدولة المركزية. وأخيراً لبنان، وإن حافظ على صورة الدولة الشكلية، فهو ممزق اجتماعياً وسياسياً وأمنياً، والآتي أعظم.

"التفتيت التنازلي" هو مصيرنا ما لم نعمل على "التوحيد الاجتماعي التصاعدي". إن نظرة سعادة إلى الإنسان المجتمع كفيلة وحدها بإغلاق أبواب التقسيم والتفتيت المشرعة، وبناء المتحد القادر على إبراز المصلحة القومية العامة من دون أن يلغي الخصوصيات الذاتية للجماعات المكونة للشعب السوري. أما على المستوى الآني الملح، فيمكن للدول السورية كافة أن تعتمد قاعدة "التوحيد التصاعدي" بين كيانات الهلال الخصيب بحيث يتم تنسيق خطوات مواجهة المخاطر المصيرية، وأهمها راهناً الإرهاب بكل أشكاله والفكر التكفيري الإلغائي والاستقطابات المذهبية الحادة. فنحن نعيش الآن مرحلة سقوط حدود سايكس ــ بيكو أمنياً، ولا بد من التخطيط لتعزيز ذلك السقوط على المستويات القومية الأخرى.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017