Warning: Undefined variable $PHP_SELF in /home/clients/61e9389d6d18a99f5bbcfdf35600ad76/web/include/article.php on line 26
SSNP.INFO: من الاختلاف إلى وحدة الإرادة بقلم الامين الدكتور ادمون ملحم
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2026-11-30
 

من الاختلاف إلى وحدة الإرادة بقلم الامين الدكتور ادمون ملحم

الامين لبيب ناصيف

ما الذي يجمع السوريين القوميين الاجتماعيين، ويجعل منهم قوّة واحدة قادرة على حمل قضيّة أمّتهم والنهوض بمسؤوليّاتها؟ أهو الانتماء إلى حزب واحد، أم الالتزام بعقيدة ونظام واحدين، أم أنّ هناك رابطة أعمق تجمع النفوس والقلوب، وتوحّد الإرادات، وتدفع الجميع إلى العمل والتضحية في سبيل غاية مشتركة؟

إنّها مسألة جوهريّة في حياة الحزب لسوري القومي الاجتماعي، وخصوصًا عندما تتعدّد الآراء والاجتهادات، وتبرز الخلافات حول بعض المواقف والقرارات. فالاختلاف أمر طبيعيّ في كلّ جماعة حيّة، لكنّ الخطر يبدأ عندما يتحوّل إلى تنازع في الإرادات، وتضعف الروابط التي تجمع أبناء العقيدة الواحدة.

لقد أدرك سعاده أهميّة هذه المسألة، فجعل من وحدة العقيدة والمصلحة والروح والإرادة أساسًا لبناء الحزب وتحقيق النهضة. ولم ينظر إلى الوحدة باعتبارها مجرّد اتّفاق تنظيميّ، بل رآها حقيقة عميقة تتجسّد في النفوس والمشاعر والأعمال.

وحدة المصلحة أساس وحدة الإرادة

في خطاب الأوّل من آذار سنة 1938، تحدّث سعاده عن الحقيقة القوميّة التي كشفت للأمّة وجودها ومصالحها وشخصيّتها وإرادتها، وقال:

"بهذه الحقيقة صرنا ندرك أنّ الإرادة الواحدة الدائمة لا تكون إلّا وليدة المصلحة الواحدة الدائمة ".

إنّها عبارة تختصر أساسًا مهمًّا من أسس التفكير القوميّ الاجتماعيّ.

فالإرادات لا تتوحّد توحّدًا ثابتًا إذا كانت المصالح متعارضة، ولا يمكن بناء وحدة دائمة على مساومات مؤقّتة أو ولاءات شخصيّة. إنّ وحدة الإرادة تنشأ من إدراك حقيقة المصلحة القوميّة المشتركة، ومن الإيمان بقضيّة تتجاوز المصالح الفرديّة والفئويّة.

ولهذا لم يكتفِ سعاده بالدعوة إلى الاتّحاد، بل وضع المبادئ التي تجمع أبناء الأمّة في عقيدة واحدة ومصلحة واحدة وإرادة واحدة، كما أوضح في خطابه في صافيتا سنة 1936.

ولكن وحدة المصلحة والعقيدة، على أهميّتهما، تحتاج إلى رابطة روحيّة عميقة تجعل الإيمان المشترك قوّة حيّة في النفوس.

الوحدة الروحيّة... الرابطة التي تجمع القلوب

لقد تحدّث سعاده مرارًا عن وحدة الروح والشعور التي نشأت بين السوريين القوميين الاجتماعيين، واعتبرها من أعظم ثمار النهضة.

ففي خطابه في الأوّل من آذار سنة 1943، أشار إلى أنّ اشتراك القوميين الاجتماعيين في إحياء هذه المناسبة كان دليلًا على تولّد وحدة الشعور بينهم، وأنّ استمرار هذا الاشتراك أثبت ازدياد متانة الوحدة الروحيّة ورابطة الجهاد القوميّ.

وفي المناسبة نفسها، تحدّث عن عشرات لا بل مئات الألوف من السوريين القوميين الاجتماعيين الذين يجتمعون في الوطن والمغترب:

"ليثبتوا وحدتهم الروحيّة والعمليّة في العقيدة والشعور والجهاد".

وهنا تتجلّى أهميّة الوحدة الروحيّة في فكر سعاده. فهي ليست مجرّد عاطفة عابرة، ولا شعورًا ينتهي بانتهاء مناسبة أو اجتماع، بل رابطة تنشأ من الإيمان المشترك، وتتعمّق بالمحبّة القوميّة والثقة المتبادلة والتضامن والتضحية.

إنّها التي تجعل القوميّ الاجتماعيّ يشعر بأنّ رفيقه شريك له في قضيّة تساوي وجوده، وأنّ ما يجمعهما أعمق من أيّ خلاف في الرأي أو اختلاف في تقدير الأمور.

