إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

التأسيس العلمي للعقيدة ومعنى النظرة الى الحياة والكون والفن

الرفيق شحادي الغاوي

نسخة للطباعة 2014-11-06

نحن على مشارف الذكرى ال82 لتأسيس الحزب ،وهذا زمن طويل اذا نظرنا الى التأسيس كحدث سياسي كان يفترض انه قد انجز خلال هذا الزمن اهداف سياسية أقلها الوصول الى السلطة، او بعض السلطة في الدولة كما فعل غيره من الاحزاب السياسية التي تاسست بعده وسبقته في وصولها الى السلطة وقيادة الدولة . ولكنه زمن قصير أذا نظرنا اليه كحدث ثقافي نهضوي روحي ينطوي على فلسفة جديدة ونظرة جديدة الى الحياة والكون والفن . أثنان وثمانون سنة هي لحظة تاريخية قصيرة عندما يكون التأسيس هو تأسيس فكرة وحركة تتناولان حياة ألامة السورية بأسرها والتي كانت امة معلمة وهادية للامم، واعادة الحياة والحيوية والريادة اليها بعد ان ظنها اعداؤها ميتة، كما يقول سعادة، وهي قد فقدت وجدانها القومي على مدى عهود طويلة وفقدت هويتها وشعورها بكيانها وشخصيتها ووجودها وبوحدة حياتها ووحدة مصالحها ومصيرها في هذه الحياة وهذا الوجود .

أذا نحن امام حدث غير عادي وغير تقليدي والتأسيس ،تبعا لذلك، لا بد ان يكون مبنيا على شيء ثابت راسخ قوي لا يهتز ولا تزعزعه الانواء والعراقيل والصعوبات ولا اي نوع من انواع النوائب والمصائب. هذا الشيء الراسخ هو العلم بما يعنيه العلم من معرفة الحقائق والوقائع معرفة يقينية عقلية لا يرقى اليها الشك أبدا ، وقد اسماه سعادة بالاساس العلمي للعقيدة احيانا وباساس التطور الانساني احيانا اخرى ، كما سنرى .

منذ اللحظة الاولى لتفكير سعادة بتأسيس الحركة السورية القومية الاجتماعية بدأ من نقطة تحديد علاقة الفكرة بالحقيقة، علاقة النظرية بالواقع , وكله معناه : علاقة الفلسفة بالعلم . أن علاقة الفلسفة بالعلم أشار اليها سعادة في اماكن كثيرة جدا ولكننا سنكتفي ههنا بذكر ثلاث أشارات منها فقط .

الاشارة الاولى : وهي اول وثيقة مكتوبة له بعد انكشاف أمر تأسيس الحزب بعد ان كان سريا، يشرح فيها لماذا وكيف اسس الحزب ، وهي كتاب موجز ارسله من سجنه الاول الى محاميه يجيبه فيه عما دفعه الى انشاء الحزب. في هذا الكتاب يذكر سعادة انه بدأ من السؤال الفلسفي" ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟" ويقول : " ....وبديهي انني لم اكن اطلب الاجابة من اجل المعرفة العلمية فحسب،فالعلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضر، وانماكنت اريد الجواب من اجل اكتشاف الوسيلة الفعالة لازالة اسباب الويل. وبعد درس اولي منظم قررت ان فقدان السيادة القومية هو السبب الاول في ما حل بامتي وما يحل بها، وهذا كان فاتحة عهد درسي المسألة القومية ومسالة الجماعات عموما والحقوق الاجتماعية وكيفية نشوئها ..... " الى ان يقول : " ولما كانت دروسي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد اوصلتني الى تعيين امتي بالعلوم المتقدمة وغيرها...أسست الحزب ووحدت فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي سورية للسوريين والسوريون امة تامة " .

الاشارة الثانية : في الشرح الموسع للمبادئ وبالتحديد شرح المبدأ الاساسي الاول، يقول : " حين ابتدأت افكر في بعث امتي ونهضتها والاحظ الحركات السياسية الاعتباطية القائمة فيها لاحظت انه لا يوجد اجماع على تعيين هويتنا وحقيقتنا الاجتماعية ورأيت ان كل عمل قومي صحيح يجب ان يبدأ من هذا السؤال الفلسفي: من نحن؟ والذي وضعته لاول مرة امام نفسي منذ بدء تفكيري القومي الاجتماعي والذي شرحت اهميته التأسيسية في احاديث ومحاضرات عديدة في بداية نشر تعاليمي، وقد اجبت نفسي بعد التنقيب الطويل(اي بعد الدرس العلمي الطويل) فقلت نحن سوريون ونحن امة تامة وكان وضعي مبدأ سورية للسوريين والسوريون امة تامة ."

