| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2026-11-05 |
مـقـابـلــــة افـتـراضـيـــــة مـع ســعـيـد تـقــي الـديـن بقلم الامين احمد اصفهاني |
|
أشرت في الفصل السابق إلى أن تطوري الصحافي المهني أشعرني بثقة زائدة بالنفس، شجعتني على الكتابات التجريبية. وكانت المقالة المخصصة لذكرى وفاة الأديب القومي الاجتماعي سعيد تقي الدين باكورة تلك التجارب. ومع أني عرضت الفكرة في اجتماع التحرير الأسبوعي، إلا أنني لم أقدم تفاصيل وافية. لذلك عندما صدر العدد، واجهت ملاحظات عدة بعضها إيجابي وغالبيتها سلبية. وقد أبدى المعترضون انزعاجهم لمسألتين: الأولى تتعلق بعقيدة التقمص عند الموحدين الدروز. والثانية تكمن في عنوان "أفتقدكم يا رفقائي"، الذي رأى فيه الرفقاء المركزيون "لطشة" مقصودة! والحقيقة أنني "أعدت" سعيد تقي الدين إلى الحياة كي أضع على لسانه آرائي تجاه أحداث تلك الفترة، بما فيها أوضاع الحزب. أما أنا فقد كنت "معجباً بالمقال"، ويزداد إعجابي كلما أعدت قراءته. وها أنا أنشره كله مشاركة مني للقراء الذين هم الحكم الأهم. في ذكرى وفاته "البناء" تحاور العائد سعيد تقي الدين: أفتقدكم يا رفقائي اليوم ذكرى وفاة سعيد تقي الدين، والمناسبة هذه تتطلّب أن نكتب عن هذا العملاق الذي طالما احتلّ صفحات الجرائد والمجلات ساخراً موجّهاً مدافعاً ومقاتلاً. والمطلوب منك أنت أن تكتب عن سعيد تقي الدين. هكذا؟ تمسك القلم وتبدأ التفكير بمقدّمة لما تريد أن تقوله. أنت لا تريد أن تكتب دراسة، بل مجرّد كلمة محبّة وشكر لرجل عملاق جسداً وروحاً. تحار. لا تعرف من أين تبدأ في دنيا هذا الرجل الواسعة: ابتداءً من مسرحياته أو مقالاته أو قصصه؟ من حياته العاصفة الساخرة التي اعتصرها لأجل هذه الأمة حتى آخر قطرة؟ أم تبدأ من إيمانه القومي الاجتماعي وعضويته الحزبية ونضاله وصراعه وحتى احتراقه؟ أم تبدأ من النهاية، من تألّمه ووحدته وحزنه ثم اغترابه الأخير وموته وحيداً؟ تحار. الوقت يمرّ مسرعاً وأنت يجب أن تكتب عنه شيئاً، أيّ شيء. الأوراق مبعثرة أمامك، والكتب القليلة الباقية من آثاره تتحدّاك أن تكتب عنها: لولا المحامي – نخب العدو – حفنة ريح – المنبوذ – غابة الكافور – ربيع الخريف – غدًا تقفل المدينة – سيداتي سادتي – تبلّغوا وبلّغوا – رياح في شراعي – غبار البحيرة – وأنا والتنين.. وغيرها العشرات والمئات من المقالات والبيانات والرسائل والخطب الموزّعة في بطون الجرائد والمجلات والغائبة في أقبية المكاتب أو في أزقة النسيان. تحار. يتحدّاك هذا العملاق أن تدخله هو ذاته في كلمة أو سطر أو صفحة أو كتاب أو حتى مجلّدات كاملة. يسخر منك، ففي كل شخص عرفه بعض من فكاهة أو دعابة أو توجيه أو تعبير. يضحك، حين تحاول أن تقارن بينه وبين مدّعي الأدب... ويبتسم بحزن ويصمت. تحار. لا تستطيع أن تبدأ – تعتذر منه لأنّك لا تدخّن ولا تشرب القهوة التي تساعد على الاستمخاخ. عملية "القهونة" هذه لم تتعلّمها بعد. الوقت يتأخّر، وغداً يوم آخر. تتعب. تقرّر أن تفكّر مليّاً بسعيد، وأن تحضّر نفسك للكتابة عنه غداً صباحاً. وحتى الغد تتوسّد فراشك. تاركاً على الطاولة كتباً مبعثرة وأوراقاً تشكو اصفرار الزمن. فجأة ينشقّ الباب، وتدخل إلى غرفتك غيوم رماديّة من الدخان ترافقها رائحة لذيذة من القهوة. تنتصب في فراشك خوفاً كما انتصبت كلّ خصلة شعر في جسدك. لا تحاول الصراخ. تنقشع الغيوم عن وهج يلمع ثمّ يخبو. تتأكّد من ارتفاع هذا الوهج أنّ الشخص الذي دخل ظلام غرفتك عملاق. ما زلت غير قادرٍ على الصراخ. فجأة تسمع "تكتكة" زر الكهرباء في المصباح الموضوع على طاولتك، وتتنوّر الغرفة بضوء باهر. تفونس قليلاً، تفرك عينيك وتنظر... على الطاولة يجلس سعيد تقي الدين بذاته. فيغمرك طوفان من الفرح المفاجئ الذي يطرد كلّ بقايا الخوف، وتفرك يديك ارتياحاً فقد أصبحت مشكلة الكتابة عن سعيد تقي الدين محلولة، فها هو بنفسه أمامك، في غرفتك وإلى طاولتك. لا ينظر إليك سعيد، فهو لاهٍ بتقليب الكتب والأوراق على الطاولة. وكلّما قلب ورقة هزّ رأسه بتثاقل. ينهض عن الطاولة ويتّجه إلى مطبخك العاري وكأنّه يعرف البيت منذ سنوات وسنوات. يضع "ركوة القهوة" على النار ويلقّمها بالقليل الباقي من البنّ الذي ينتظر الضيوف القلائل الذين يزورونك. وقبل أن يعود سعيد من المطبخ بعد قليل يكون قد لقّم "الركوة الثانية". تبقى صامتاً فترة من الزمن. تقرّر أنّ الوقت ثمين وأنّه من الضروري أن تبدأ حديثك معه. يجلس سعيد أمامك وهو يرتشف الفنجان الخامس من "الركوة الثالثة". يحسّ أنّك مرتبك، فيخترق جدار الصمت ويقول: "أنت تعلم أنّني أنا الذي تخيّرت بعقلين مسقطاً لرأسي. وتعلم أيضاً أنّني نشأت في جوّ الموحّدين الدروز الذين يؤمنون بالتقمّص، فلذلك قرّرت أن أعود اليوم إلى هنا بالذات، إلى هذه الغرفة العارية الموحشة التي تذكّرني بآخر غرفة أمضيت فيها أيامي الأخيرة". يصمت. تتأمّل هذا العملاق من خلال سحب الدخان التي تلفّ وجهه. إنّه سعيد تقي الدين: بقامته المديدة، بضخامة جسده التي طالما تندّر بها، بحاجبيه الكثيفين، بأنفه المميّز، وبجبهته العريضة. إنّه سعيد تقي الدين ذاته كما عرفته من خلال صوره العديدة. إنّه نفسه تماماً، لولا مسحة من الحزن تختبئ في عينيه وتمتزج مع نبرة السخرية المرحة في صوته. يكمل حديثه معك: "أنت تعلم أنّني أجريت في حياتي الأولى مقابلات صحفية مع أناس عديدين وكانت كلّها حلوة. وإنّني أيضاً أجريت مقابلة مع نفسي وكانت أحلى. أمّا اليوم فإنّي أريدك أن تجري مقابلة معي وستكون الأحلى. لكنّني أحذرك منذ الآن. فإذا ما كانت هذه المقابلة من النوع الذي يكتبه شمدص جهجاه ليقرأه عوسج شنديب وبندر بك علوش وطعبروس وقبائل البساطرة، فأنّك ستحسّ بألم دائم في قفاك. لأنّني سأظلّ "ألبطك" حتى تموت فقعاً، وبعد ذلك سيمسخك الله قرداً مسجوناً في قفص موضوع في سيرك ثقافي، تماماً مثل ذلك الممسوخ الموضوع في قصر للثقافة على رابيةٍ من روابي جبل لبنان". تحسّ بخوف، يطمئنك تأكيده بأنّ المقابلة ستكون قصيرة. "ما كنت لأحتاج إليك لكتابة هذا الحديث لولا أنّ يديّ مشغولتان. إحداهما تحمل أكثر من سيجارة واحدة – لأنّني قرأت في شارع الحمراء في بيروت إعلانات وزارة الصحّة التي تمنع التدخين بسبب ضرره الكبير. والثانية تصبّ القهوة كي تقاوم ضرر النيكوتين "بفوائد" الكافيين". تبتسم بهدوء واطمئنان. تسأله: هل لاحظت الصدفة التي جمعت وفاتك – الأولى طبعاً – واستشهاد غسان جديد في نفس الشهر؟ لا يجيب. يرحل في دنيا بعيدة. من معرفة بسيطة، إلى مغامرة صغيرة، إلى مخاطرة مصيرية، إلى رفقة حزبية، إلى حياة واحدة، إلى مسؤوليات مركزيّة في أدقّ الظروف، إلى صداقة ومحبّة، إلى خلاف بسيط، إلى استشهاد، إلى حزن، إلى البكاء الذي لا يليق بالرجل الكبير الذي لا ينتهي بمأتم، إلى الغربة، إلى الوحدة وإلى الموت. يسألك: "هل عندك شريط مسجّل لأغاني فيروز. غسان كان يحبّها ويتفاعل بها. دعنا نسمعها ونتقهون". تحرقك الدمعة الكبيرة التي انهمرت من الرجل الكبير. تصمت احتراماً لحزنه. ينهرك. يلحّ أن تسأله. تقول له محاولاً الهرب من المواضيع التي تحزنه: أنت عُرفت ككاتب مسرحي إلى جانب النواحي الأخرى الأدبيّة. فما رأيك بالمسرح اليوم؟ الرعد المجلجل في قهقهته العالية يسبق البرق المشرقط في عينيه. يقول: "ليس هناك اليوم مسرح ولا من يمسرحون. كلّهم قتلتهم الأحداث الأخيرة وما عادوا يتجرّأون على طرح أي موضوع مصيري في مسرحياتهم. أما قرأت رفّة جناحي التي تقول – فرح الحمار حين ربطوه في اسطبل الحصان، فأكل في معلف الجواد ولبس سرجه، ثمّ شاء أن يظهر فرحه فنهق ولم يصهل؟ هذا هو واقع الحال اليوم. لبنان خرج من حرب. ولا واحد من هؤلاء الذين ربطوا خطأ في معلف الحصان استطاع أن يمسرح هذه الحرب أو على الأقلّ يعبر عن أحد جوانبها العديدة. قل لهم أن يقرأوا "نخب العدو" المسرحية التي كتبت قبل أكثر من ثلاثين سنة والتي تصوّر تماماً العديد من الأحداث التي عجز هؤلاء الأقزام عن فهمها والتعبير عنها. شيء آخر أريد أن أقوله. قبل الحرب اللبنانية كلّهم تحدّثوا عن الغربة وعن الضياع وعن الالتزام وعن الانتماء. إنّني أؤكّد لك يا رفيقي أنّهم لم يقرأوا "المنبوذ" ولم يعرفوا كيف يكون الانتماء بعد ضياع، وكيف تتحوّل قطرات الماء المبعثرة إلى نهر هادر واحد يجرف كلّ شيء!". تقاطعه مسرعاً لئلا يسترسل في محاضرة طويلة، وأنت تعرف أنّه معجب جداً بنفسه في هذه النواحي. تقول: لكنّهم يؤكّدون أنّ تقنيّة المسرح الحديث تقتضي التغيير. ينتفض قائلاً: "طز في التقنيّة التي يطالبون بها. وعلى كل من قال لهم أنّني ضدّ التقنيّة في المسرح. قل لهم – مثلاً – أن يدلّوني على ثغرة واحدة في البناء المسرحي التقني المتكامل لمسرحيتي العالمية – بتواضع – "حفنة ريح". ليدلّوني على ثغرة واحدة وأنا مستعدّ لحرق كلّ كتبي ومخطوطاتي. قل لهم أن يقرأوا تعليماتي وإرشاداتي للممثّلين والمخرجين في مسرحياتي. هذه التعليمات والإرشادات التي كنت أكتبها أنا سعيد تقي الدين الذي تخرّج من مدرسة الحياة ولم يتسكّع أبداً في زواريب باريس ولندن وهوليوود متزحفطاً وراء لقب مسرحي، هذه التعليمات تتجاوز كلّ غازات تفكيرهم وفقّاعات تقنيّتهم الخنفشوليّة". تتدخّل محاولاً تلطيف الجوّ فتسأله عن الشعر: هل طالعت مؤخّراً بعض الإنتاج الشعري الذي يطلقون عليه اسم الشعر الحديث. وما هو رأيك فيه؟ يجيبك بسرعة: "أخ تفوه!!". يفاجئك الجواب. تستفسر بهدوء مخافة ازدياد غضبه. فيكمل: "كنّا نعرف الشعر غير هذا. كنّا نطرب له لجماله ولبساطته. وكنّا نستقبل الشاعر إذا نبغ بالأهازيج والزغاريد والأعراس. أمّا اليوم، "فالشعارير" أكثر من الهمّ على القلب، وأكثر من الذباب على مزبلة". يصعد الدم إلى وجهك. تخاف أن تقول له إنك أنت أيضاً لك محاولات شعريّة فيقوم إليك ويرميك من الطابق الخامس الذي تسكن فيه بعد أن تكون رقبتك قد احمرّت من وقع الكفوف عليها. ينقذك من خوفك ويكمل: "أريد أن أؤكّد شيئاً مهمّاً الآن. نحن كنّا نكتب الأدب: شعراً وقصّةً وروايةً ومقالةً وطبعاً رفّات جناح. وكنّا نفعل كلّ هذا لأنّنا في مدرسة الحياة... لأنّنا أبناء الحياة... ولأنّنا منتمون وجودياً للنهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة. كان الأدب عامةً – عندنا – ممارسة طبيعيّة لفعل الحياة الجديدة فينا، وسعياً لخلق عالم جديد دائم. لذلك كان أدبنا أدب الحياة. أمّا في الوقت الذي بدأ فيه البعض يكتب الأدب للأدب لا للحياة – وخاصةً حياتنا الجديدة – تحوّل هذا البعض إلى تاجر يبيع جسد بضاعته في أزقة شارع المتنبّي – سابقاً للأسف – ولمّا حاول هذا البعض تطوير هذه البضاعة، نقل عمليّة عرضها وبيعها من أزقة المتنبّي أو شارع المنارة إلى عتمة حيّ "السوهو" في لندن أو الشارع اللاتيني في باريس أو حتى مواخير لوس أنجلوس في أميركا. وأنا أقول لك إنّه لن يمضي وقت طويل حتى ينقل هؤلاء بضاعتهم التي هي من ماركة "ماريكا" إلى أزقة مظلمة أخرى في العالم تحت شعار التجديد والحداثة". تضحك بهدوء وأنت ترى جسد سعيد الضخم يهتزّ انفعالاً أمامك. يصرخ بك. تجمد. يقول لك بتحدّ: "أعرف بماذا تفكّر الآن. تضحك لانفعالي بهذه الحدّة. لا ألومك على تعجّبك لأنّك من جيل نشأ على "المهلّبية والكريم كراميل". أمّا نحن فقد نشأنا على البرغل والمجدّرة. وكنّا نؤمن حتى حدود الجنون، لأنّ ما لا تجنّ به لا يجوز أن تخدمه". تعتذر منه بحرارة. تعود البسمة إلى شفتيه. وفي عينيك كلّ الكبرياء الذي تحتضنه عيناه. تقول له: الآن أريد أن أسألك بعض الأسئلة الخاصة والصغيرة. يهزّ رأسه موافقاً. * ما رأيك بنتائج الحرب في لبنان؟ - بعد هذه الغيبة الطويلة لم أعد لأتحدّث بالسياسة على الطريقة اللبنانيّة. لكنّني قبل دخولي عليك غرفتك هذه، مررت على دير كنت أرتاده سابقاً. فأحزنتني رؤية قرميد الدير كلّه مكسّراً. وأنا الذي – من زمان – أعدت لحمة قرميدة في هذا الدير كسرها التعصّب الطائفي. * طيب ما رأيك بالسياسة على الطريقة اللبنانية؟ - ما زلت حتى الآن لا أتجرّأ على النظر إلى الوراء مخافة أن أرى أصبع أحدهم الوسطى موجّهة إلى قفاي، وخاصة أنّ الجميع بات اليوم يُحسن استعمال الصواريخ المضادة والموجّهة. * ما رأيك بمبادرة السادات؟ - هل لاحظتم مؤخّراً كيف كان المطر غزيراً؟ كان أنطون سعاده وغسان جديد وسعيد العاص وعبد المنعم رياض وعبد القادر الحسيني وكمال ناصر وغسان كنفاني والعشرات من الذين حملهم الرصاص اليهودي أو المتهوّد إلى "فوق"، هؤلاء كلّهم كانوا ينزفون من جديد. أمّا صلاح الدين الأيّوبي ويوسف العظمة فقد قرّرا الإضراب عن الطعام حتى تستجاب طلباتهما. * وما هي طلباتهما؟ - أن تقوم مؤسّسة الترجمة والنشر "فوق" بترجمة كلّ قصائد المتنبّي في كافور مصر ثمّ نشرها بطريقة الوحي واعتبارها كتاباً هادياً لجميع البشر. * ما الذي يزعجك من تحت وأنت فوق؟ - يزعجني كلّ الذين يحاولون تقليدي وهم يحملون "تراثاً أصيلاً" من السخافة والتفاهة والانحطاط يعود تاريخياً إلى ما قبل الزمن الجلي. * بعد هذه الغيبة الطويلة ما الذي تحبّه أكثر؟ - أعشق الذين استطاعوا أن يتنشّقوا فوح دمهم. * ما الذي تكرهه أكثر؟ - من أكرهه لا يستحقّ أن أذكره. بالإضافة إلى أنّ الحقد سمّ يقتل صاحبه. ويكفي – إذا أردت التعبير عن احتقاري لأحد ما – أن أقول: أخ تفوه!! * ما الذي أعجبك مؤخراً من أحداث؟ - صورة سعيد عقل الفينيقي وهو يقوم بتقديم شارل مالك (اليوناني الروماني الأميركي و"بتاع كلو" كما يقول المصريون) بعد طبع كتاب "المقدّمة". لقد أضحكتني هذه الصورة حتى انفتق سروالي من تحت. المضحك في الصورة أنّ شارل مالك ينفي وجود أيّة أصالة في "الأمّة اللبنانيّة"، أمّا سعيد عقل فهو لو "وزّت" ذبابة فوق أنفه لاكتشف لها فوراً أصلاً يعود بها إلى أحد أجداده "الذبابيين" القدماء. ولقدّم لها جائزته الشهرية تكريماً للموسيقى الحضاريّة التي تعزفها هذه الذبابة في تحليقها، خاصة عندما يفرز هذا العقل – لن أقول سعيد لأنّ الاسم "مبهبط" عليه – بعضاً من أفكاره وآرائه السياسيّة. هذا هو المضحك في الصورة. فتصوّر. تضحك، كما لم تضحك من زمان. ويتأخّر الوقت والمواضيع كثيرة كثيرة. وسعيد بدأ يتململ في جلسته، خاصة وأنّ ركوة القهوة الثامنة قد انتهت وليس هناك من مزيد لأنّ كميّة البنّ الموجودة عندك قد نفدت. تقول له: رفيق سعيد، أعتقد أنّك تعبت وتريد أن تذهب إلى مكانٍ آخر تتقهون فيه. بالإضافة إلى أنّني يجب أن أنام كي أقدّم غداً صباحاً هذه المقابلة للمطبعة. فهل لك بكلمة أخيرة تقولها لنا؟ يمجّ سيجارته بعمق. حول وجهه تتحلّق دوائر الدخان الرماديّة التي تحجب عنك رؤيته الواضحة. يبقى صامتاً. يمجّ سحبة أخيرة من السيجارة ويطفئها بعصبيّة. ويبقى صامتاً. في حين تنجلي عن وجهه خيوط الدخان الأخيرة. يلتفت إليك بقسوة وينتصب واقفاً. تحسّ بخوف من هذا العملاق. لكن... تحرقك دمعة تنحدر في الأخاديد التي تركها العمر والحزن والتعب على وجهه. تحسّ بحزن يدفعك للتشبّث به ومنعه من الرحيل.. يبقى واقفاً كجبل شامخ كلّلته هيبة الزمن العتيق... ومن خلال الحزن المنهمر عبر خلايا جسده، يأتيك صوته المسكون بالوحدة والألم: "يا رفيقي افتقدتكم. افتقدت أوراقي ورسائلي ومقالاتي وكتبي بين أيديكم.. تفرحكم، تحيا معكم وتقاتل معكم وتنمو بكم.. افتقدت وردة منكم تزهر فوق تراب قبري الموحش... وافتقدتكم أيضاً يا رفيقي حين تدحرجت رفاتي من قهر الغربة وبرودتها إلى دفء الوطن. وحين عبقت بذرّات ترابي رائحةُ الأرض، التفتُّ... عذّبني غياب أيمانكم ترتفع لتحيي الرفيق العائد وتحمل بقايا جسده العملاق. عذّبني أنّني وحيداً قضيت... ووحيداً عدت... ووحيداً توسّدت تراب سورية الحنون". بصمتٍ يتركك سعيد تقي الدين ويرحل. وعلى الطاولة عندما تستيقظ صباحاً، تجد كتباً مبعثرة وأوراقاً تشكو الاصفرار ودمعتين وحيدتين كبيرتين. "البناء"، العدد 314، تاريخ 11 شباط 1978
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |