إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الامانة والخيانة لا تجتمعان الأمين الدكتور منير خوري

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2014-07-02

الارشيف

كنا مجموعة من الطلبة الجامعيين لا تتجاوز أصابع اليدين عندما بدأنا بتنظيم العمل الحزبي القومي الاجتماعي في ستينات القرن الماضي في كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية بعد محاولة الثورة الانقلابية في لبنان التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي ، ولم يكن بيننا يومها أي طالب منتمي وملتزم بمباديء الحزب مما سهَّل علينا العمل القومي الاجتماعي في أوساط الطلبة بحرية وأمان خصوصاً في الحقل الاذاعي الذي امتد الى مدارس كثيرة في حلقات اذاعية نشرح فيها مباديء الحزب وغايته وفلسفته ومفاهيمه في الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والسياسة والادب وغير ذلك . وكنا في الوقت نفسه نتابع محاكمات الأمناء والرفقاء القوميين الاجتماعيين ومرافعات المحامين ودفاع الأمناء والرفقاء باهتمام كبير الذين كانوا مثالاً في الوعي وقدوة في الصمود وأبطالاً في الموقف المسؤول، بحيث تحولت المحكمة الى ندوة ثقافية بامتياز في شرح وتوضيح مباديء الحركة القومية الاجتماعية وغايتها وفلسفتها والكثير من الأمور التي أعطتنا عزما لمتابعة نشاطنا ودراساتنا المعمقة التي أهلتنا لتشكيل فريق عمل منسجم نجح نجاحاً كبيراً .

وهكذا توسع مجال نشاطنا القومي الاجتماعي وتعددت الدوائر والحلقات وانتقلت من جامعة الى أخرى، ومن ثانوية الى ثانوية ،ومن مدرسة الى مدرسة حتى شمل نشاطنا جميع محافظات لبنان ، لكن حصلت حادثة عل ما أذكر كادت تذهب بكل ما انتجناه وأعني حادثة تختص بانتخابات اتحاد الطلبة الجامعيين وبالاخص رابطة الطلبة في كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في منطقة الصنايع في بيروت حيث انقسم رفقاؤنا الى تيارين : تيار كان الناطق باسمه طالب العلوم السياسية والاقتصادية السنة الرابعة وهو العضو الوحيد المؤدي قسم الانتماء من الطلبة المجتمعين لدراسة خوض الانتخابات وهو الرفيق جورج قيصر من مدينة اللاذقية في الكيان الشامي .

اتسم موقف الرفيق جورج بالتعقل والروية الى ابعد حدود التعقل والروية التي تصل الى مايشبه القعود يقابله موقف آخر للطالب الراحل أنطوان داغر الذي بلغت جرأته حدود التهور .

الرفيق جورج قيصر يرى انه علينا ان لا نرتكب الأخطاءالسابقة التي قد تؤدي بنا الى السجون وعلينا ان نخوض الانتخابات بمنتهى السرية والكتمان ومن وراء الستار . والطالب أنطوان داغر له رأي آخر يتلخص بأن نخوض الانتخابات علناً وبكل جرأة وشجاعة حتى لو أدى ذلك الى دخولنا السجن جميعاً . وعند هذا الحد انقسم رفقؤنا الطلبة بين مؤيد لموقف الأول ومتحمس لموقف الثاني واشتد النقاش والخلاف وانقسم الحاضرون الى جبهتين متصادمتين ولم اكن حتى تلك اللحظة قد ابديت رأي بالنسبة للموضوع . فأراد الطرفان ان يسمعا رأي حول الأمر لتحديد موقفي من النزاع الذي حصل . وكان لا بد من ايجاد مخرج للخروج بأمان ،والمحافظة على ما استطعنا انجازه من خلال نشاطاتنا لكي لا يؤدي ذلك الى انتكاسة وفشل نحن بغنى عنها .

بدأت الكلام بالاستشهاد ببيتين من الشعر للمتنبي هما :

الرأيُّ قبل شجاعة الشجعان

هو أولٌ وهي المحلُ الثاني

فاذا اجتمعا لنفسٍ حرةٍ

بلغت من العلياء كل مكانِ


قلت بعد هذا الشعر: نحن يا رفقائي طلبة انتصار ولسنا طلبة سجون وهذا ما ينبغي ان يكون شعارنا في هذه المرحلة ، ولا نستطيع أن نحقق الانتصار الا اذا كنا أبطالاً . وشرعنا الأعلى كما قال المعلم سعاده هو العقل . ولذلك لا يحق لنا أن نفرّط لا بالعقل ولا بالبطولة . لأن البطولة غير العاقلة تؤدي الى الانتحار ، والعقلُ غير المحصن بالبطولة لا يؤدي الى نتيجية مرضية .

كان حظي موفقاً في ذلك الاجتماع اذ استطعت أن أعيد الهدوء وأخفف من الجو المشحون الذي كاد أن يؤدي الى الانفجار . وبما اننا كنا نتابع جميعاً محاكمات القادة والرفقاء القوميين رحت أركز على مواقف رفقائنا في السجن وأعطي الأمثلة الحيّة عن مواقفهم المشرّفة التي نفخر بها جميعاً . وخصوصا مواقف قادة الحزب الرائعة حيث كتب الصحفي سومها كسروان لبكي مقالاً عن الأمين الدكتور عبدالله سعاده وموقفه ومرافعته في المحكمة قائلا : ليت هذا الشموخ للبنان أي ليت شموخ عبدالله سعاده للبنان لأن شموخ عبدالله سعاد بنظره كان لسوريا ولم يدر ان في شموخ سوريا شموخ للبنان وفلسطين والعراق والاردن والكويت وكل قرية او دسكرة في بلادنا . والمثل الثاني الذي اعطيته ما قاله المشترع الفرنسي موريس غارسون بعد لقائه برفقائنا المساجين ولقائه برئيس المجلس الأعلى الأمين محمد بعلبكي حيث قال : يجب أن يتسلم هؤلاء مقادير الدولة لا ان يوضعوا في السجون. الى أن وصلت الى الموقف المميز للأمين الدكتور منير خوري الذي صدر بحقه حكماً بدائياً يقضي بالسجن عليه لمدة اربع سنوات .

ولأن الدكتور منير كان استاذاً جامعياً وله مكانة خاصة عند بعض السياسيين وأصحاب الوجاهة ويريدون أن يخرجوه من السجن بحكم أخف وربما لزرع الشكوك في صفوف القوميين واحداث بلبلات. وبما انه قد صار معروفاً ان الامين منير عضو المجلس الاعلى كان معارضاً لفكرة الانقلاب الذي حصل ، فقد جرت بعض الوساطات وحاول القاضي ان يستميله ليغيّر بعض أقواله. فقد بدأ القاضي بالحديث عن الدكتور منير قائلا : ان الدكتور منير خوري هو اساذ جامعي معروف ومشهور ، ويحمل شهادات مهمة من عدة جامعات وأوكلت اليه مهمات رسمية كثيرة ويدرس في اكثر من جامعة ، ثم التفت الى الدكتور منير خوري وقال باستهجان : ولو يا دكتور منير أنت أيضاً مع هؤلاء ؟ وكان يقصد بهؤلاء أي الجهلة والمخربين الذين كانوا يريدون تدمير النظام اللبناني.

أجابه الدكتور منير خوري بهدوئه المعهود وبرويته : نعم يا حضرة القاضي أنا الدكتور منير خوري الاستاذ الجامعي وصاحب الأوسمة والشهادات التكريمية التي تحدثتَ عنها ، ولكني أعترف أمامكم أنني كنت احسب نفسي أمياً حتى اعتناقي لمباديء الحركة السورية القومي الاجتماعية ، وجميع هؤلاء هم رفقاءي واعتزازي بهم كبير جداً ،واني ادعوكم الى الاطلاع على تلك المباديء .

فقال له القاضي : لكنك اعترفت في البداية انك كنت معارضاً للانقلاب وأنت من أعضاء قيادة الحزب ، فلماذا لم تخبر السلطات بذلك وبقيت متكتماً ؟

أجابه الأمين منير : أنا يا حضرة القاضي أمين في الحزب السوري القومي الاجتماعي والأمانة والخيانة لاتجتمعان . والأمين يتحمل مسؤولية أمانته ولا يمكن أن يكون خائناً مهما كان الحكم قاسياً عليه .

وقع جواب الأمين منير خوري وقع الصدمة على القاضي فشدد الحكم عليه ورفعه من اربع سنوات الى ثماني سنوات.

رويت هذه القصة في تلك الليلة العاصفة بين الرفقين جورج قيصر وأنطون داغر في شقة الرفيق كمال الحلبي التي كنا نجتمع فيها سرياً بعيداً عن أعين المخابرات اللبنانية ورجال المكتب الثاني الذين كانوا يلاحقون اعضاء الحزب في كل مكان من لبنان ويحرضون الشعب على القوميين الاجتماعيين ويتهمونهم بكل فرية .

ثم انهيت كلمتي في ذلك الاجتماع طارحاً السؤال على الجميع : ماذا تريدون أن نفعل ايها الرفقاء ؟ هل تنفعنا الشجاعة بلا تعقل أم التعقل بلا شجاعة ؟ هل نحن طلبة سجون أم نحن طلبة انتصار ؟ كيف نحافظ على طهارة نهضتنا ان لم نحافظ على بطولات رفقائنا وأمانة أبطالنا ؟ أتريدون أن نكون أمناء على نضارة تلك الأمانة التي كلفت الأمين منير خوري حكماً اضافياً مشدداً وصل الى ثماني سنوات سجن بعد أن كان اربع سنوات ؟ أم تريدون ان نخون الأمانة ونساعد قوى الظلم والطغيان على عرقلة مسيرتنا وتعطيل جهودنا بانقسامنا على بعضنا، وبتمزق وحدتنا ، فنخسر بذلك أنفسنا ، ولا يفيدنا بعد ذلك ربح العالم كله ؟ وقبل ان انهي كلمتي كانت عيون بعض الرفقاء تحبس دموعاً تكاد تنفجر وتذهب الخلافات ليخرج جميع الرفقاء بقرار موحد وبترشيح اثنين من رفقائنا عن السنة الأولى حقوق أحدهما يعلن عن نفسه انه من أنصار مباديء الحركة السورية القومية الاجتماعية هو أنطوان داغرالذي لم يحالفه حظ النجاح ، وآخر مرشح سري كان الفائز الأول في انتخابات الطلبة اسمه سمير ضومط .

و كان استهجان الكثيرين من الطلبة بارز جدا حين رأوا انطوان داغر ومؤيديه العلنيين يهجمون على سمير ضومط بالتهنئة والعناق والقبلات

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017