الاشارة الثالثة : سعادة يقول في مقدمة كتابه العلمي "نشوء الامم" ان كتابه هو الاساس العلمي للعقيدة ، فالعقيدة اذا ، اي الفلسفة، قد تأسست على العلم وبنيت عليه اي على المعارف والحقائق العلمية وليست العقيدة والفلسفة مجرد نظريات دون معلومات او افتراضات دون اساس .

أعتقد انه صار بامكاننا الان ، بعد هذه المقدمة من ان ننتقل ونستعرض في هذا المصور الاول ونبين العلاقة التسلسلية بين ما يسميه الدارسون الاكاديميون : العلوم وفلسفة العلوم وفلسفة الحياة .

الله مصدر الكون وسبب الحياة



1 – العلوم هي حاصل درس الحياة والانسان وكل ما يحيط بهما من مادة وقيم ومعرفتها معرفة عقلية يقينية بالتجربة والبرهان والقياس. هي معرفة الوقائع والحقائق كما هي .

2 – فلسفة العلوم هي درس مبادئ واسباب وعوامل الحياة والانسان والاشياء ، هي البحث عن اجابات للاسئلة التي لا تنتهي في هذه المواضيع مثل : ما هو سبب وجود الحياة اي لماذا وجدت الحياة وما هو سبب وجود الكواكب وسر انتظام حركتها ،ما هو سبب دوران الارض ، لماذا يتوزع النوع البشري الى اجناس سلالية متعددة، متى حدث ذلك وكيف ولماذا. لماذا هناك امم ومجتمعات وليس امة واحدة ومجتمع واحد يضم البشرية كلها ولماذا تتعدد الثقافات الانسانية وتتباين ولماذا لا يوجد ثقافة انسانية واحدة جامعة شاملة دون تباين بين مجتمع واخر .ما هو الصراع ولماذا يوجد صراع مصالح بين الامم وما هو المبدأ والسبب الاساسي لهذا الصراع ....الخ.

كلما توغلنا في المزيد من هذه الاسئلة نصل الى فكرة الله علة وجود الحياة والانسان والغرض من وجود الحياة والانسان. وكل سؤال من هذه الاسئلة الكثيرة التي لا تحصى ولا تعد عندما يجد جوابه الاكيد المثبت بالبرهان يصبح علما ويبطل ان يكون في دائرة فلسفة العلوم.الذي يبقى في دائرة فلسفة العلوم هو السؤال الذي لم يجد جوابا علميا اكيدا عليه بعد، هو الذي لا يزال خاضعا للتأويل والتخمين والترجيح والنظريات التي لم يتم برهانها بالعلم والتي تحمل في ذاتها امكانية خطئها وبطلانها كما امكانية صحتها وصلاحها. ولا بد من الاشارة الى ان الاجابة العلمية على بعض الاسئلة المشار اليها فوق، وغيرها، قد استغرق الاف السنين من التفكير والتخمين والبحث الى ان اصبح علما أي الى ان اصبح حقيقة معروفة عند الانسان بعدما كان حقيقة معروفة عند الله، أي الى ان اكتسب قيمة الحقيقة حيث الحقيقة كقيمة انسانية هي وجود ومعرفة انسانية لهذا الوجود.

3 – عملية الاستفادة من العلوم ، من الحقائق والمعارف الانسانية، اي عملية استعمال العلوم واستخدامها من اجل الحياة وتحسين الحياة وتجويدها هي ما نسميه بالفن .لذلك كثيرا ما نقرن العلوم بالفنون ونقول : العلوم والفنون.

اما فلسفة الحياة فهي ارقى مراتب الفنون . هي فن التخطيط للحياة الجيدة التي فيها الحق والخير والجمال . الفلسفة هي فن رسم الحلول الذهنية لقضايا الحياة استنادا الى معارف الانسان واختباراته وعلومه وثقافته. وهكذا فشرط الفلسفة لان تكون فلسفة صحيحة نافعة هي ان تكون مؤسسة على العلم وحقائق الحياة والوجود وان لا تتعارض مع هذه الحقائق ابدا . وهذا ما نسميه مبدأ التوافق او الانسجام بين العلم والفلسفة .

هناك فلسفات كثيرة ومتناقضة احيانا ، وكل فلسفة على الاطلاق تدعي انها صحيحة وحقيقية وجيدة ونافعة للانسان ومصالحه ومستقبله، لذلك كل فلسفة على الاطلاق لها اتباعها ومعتنقيها والمدافعين عنها . أما كيف نحل هذه المعضلة ونعرف ما هي الفلسفة الصحيحة وما هي الفلسفة الفاسدة، فبالحرية حيث الحرية صراع فكري سلاحه العقل وادواته هي الحقائق المستمدة من العلوم .

أن اول وافضل واقوى حجة ندافع فيها نحن اصحاب فلسفة سعادة عن فلسفتنا وعقيدتنا تجاه غيرها من الفلسفات والعقائد هي حجة الانسجام والتوافق مع الحياة اي مع العلم وحقائقه والمعارف الانسانية وحقائقها .

بعد هذا الشرح النظري سنتقدم الان ونعطي امثلة من الحياة ، وسنبدأ من اكثر الامثلة بساطة وسهولة ووضوح لنستطيع بعد ذلك من اخذ امثلة من الحياة الاكثر تشعبا وتركيبا .



الله علة الوجود ومصدر الكون




ملاحظات حول الماسة الثانية :

بقي الانسان الاف السنين يعلل ويخمن ويتصور اسبابا لوجود الليل والنهار والفصول الاربعة قبل ان يأتي كبرنيكوس و غاليليه ويقولا ان الارض مستديرة وليست مسطحة وهي تدور حول نفسها وحول الشمس ، وقبل ان يثبت العلم بالدليل القاطع نظرية كوبرنيكوس وغاليليه الذي حكمت عليه الدولة الدينية بالهرطقة لانها كانت تعتقد ان الله قد اوقف الشمس عن الدوران كي يطيل النهار ويتيح ليشوع بن نون ان يستكمل الاجهاز على اعدائه الكنعانيين السوريين، والتي كانت تعتقد ان الله اصعد نبيه الى اعلى جبل في الارض كي يرى جميع ممالك الارض مما يعني ان الارض مسطحة !!


وكان اليهود في توراتهم قد قالوا ان الههم قد خلق الليل والنهار في اليوم الثاني ثم خلق الشمس في اليوم الثالث ، وبديهي ان ذلك خطأ علمي اذ وجب ان تكون الشمس موجودة قبل الليل والنهار ليكون هناك ليل ونهار . ان العلوم قد امتلكت ناصية الحقيقة في هذه القضية واثبتت بالبرهان القاطع نظرية كوبرنيكوس-غاليليه : ان دوران الارض حول نفسها وحول الشمس هما السبب في نشوء الليل والنهار وفي وجود الفصول الاربعة.

السؤال الاول (لماذا هناك ليل ونهار) والسؤال الثاني (لماذا هناك فصول اربعة) اخرجهما العلم من دائرة فلسفة العلوم ليصبحا في دائرة العلوم ، اي ليصبحا في دائرة الحقائق والمعارف الانسانية . ولكن هنا نشأ سؤال جديد لم يكن مطروحا من قبل ينتمي الى دائرة فلسفة العلوم وهو : لماذا تدور الارض ؟ هذا السؤال لا يزال اليوم ينتمي الى دائرة فلسفة العلوم لانه لم يحظى بعد علىى جواب علمي ثابت وقاطع ، لا يزال خاضعا للتاويل ولتعدد النظريات العلمية غير المثبتة بالبرهان .

اما في دائرة الفنون وفلسفة الحياة فهو اننا يجب ان نعمل في النهار وننام في الليل لانه اذا فعلنا العكس هربا من حر النهار او طلبا للهدوء وجمال القمروالنجوم في الليل فسننتهي لنصبح عميانا ومفتتي العظام ،لان العلم يقول ان جسم الانسان بحاجة لاشعة الشمس ليكتسب منها فيتامين د الضروري لصحة العظام ، وان فتح العينين للنور والضوء ضروري لصحة النظر وسلامته . هكذا حكمنا على الفلسفة التي تقول بوجوب العمل في الليل والنوم في النهار انها فلسفة عاطلة وفاسدة لانها تتعارض مع العلم وحقائقه وتخالف مبدأ التوافق والانسجام بين العلم والفلسفة.


أعتقد انه صار يمكننا الان ان ندخل اكثر في صلب موضوعنا واعطاء مثل وصورة عن كيفية تأسيس العقيدة القومية الاجتماعية على علم الاجتماع ، ولكن دعونا قبل ذلك ، ومن اجل ذلك ، نوضح الفرق الرفيع والدقيق بين ما نسمية تعاليم ومبادئ وعقيدة وفلسفة ونظرة الى الحياة والكون والفن .

نعرف ان هذه التعابير هي متشابهة وهي كلها في الاخير تعني شيئا واحدا هو القضية التي نؤمن بها ونعمل لها وهي لشدة ايماننا بها تساوي وجودنا كله، من اجلها وعلى طريقها قد صنعنا ملحمة صراع كبير وعنيف كلف دماء ودموع غزيرة والام كبيرة وصبر عظيم وثقة كاملة بالانتصار الاخير ، لان الحق انتصار في معركة انسانية تجري ضمن هذا الوجود، يقول سعادة، وهو قد وصف هذه المسيرة بكلمات قليلة هي : "صحة العقيدة وشدة الايمان وصلابة الارادة ومضاء العزيمة" .


التعاليم هي ما نتعلمه ، وما نتعلمه هو المبادئ . المبادئ هي ما نبتدئ به في مقاربتنا لشؤون حياتنا ، اي ما ننطلق منه في نظرنا للامور وفي اعمالنا ايضا ، المبادئ هي بنود العقيدة ، هي العقيدة ملخصة في بنود اساسية ثمانية . العقيدة هي ما نعتقد به ( لا اقول ما نعتقده الذي معناه ما نظنه، وهو ضعيف )، ان ما نعتقد به هو ما نتخذه ايمانا لنا لا نحيد عنه حتى الموت ، وهي ما نسميه ايضا الفلسفة ، وبالتحديد فلسفة الحياة ، وان كانت الفلسفة لا تعني بالضرورة ارتباط المؤمنين بها مع بعضهم كما تعني كلمة العقيدة.وكان سعادة في السنين الاولى من التاسيس اكثر استعمالا لكلمة العقيدة منها لكلمة الفلسفة لما لكلمة العقيدة من معنى التعاقد وارتباط الجماعة الوثيق في فكرة وحركة واحدة .


هكذا اذا فالتعاليم والمبادئ والعقيدة والفلسفة هي شيء واحد تقريبا ، تعابير مختلفة بمضمون واحد . أما النظرة الى الحياة والكون والفن فهي اكثر من ذلك ، انها مصدر التعاليم والمبادئ والعقيدة والفلسفة .انها نظرة شاملة تتضمن الاحاطة بالعلوم وفلسفة العلوم وفلسفة الحياة معا . وان سعادة قد امتاز ايضا فوق انه صاحب نظرة شاملة الى الحياة والكون والفن ، امتاز بانه معلم قد بسط نظرته وفلسفته ليسهل تلقيها من قبل الناس ويسهل فهمها . لقد وضعها في مبادئ ثمانية وشرحها شرحا اوليا ثم وضع هذه المبادئ مع الشرح في كتيب صغير اسماه كتاب التعاليم ليكون في متناول كل من يجيد القراءة . لعل سعادة هوالفيلسوف الوحيد صاحب النظرة الشاملة الذي يلخص فلسفته و نظرته ويكتبها بشكل مبادئ ويقدمها لعامة الناس كتعاليم .

اذا من النظرة الى الحياة والكون والفن الى كتيب التعاليم، رحلة فكرية للدارسين من اكثرهم ثقافة وعلم واطلاع وادراك الى عامة الناس واقلهم ثقافة وعلم واطلاع وادراك . كثيرون من يقبلون التعاليم واقل منهم من يعتنقون المبادئ ويفهمون ترابطها ومتانة تركيبها وتسلسلها ، وليسوا كثيرين من يدركون ادراكا عاليا كل ابعاد العقيدة ويفهمون تماما معنى الفلسفة ، واقل من هؤلاء من يتصل اتصالا عقليا واعيا فاهما بالنظرة الشاملة الى الحياة والكون والفن ، وخاصة النظرة الى الكون !


البعض قالوا : وما هو الكون وما دخل لنا ولحزبنا وقضيتنا بالكون ولماذا نتدخل في قضايا الكون ، اليس اجدر بنا ان نهتم بالحياة بدل الانصراف الى الكون ؟؟ ألم يقل سعادة في مقالته "نظرة سعادة الى الانسان" بأن موضوع فلسفته هو الانسان والقيم الانسانية لا منشأ الكون ؟؟؟ بلى سعادة قال ذلك ، وقال اكثر من ذلك ايضا ، قال ان السوفستيين الاغريق اي ما يعرف بالسفسطائيين انهم رغم تهدم اسلوبهم وفساد نظريتهم قد احدثوا تطورا فلسفيا عظيما بنقلهم موضوع الفلسفة من الكون الى الانسان . وقال انه سواء اكان جعل السوفستيين الانسان موضوع تفكيرهم بوعي صحيح كلي لخطورة التطور الذي احدثوه ام بلا وعي، فان قيمة موضوعهم هي انه يجب على الانسان الذي يحاول ان يوضح احجية ما هو الكون ان يوضح سؤالا اسبق هو ما هو الانسان نفسه الذي اخذ على عاتقه حل احجية ما هو الكون .


بعد كل ذلك وبعد تنبيه سعادة المتكرر بان قضيتنا هي الحياة وشؤون الحياة وليس منشأ الكون والماوراء والغيبيات وما وراء الحياة التي هي امور لكل منا حريته الشخصية الداخلية للايمان بها كما يشاء ، بعد كل ذلك نسال لماذا كان لسعادة اذن ، ولنا معه ومن بعده، نظرة الى الكون هي جزء من نظرة الى الحياة والكون والفن ؟؟

الجواب هو ان نظرة سعادة الى الكون لا تعني ابدا نظرة الى منشأ الكون او ما هو الكون الذي كان موضوع الفلسفة الاغريقية في مرتبتها الاولى مع طاليس أي قبل سقراط . اذن موضوع الكون هو غير موضوع منشأ الكون . الكون الذي ينظر اليه سعاده هو هذا الذي يتضمن الوجود ويشمل الحياة في اساسها ومصالحها ومصيرها وكل ما يتعلق بالحياة وارتقاء الحياة .وهذا يختلف جذريا عن موضوع الفلسفة الاغريقية في مرتبتها الاولى الذي هو موضوع كيف انوجد الكون ومن أوجد الكون ولماذا اوجد موجد الكون الكون وغيرها من الاسئلة الماورائية التي لا تتعلق بالحياة والانسان.


الجواب هو ان الحياة هي جزء من هذا الكون غير منفصلة او مستقلة عنه .أن اهتمامنا بالحياة نفسها هو اهتمام بالكون او بجزء منه على الاقل. هكذا يكون موضوع فلسفة سعادة هو الانسان المجتمع وليس منشأ الكون .

أيضا ، هناك فرق بين فلسفة الحياة من جهة والنظرة الى الحياة والكون والفن من جهة اخرى ، وهذا ما سنبينه فيما يلي:

لقد راينا ان العلوم هي درس الوجود كما هو، وان فلسفة العلوم هي درس ما وراء هذه العلوم واسباب كونها كما هي ، وان الفن واعلى مراتبه فلسفة الحياة هو وهي استعمال العلوم والاستفادة منها لتجويد الحياة وتحسينها واشادة حياة فيها حق وخير وجمال . عندما نقول ذلك فاننا لا نقصد ابدا ان هذه القضايا الثلاث هي قضايا منفصلة عن بعضها او مستقلة كل الاستقلال عن بعضها . وعندما نقول الكون فاننا نعني الحياة باشكالها والوانها والعلوم واصنافها وفلسفة العلوم معا ، اي اسبابها وعواملها ومبادؤها الاولى. ورأينا كيف اننا نشهد انسيابا مستمرا من فلسفة العلوم الى العلوم الى فلسفة الحياة، اي ان الاسئلة التي تنتمي الى فلسفة العلوم وتتم الاجابة الاكيدة عليها تصبح علوما، والعلوم بدورها تصبح ، بالفن ، فلسفة حياة . فالكون هو اذا هذه الدورة المتصلة التي تبتدئ من الله سر الوجود واسبابه الى فلسفة العلوم الى العلوم الى الفن الى فلسفة الحياة واعمال هبة الله ، العقل ،لاستنباط الحلول الانسانية العقلية الذهنية لقضايا الانسان والحياة .


هكذا تكون الفلسفة ، ونقصد فلسفة الحياة ، هي جزء واحد لا يتجزأ من ثلاثة اجزاء رئيسية تؤلف مجتمعة النظرة الى الحياة والكون والفن . وهكذا الفلسفة هي اذن حلولنا الذهنية العقلية لمسائل وقضايا حياتنا العملية اي قضايا مصالحنا ومصيرنا كله ، وعلى هدي هذه الحلول العقلية نقرر ونفعل ونتصرف ونعالج شؤون الحياة . الم يقل سعادة للطلاب القوميين في المحاضرة الثانية بانه "يجب ان نفهم فلسفة الحركة لكي نعرف كيف نعالج الامور" ؟

لا معنى للفلسفة ولا حاجة لها خارج معالجة الامور اي التصرف تجاه قضايا الحياة ومصالح الحياة المادية والمعنوية على السواء ، لذلك يقولون في علم الفلسفة انها تعني " ما العمل؟" بينما فلسفة العلوم فتعني " لماذا الاشياء هي كذلك؟ ، والفرق واضح وكبير بين الاثنين ولكنه لا يلغي الترابط ووحدة الوجود ووحدة النظر اليه .

أن نظرة سعادة الى الحياة والكون والفن تشمل فيما تشمل فلسفة الحياة ولكنها تبدأ من فلسفة علم الاجتماع أي من تفسير الحياة الانسانية والتطور الانساني وعوامله ومبادئه الاولى وصولا الى فلسفة الحياة اي تشييد المستقبل وبناء حياة افضل على الاساس العلمي للاجتماع وحقائقه العلمية . النص الذي سأقراه الان لسعادة يعطي اقوى برهان عما اقول واوضح صورة عن ترابط فلسفة علم الاجتماع التي يسميها عقيدة تفسير الحياة ، وفلسفة الحياة التي يسميها تشييد المستقبل ، مرورا بعلم الاجتماع الذي يسميه أساس الارتقاء الانساني . يقول : " في كل هذه المدة الطويلة وبعد كل هذه المحن العظيمة لم يضعف ايماننا بل قوي ، ايمانكم بي وايماني بكم : امنتم بي معلما وهاديا للامة والناس ومخططا وبانيا للمجتمع الجديد وقائدا للقوات الجديدة الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الى النصر. وامنت بكم امة مثالية معلمة وهادية للامم وبناءة للمجتمع الانساني الجديد قائدة لقوات التجدد الانساني بروح التعاليم الجديدة التي تحملون حرارتها المحيية وضياءها المنير الى الامم جميعها ، داعية الامم الى ترك عقيدة تفسير التطور الانساني بالمبدأ الروحي وحده وعقيدة تفسيره من الجهة الاخرى بالمبدا المادي وحده ،....والى التسليم معنا بان اساس الارتقاء الانساني هو اساس روحي مادي (مدرحي ) وان الانسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الاساس وتشيد صرح مستقبلها عليه ....".

في هذا النص ثلاث قضايا فكرية هي : عقيدة تفسيرالتطورالانساني ، ثم اساس الارتقاء الانساني ، ثم تشييد المستقبل .

فلنتوقف عند عبارة عقيدة تفسير التطورالانساني بالمبدأ المادي او الروحي ، ونسأل : ما معنى تفسير الحياة بالمبدأ وكيف يكون تفسير الحياة والتطور بالمبدأ وهل المبدأ يفسر؟ وهل التفسير بحاجة لمبدأ وعقيدة كي نقول عقيدة تفسير التطور بالمبدأ ؟؟لكي نحصل على جواب يجب ان نعرف ان كلمتي عقيدة ومبدأ تعنيان فلسفة وان التفسير يعني علم او هو من مهام العلم ، فتصبح عقيدة تفسير التطور بالمبدأ المدرحي التي ذكرها سعادة في النص الوارد فوق ، تصبح موضوعا ينتمي الى فلسفة العلوم الانسانية وليس الى العلوم نفسها ، ولا الى فلسفة الحياة ،لانه لا يوجد اجماع حول اي مبدأ يجب تفسير الحياة به . أما عبارة ادراك الاساس فهي حتما تعني معرفة القواعد والحقائق والمعارف الانسانية وهذا ينتمي الى دائرة علم الاجتماع . أما عبارة تشييد المستقبل فبديهي انها تعني فلسفة الحياة .

ان النظرة الى الحياة والكون والفن المعبر عنها في هذا النص الواحد رأينا كيف هي تبدأ من فلسفة علم الاجتماع مرورا بعلم الاجتماع نفسه وصولا الى فلسفة تشييد المستقبل ، لذلك قال سعادة ان الانسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الاساس وتشيد صرح مستقبلها عليه .

احد دارسي الفلسفة من الرفقاء ، وفي كتابه "المجتمع والانسان" يتعجب ولا يفهم،حسب ما هو يقول، كيف ان سعادة يخلط في نص فلسفي واحد بين ما هو علمي(تفسير الحياة) وما هو فلسفي معياري (تشييد المستقبل) ولا يعرف هذا الرفيق اذا كان هذا النص هو نص علمي او نص فلسفي !! هذا الرفيق انطبق عليه تنبيه سعادة عندما قال : "إن بعض طلبة الفلسفة من الرفقاء تُرِكوا بلا تعليم عقدي ليقبلوا تعاليم المدرسة العقدية الأولى التي يدخلون لتعلّم الفلسفة فيها، فدرسوا المذاهب الفلسفية الكلاسيكية وما عُرِضَ عليهم أو وُجِّهوا إليه من مذاهب اخرى إلاّ الفلسفة القومية الإجتماعية.  فهذه لم يكن بقربهم من يهتم بتوجيههم إليها، فلم يكن لها مكان في أفهامهم، وكونوا نظرتهم أولياً ونهائياً على غير نظرتها واصولها.  ومن البديهي أن يكون إنتاجهم في هذه الحالة في غير اتجاهها وفي غير نظرتها..."

ان سعادة لا يخلط ابدا ، وهو العالم والفيلسوف معا ،ان سعادة يدرك ما هو العلم وما هي الفلسفة ولكنه يدرك ايضا ان فلسفة الحياة - فلسفة تشييد المستقبل – الفلسفة الوجوبية المعيارية بلغة الاكاديميين، هي جزء من نظرة شاملة الى الحياة والكون والفن وهذه النظرة لا بد ان تبدأ من عقيدة تفسير الحياة والتطور الانساني مرورا بادراك اساس هذا التطور العلمي وصولا الى عقيدة او فلسفة تشييد المستقبل .

ولعل تعبيرالنظرة الى الحياة والكون والفن الذي انفرد به سعادة وامتاز به عن غيره من الفلاسفة، لعل هذا التعبير هو الفيصل في اثبات ان مسائل فلسفة العلوم ثم العلوم ثم فلسفة الحياة والمستقبل هي مسائل تؤلف قضية واحدة وليست مسائل منفصلة ومستقلة تماما عن بعضها .

هكذا نجد سعادة في كتابه العلمي "نشؤ الامم" يستعمل نظرته المدرحية ومبدءه المدرحي في تفسير الحياة والتطور الانساني ، اي تفسير وتحليل ووصف نشؤ المجتمع وتطوره ونشؤ الدولة وتطورها . ولذلك يقول ان تعبير المدرحية الذي انتحله واستعمله الشاعر رشيد سليم الخوري هو قول فلسفي مأخوذ من كتابه "نشؤ الامم" .

هذا لا يعني ابدا ان كتاب نشؤ الامم هو كتاب فلسفة ، وهذا لا يتناقض ابدا مع اعلان سعادة بان نشؤ الامم هو كتاب علم " تجنبت فيه التأويلات والاستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة ما وجدت الى ذلك سبيلا".ان سعادة قد تجنب فعلا التأويلات والاستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة النظرية غير المبنية على حقائق ووقائع ، ولكن في علم الاجتماع، وخلافا للعلوم المادية البحتة، لا يمكن فصل العلوم عن فلسفة العلوم ولا بد لعالم الاجتماع من "عقيدة تفسير" يستعملها في بحثه عن حقائق الاجتماع وعوامل تطوره .وهذا ما يسميه البعض بالمنهج ،لا بد لعلم الاجتماع من استعمال منهج لمقاربته به . ان سعادة قد تجنب فعلا التأويلات النظرية غير الواقعية في كتاب نشؤ الامم ما استطاع لذلك سبيلا ، كما قال في المقدمة بالضبط ، وعندما لم يستطع الى ذلك سبيلا واضطر ان يستطرد ويذكر شيئا من تلك الاستنتاجات والتأويلات كان يذكر ذلك صراحة وبوضوح ويعلن ذلك بصيغة "نرجح" التي معناها اننا لا نستطيع ان نؤكد علميا بالبرهان . مثلا ، وفي تفسير اسباب توزع النوع البشري الى اجناس اي سلالات، وحيث ان علم الاجتماع لم يتوصل الى الان الى معرفة اسباب وكيفية نشؤ السلالات ، فان سعادة لم يستبد ويفرض نظريته غير المؤكدة او المثبتة علميا بل قال : " والذي نرجحه ان السلالات البشرية هي عدة تطورات او سلسلة تطورات حدثت في ظروف وبيئات تطورية اي قبل استقرار البيئة الطبيعية على حالتها المعروفة الان وقبل ان يكون الارتقاء قد مكن الانسان من التحوط ضد اختلاف البيئات " . انه لم يجزم بذلك بل قال باننا نرجح ذلك ، وهكذا حافظ على علمية الكتاب البحتة ووفق بينها وبين اضطراره لاكمال موضوع السلالات بذكر شيء عن سبب وعوامل نشوئها ، ولو بصيغة الترجيح .

ناتي الان ونختم موضوعنا باستعمال مصور الماسة الثالثة التي توضح وتوجز العلاقة الثلاثية الابعاد بين فلسفة علم الاجتماع ، وعلم الاجتماع ، وفلسفة الحياة وتشييد المستقبل .وهذه الابعاد الثلاثة تؤلف معا النظرة الى الحياة والكون والفن . واهمية هذا المصور هي انه يبين ويوضح لماذا الفلسفة القومية الاجتماعية هي فلسفة صحيحة وما هي حجة هذه الفلسفة ضد الفلسفات الاخرى ، وهذا هو لب موضوع هذه المحاضرة .

الله مصدر الحياة وعلة الكون



1 – الارض تغيرت طوبوغرافيا قبل ان تستقر على حالتها الحالية.

2 – هناك عدة بيئات طبيعية مختلفة وليس بيئة طبيعية واحدة

3 – الاجتماع صفة ملازمة للانسان في جميع اجناسه و حيثما وجد الانسان وفي اية درجة من الانحطاط او الارتقاء وجدناه، وجدناه في حالة اجتماعية

4 – ان السلالات امر فيزيائي واقع والادلة على وجوده متوفرة ، ...يجب الا يستنتج من ذلك ان هناك مواهب عقلية سلالية خاصة مكتسبة من الشكل السلالي ومقتصرة على السلالة ومتوارثة فيها ، ان الواقع قد برهن على غير ذلك .

5 – اساس التطور الاجتماعي هو اساس مادي – روحي ، ويبدأ من المجموع فالجماعة(المتحد) فالمجتمع فالامة فالدولة .

6 – الرابطة الاقتصادية هي رابطة الاجتماع الاولى : الرابطة الاقتصادية في الاجتماع البدائي تقوم على الرابطة الدموية ، اما في الاجتماع الراقي او المتمدن فتقوم على رابطة المصلحة الاقتصادية الاجتماعية الشاملة ، والتطور الاجتماعي هو دائما على نسبة التطور الاقتصادي .

7 – توزع الارض بيئات هو السبب في نشوء واختلاف المجتمعات .

8 – الامة هي المجتمع المدرك والواعي لوحدة شخصيته ووحدة مصالحه ، وهذا الوعي هو ما نسميه قومية.

9 – الامة هي جماعة (مجتمع) موحدة المصالح موحدة المصير موحدة العوامل النفسية – المادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه في مجرى التطور خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الامم .

10 – لا اصل سلالي واحد لاي امة من امم الارض ، والامة تجد اساسها قبل كل شيء في وحدة ارضية – بيئة طبيعية – وطن واحد يسهل تفاعلها ضمنه وعليه في دورة حياة اجتماعية اقتصادية نفسية واحدة .

هذه باختصار شديد عشرة اساسات علمية اخترتها للقياس عليها المبادىء السورية القومية الاجتماعية ، كما لمقابلتها مع المبادىء او الخطوط الرئيسية للعقائد والفلسفات الاخرى . وفي هذا المجال دعونا نرى التناقض بين هذه الفلسفات وبين هذه الاساسات كما يلي :

أ – العولمة تتناقض مع مع الاساس 9

ب – الليبرالية –الوجودية – الفردية تتناقض مع الاساس 3 و 5 و8 و 9

ج – الشيوعية تتناقض مع الاساس 5 و 8 و 9 .

د – النازية والفاشية تتناقض مع الاساس 4 و 10

ه – نوع العروبة الوهمية التي تقول بامة ومجتمع واحد من المحيط الى الخليج تتناقض مع الاساس 2 و7 و 9 و 10

و – الفلسفة الروحية المثالية تتناقض مع الاساس من 1 الى 10 .

ز- الرأسمالية تتناقض مع الاساس 5 و 8 و 9

.......الخ


شكرا لصبركم واستماعكم ومرافقتكم لي في هذا الموضوع الجديد الخالي من المشوقات السياسية والاخبارية ، والى اللقاء ، ودائما ...لتحيا سورية .


سدني في 2-11- 2014


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017