ولذلك شدّد سعاده على أهميّة تأليف القلوب، فقال:

"إنّ تأليف القلوب وجمع فئات الأمّة في مطلب واحد وعقيدة واحدة ونظام واحد وإرادة واحدة وقيادة واحدة، هو أوّل ثقافة يجب أن تُعنى بها الأمّة السوريّة"

فأيّ معنى لوحدة العقيدة إذا تباعدت النفوس؟ وأيّ قوّة لوحدة النظام إذا ضعفت الثقة بين الرفقاء؟ وكيف يمكن أن تتوحّد الإرادات إذا أصبحت الخصومات الشخصيّة والفئويّة أقوى من المحبّة القوميّة؟

إنّ الوحدة الروحيّة هي التي تمنح الوحدة التنظيميّة معناها الإنسانيّ، وتحوّل الانتماء إلى شعور بالمسؤوليّة المتبادلة، وتجعل التضامن بين الرفقاء التزامًا حيًّا لا مجرّد واجب شكليّ.

الاختلاف لا ينبغي أن يمزّق وحدة الروح

لا تعني الوحدة الروحيّة إلغاء الاختلاف في الرأي، أو منع النقد والمساءلة، أو مطالبة الجميع بالتفكير بطريقة واحدة. فالاختلاف المسؤول قد يساعد على تصحيح الأخطاء وتحسين القرارات وتطوير العمل.

لكنّ المطلوب أن يبقى الاختلاف ضمن حدود الاحترام المتبادل والالتزام بالقضيّة والمؤسّسات، وألّا يتحوّل إلى خصومة تزرع الأحقاد وتضعف الثقة وتدفع الرفقاء إلى التباعد.

لقد جمع سعاده بين حريّة التفكير وضرورة وحدة الاتّجاه والعمل. ففي خطابه في الأوّل من آذار سنة 1938، أكّد أهميّة المؤسّسات والتشريع في حفظ وحدة الاتّجاه ووحدة العمل وضمان استمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات.

ومن هنا، فإنّ المؤسّسات ليست بديلًا عن الوحدة الروحيّة، بل إطار يحفظها ويتيح تحويلها إلى عمل منظّم. كما أنّ الوحدة الروحيّة لا تعني تعطيل المؤسّسات أو تجاوز صلاحيّاتها باسم المحبّة أو التضامن.

مسؤوليّة القيادات في صون الوحدة

تقع على القيادات الحزبيّة مسؤوليّة خاصّة في المحافظة على وحدة الصفّ. فالمسؤول، أيًّا كان موقعه، ليس ممثّلًا لفئة أو مجموعة من الأتباع، بل مؤتمن على قضيّة وعلى وحدة المؤسّسة التي يتحمّل مسؤوليّاته فيها.

وتظهر قيمة القيادة في قدرتها على جمع الطاقات، وتقريب وجهات النظر، ومعالجة الخلافات بالحكمة والعدل، وتعزيز الثقة بين الرفقاء، لا في توسيع دائرة الخصومات أو تكريس الانقسامات.

إنّ القائد الذي يجمع ولا يفرّق، ويصون كرامة رفقائه، ويحترم المؤسّسات، ويضع المصلحة القوميّة فوق الاعتبارات الشخصيّة، يساهم في تقوية الوحدة الروحيّة والعمليّة للحزب.

فالوحدة ليست مسؤوليّة الأعضاء وحدهم، بل تبدأ من القيادات التي يُفترض أن تكون قدوة في التضامن والعمل المشترك.

لنبقَ متّحدين في الروح والإرادة

يا رفقائي السوريين القوميين الاجتماعيين،

إنّ القضيّة التي جمعتنا أكبر من خلافاتنا، وأسمى من مصالحنا، وأعظم من المواقع والمسؤوليّات التي نتولّاها.

لقد ارتبطنا بعقيدة واحدة، وتعاهدنا على خدمة أمّة واحدة، وجمعتنا آمال وآلام وتضحيات مشتركة. فلا يجوز أن نسمح للخلافات بأن تهدم ما بنيناه، أو أن تضعف الرابطة الروحيّة التي جعلت منّا جماعة مؤمنة بقضيّة واحدة.

ولنتذكّر وصيّة سعاده في خطابه في الشوف سنة 1937:

"إنّكم ارتبطتم بعضكم ببعض وربطتم أرواحكم بعضها ببعض لأنّكم تعملون في سبيل المبادئ التي جمعتكم بعضكم إلى بعض. فابقوا منضمّين متضامّين وكونوا عصبة واحدة أينما سرتم وكيفما توجّهتم"

فلنختلف في الرأي، ولكن لنبقَ متّحدين في الروح والعقيدة والإرادة. ولنجعل من محبّتنا القوميّة وتضامننا واحترامنا لمؤسّساتنا قوّة تجمعنا، وتدفعنا إلى العمل والإنجاز.

إنّ أمّتنا لا تنتظر منّا حزبًا تتنازع إراداته وتستهلكه خلافاته، بل حزبًا قويًّا، متماسكًا، موحّد الروح والإرادة، مقاومًا، قادرًا على حمل قضيّتها والدفاع عن حقوقها وصناعة مستقبلها.





 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه